الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 301، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف لما فيه من ضرر، كما نهى عن سب الريح والدهر لأن الله هو المتحكم فيهما. يجب على المسلم أن يدرك أن الريح والدهر من خلق الله.
أمر النبي عليه الصلاة والسلام بعدم سب الريح، بل سؤال الله خيرها والاستعاذة من شرها عند هبوبها. هذا يدل على حسن تعامل المسلم مع مخلوقات الله.
التواضع في طلب العلم أمر ضروري، وقد مدح النبي عمر بن الخطاب لتواضعه في طلب العلم. ينبغي لطلاب العلم أن يتحلوا بالتواضع لينالوا العلم النافع.
يُشدد على أهمية حضور مجالس العلم لتحصيل العلم النافع. جاء في الحديث الصحيح الحث على ذلك، وقد صححه الألباني.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الخذف، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت عقبة بن صهبان الأزدي يحدث عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف، وقال: «إنه لا يقتل الصيد ولا ينكي العدو، وإنه يفقأ العين ويكسر السن». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب الخذف»، أي بيان النهي عن الخذف والتحذير منه. والخذف أن يضع أحجارا صغيرة في إصبعه السبابة، ويرمي بها بالسبابة الأخرى، هكذا، هذا يسمى خذفا، أو يضعها في الإبهام ويرمي بها بالسبابة، هذا يسمى خذفا. فهذا الخذف نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قال عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف، وقال: «إنه لا يقتل الصيد ولا ينكي العدو»، يعني أن الخذف ليس فيه فائدة، فلا يقتل الصيد إذا أراد أن يصيد صيدا فإنه لا يستطيع أن يصيده بالخذف، ولا ينكي العدو، يعني لا يصيب العدو فينكل بهم أو كذلك يضر بهم، فلا فائدة فيه، وإنما منه مضرة، فإنه يفقأ العين ويكسر السن. يفقأ العين يرمي بهذه الحصاة فتقع في عين الآخر فتفقأ عينه، تذهب عليه بعينه، وهكذا يكسر السن إذا وقعت في السن ربما كسرت السن، إذن منه مضرة ولا منفعة فيه، فلأجل ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الخذف. وجاء في رواية أن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه رأى ابنا له يرمي يخذف، فنهاه، ثم عاد فخذف، فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، ثم تعود فتخذف، لا أكلمك أبدا، لا أكلمك أبدا. غضب عليه رضي الله تعالى عنه لأنه خالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيما علم وبين له أن هذا الأمر مما نهى عنه عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث في الصحيحين، حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله تعالى عنه في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الخذف. قال: «باب لا تسبوا الريح»، قال: حدثنا يحيى بن أبو كثير، قال: حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ثابت بن قيس، أن أبا هريرة قال: أخذت الناس الريح في طريق مكة وعمر حاج، فاشتدت، فقال عمر لمن حوله: ما الريح؟ فلم يرجع بشيء. قال: فاستحثثت راحلتي فأدركته، فقلت: بلغني أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، وعوذوا من شرها». هذا الباب «باب لا تسبوا الريح» ترجم الإمام البخاري رحمه الله بهذه الترجمة. وهذا العنوان قد جاء في لفظ بعض روايات هذا الحديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن سب الريح. فذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: أخذت الناس الريح في طريق مكة وعمر حاج، أي خرج للحج، قال: فاشتدت، أي اشتدت عليهم الريح، فقال عمر لمن حوله: ما الريح؟ أي من يحفظ منكم شيئا عن النبي عليه الصلاة والسلام يتعلق بالريح. قال: فلم يرجعوا بشيء، أي لم يذكر أحد منهم شيئا. فبلغ ذلك أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، فأسرع حتى أدركه، فقلت: بلغني أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الريح من روح الله»، الريح من روح الله، أي من خلق الله سبحانه وتعالى، وأضيفت إلى الله سبحانه وتعالى إضافة خلق، الريح من خلق الله، ومن ملك الله سبحانه وتعالى يتصرف فيها جل وعلا كيف شاء. «تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب»، أي تأتي الريح أحيانا تكون رحمة، تكون رحمة تجمع السحب وتلقحها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، فتكون سببا في تجميع السحب وإنزال المطر، وهكذا أيضا حصول النفع بها وبرودة الجو ونحو ذلك من المنافع، فتكون رحمة. وتأتي بالعذاب، تأتي الريح أحيانا عذابا، تكون الريح شديدة البرودة أو شديدة الحرارة، فربما هدمت المنازل، وكذلك أفسدت على الناس معيشتهم، بل ربما قتلت الناس، فتكون عذابا. فالريح ترسل مرة بالرحمة ومرة بالعذاب، فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن سبها، فلا تسبوها. لماذا؟ لأن مصرفها ومرسلها هو الله سبحانه وتعالى، هو الله عز وجل، والذي يسب الريح فإنه يسب المصرف لها، وهو الله جل وعلا. ومثل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «يقول الله عز وجل: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر»، قول عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، بيده الأمر، يقلب الليل والنهار». وفي رواية أخرى: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيده الأمر، يقلب الليل والنهار»، أي أن الله جل وعلا هو المدبر له، وهو المسخر له، فسب الدهر سب لمسخره، وهكذا سب الريح سب لمسخرها، وهو الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز سب الريح، لا يقول الإنسان: ما هذه الريح، أو لعنوا هذه الريح، أو هذه الريح كذا وكذا، فيسبها ويشتمها، هذا لا يجوز. وإنما الأدب الذي علمنا إياه عليه الصلاة والسلام إذا هبت الريح أن نسأل الله عز وجل خيرها ونستعيذ من شرها، قال: «فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، وعوذوا من شرها». نسأل الله عز وجل خيرها، نقول: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، كما جاء ذلك في أحاديث أخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء عن عائشة، وكذلك أيضا عن أبي بن كعب، وعن غيرهما من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فإذا هبت الريح فإننا نسأل الله من خيرها ونعوذ بالله من شرها، هذا هو الأدب الذي ينبغي أن نتأدب به عند هبوب الريح. وفي هذا الحديث بيان فضيلة عمر رضي الله تعالى عنه، وعظيم تواضعه، فعمر خليفة المسلمين وإمامهم، ومع ذلك ما منعه ذلك أن يسأل عن هذه المسألة من العلم من الريح، من يحفظ شيئا عن النبي عليه الصلاة والسلام في الريح، وهو خليفة المسلمين، سأل عن هذه المسألة وطلب رضي الله تعالى عنه من يعلمه بشيء فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، أن يكون عنده خلق التواضع حتى ينال العلم، لابد أن يتواضع فيأخذ العلم ممن هو دونه، وممن هو مثله، وممن هو أعلم منه. فإذا أردت أن تنال العلم فلابد من التواضع وعدم الكبر، كما قال مجاهد رحمه الله: «لا ينال العلم مستحيي ولا مستكبر»، لا ينال العلم مستحيي الذي يستحي أن يحضر مجالس العلم وأن يسأل عن العلم، فهذا يحرم من العلم، ولا مستكبر الذي يستكبر أن يحضر مجالس العلم، ويرى أنه أفضل من فلان وأفضل من هذا المدرس، فيستكبر فيحرم كذلك من العلم. بل ينبغي أن تتواضع وأن تذل نفسك للعلم حتى تنال العلم، فالعلم لا ينال بالفخر والعجب والكبر، وإنما ينال بالتواضع. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لا ينال العلم إلا بالذل»، قال: «لم ننل هذا العلم إلا بالذل، فلن ننفقه إلا بالذل»، يعني بأن يذل الإنسان نفسه ويتواضع للعلم. فابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يأتي إلى بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته يسأل عن العلم، وربما جلس تحت بيته في وقت الظهيرة والقيلولة، فتهبه الريح وهو صابر حتى يخرج فيسأله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نال رضي الله تعالى عنه العلم الكثير. وهذا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه لحرصه وملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ من العلم ما قد فات غيره، ممن هو أفضل منه، عمر رضي الله عنه أفضل من أبي هريرة بلا خلاف بين أهل السنة، فهو رضي الله تعالى عنه أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر رضي الله عنه، ومع ذلك فاته هذا العلم، وأبو هريرة لملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام حفظ من العلم ومن الحديث ما لم يحفظه غيره. ففيه كذلك ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من الحرص على العلم، وحضور مجالس العلم حتى يتحصل على العلم النافع. وهذا الحديث حديث حسن، صححه الألباني رحمه الله. وأصل الحديث كما قلنا قد جاء في الصحيحين، من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.