كتاب المساجد ومواضع الصلاة 48

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 48

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 48، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تأخير الصلاة في شدة الحر وأدلته من السنة

شرح حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حول تأخير الصلاة في الأوقات شديدة الحرارة، حيث يروي أبو هريرة أن النبي قال إن شدة الحر من فيح جهنم وأمر بالتأخير حتى يبرد الجو.

حكم الإبراد بالصلاة عند اشتداد الحر

الأحاديث النبوية تشير إلى استحباب تأخير صلاة الظهر عند اشتداد الحر، وليس بواجب، مستدلين بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام التي بينت أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها حتى في الأيام الحارة.

معنى الإبراد وكيفيته وتطبيقه

الإبراد هو تأخير صلاة الظهر حتى تنكسر شدة الحر، ويستحب عند اشتداد الحر ويعم من يصلي في المسجد ومن يصلي في بيته، ويتأكد في المناطق النائية التي تشتد فيها الحرارة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، قال: وحدثنا محمد بن رمح، ومن المهاجر قال: أخبرنا الليث عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن ابن المسيب، وهو سعيد بن المسيب المخزومي القرشي، سيد التابعين، كان ابن القطان أو أخبر من القطان أنه كان يسمى براوية عمر؛ لأنه كان من أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. قال الإمام المديني رحمه الله: لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا من سعيد بن المسيب، وكان يقول: إذا قال سعيد بن المسيب: من السنة كذا، فحسبك به؛ يعني لعلمه بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة. قال: وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم». قالوا: حدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني يونس، ويزيد بن أبي حبيب أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرني أبو سلمة وسعيد بن المسيب أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله سواء. قالوا: حدثني هارون بن الأيلي، وعمر بن سواد، وأحمد بن عيسى، قال عمر: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر أن بكيرًا حدثه عن بسر بن سعيد، وسلمان الأغر، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان اليوم الحار فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم». قال عمر: وحدثني أبو يونس عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم». قال عمر: وحدثني ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز، عن العلاء، ومن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الحر من فيح جهنم؛ فأبردوا بالصلاة». قال: وحدثنا ابن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وابن نمير الصنعاني، قال: حدثنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبردوا عن الحر في الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم». قال: وحدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو موسى العنزي، قال: حدثنا محمد بن جعفر الملقب بغندر، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، قال: سمعت مهاجرا أبا الحسن يحدث أنه سمع زيد بن وهب يحدث عن أبي ذر، قال: أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبرد، أبرد، أو قال: انتظر، انتظر، وقال: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة». قال أبو ذر: حتى رأينا فيء التلول. هذه الأحاديث فيها أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإبراد بالصلاة عند اشتداد الحر، وقد مر معنى أن صلاة الظهر تصلى عند زوال الشمس، وسيأتي أيضًا أن المستحب في الصلاة أن يعجل بها، وأن تصلى في أول وقتها، هذا هو الأصل في الصلوات الخمس، إلا صلاة العشاء، فالمستحب فيها التأخير إلى ثلث الليل إن لم يشق على الناس. وكذلك أيضًا يستحب الإبراد في صلاة الظهر عند اشتداد الحر؛ لهذه الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم». فقول عليه الصلاة والسلام: «فأبردوا بالصلاة»، هل هذا الأمر للوجوب أم أنه للاستحباب؟ الجواب: أنه للاستحباب، ويدل على ذلك صلاة النبي عليه الصلاة والسلام للظهر في أول وقتها، وذلك أيضًا مع اشتداد الحر، فدل هذا على أن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب. فيستحب عند اشتداد الحر أن يبرد بالصلاة، ما المراد بالإبراد؟ هل يؤخرها ساعة أو أكثر من ذلك؟ في حديث أبي ذر الذي ذكره المؤلف رحمه الله يبين أن المقصود بالإبراد هو تأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها؛ تأخيرها إلى آخر وقتها حتى تنكسر شدة الحر. ففي حديث أبي ذر: أن مؤذن النبي عليه الصلاة والسلام أذن بالظهر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبرد، أبرد»، يعني: أخر الصلاة حتى تخف حرارة الشمس، فتأخروا حتى صلوا عندما رأوا فيء التلول، قال: «حتى رأينا فيء التلول»، التلول: هي الهضاب أو المجامع الرمل، وهي في الغالب ليكون لها فيء ظل، إلا في آخر وقت الظهر، فمعنى هذا أنهم أخروا الصلاة إلى آخر وقتها؛ يعني ربما لم يبق من وقت صلاة الظهر إلا نحو نصف ساعة أو نحو ذلك. فيدل هذا الحديث على أن استحباب الإبراد بالصلاة أن تصل الصلاة في آخر وقتها، وأن تصل صلاة الظهر في آخر وقتها، وهذا مستحب عند اشتداد الحر. وهل هو خاص بمن يصلي في جماعة، أو للإنسان أن يبرد ولو كان في بيته؟ إذا كان معذورًا كالمريض أو المرأة في بيتها، الصحيح: أنه عام يعم من صلى في المسجد، ومن صلى في بيته؛ فله أن يبرد بالصلاة عند اشتداد الحر، فيصليها في آخر وقتها؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «فأبردوا بالصلاة»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «فإن شدة الحر من فيح جهنم»، هذا بيان للعلة التي لأجلها استحب الإبراد بالصلاة. يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإبراد بالصلاة عند اشتداد الحر، ثم بيّن علة ذلك: هو أن هذا الحر الذي يجده الناس هو من فيح جهنم؛ يعني من أثر جهنم عندما تزداد حرارتها، وكذلك يزداد غليانها، فيكون من أثر ذلك هذا الحر الشديد الذي يجده الناس. فلأجل التخفيف على الأمة، وعدم المشقة عليها، جاءت هذه الشريعة بالتيسير والتخفيف، ورفع الأصار والأغلال عن هذه الأمة، فخُفف عنها بتأخير صلاة الظهر، وأن يبرد بها حتى تذهب شدة الحرارة. وهذا يتأكد في المناطق النائية كالبوادي ونحوها، التي ليس فيها كهرباء، فربما إذا خرج الناس لصلاة الظهر عند اشتداد الحر قد يكون في ذلك عليهم شيء من المشقة، فحينئذ يتأكد في حقهم أن يبردوا بالصلاة حتى تنكسر شدة الحرارة، فيصلوا صلاة الظهر في آخر وقتها، وهذا يعتبر من الرخص التي جاءت بها الشريعة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.