كتاب المساجد ومواضع الصلاة 49

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 49

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 49، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شكوى النار وتأثيرها على درجات الحرارة

اشتكت النار إلى ربها من شدة احتراقها، فأذن لها ربها بالتنفس مرتين في العام. هذا يسبب شدة الحر والبرد كما جاء في أحاديث نبوية رواها أبو هريرة.

شرح وتفسير الحديث النبوي حول النار

الحديث يروي أن النار اشتكت إلى ربها وأذن لها الله بنفسين في الشتاء والصيف. يدل الحديث على عظم النار ووجودها الآن خلافا للمعتزلة.

تسبيح الجمادات وإرادتها ونطقها

الجمادات تسبح الله وتملك إرادة وقد تنطق بمشيئته. استدلال بآيات قرآنية وأحاديث نبوية مثل تسبيح الأشياء وتكلم السماوات والأرض.

ختام الحديث والصلاة على النبي

ينهي الكلام حول حديث معين ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر احترامًا وتقديرًا للنبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين، أنيس أبوه للقشيري رحمه الله، في صحيحه: قال حدثني عمر بن سواد، وهو أبو محمد القرشي المصري، قال: وحدثنا حرملة بن يحيى، وهو تجيبي، واللفظ لحرملة، قال: أخبرنا ابن وهب، وعبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلامة بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا ربي، أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير». قال: وحدثني إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، وهو ابن عيسى أبو يحيى الأشجعي -كان من أثبت أصحاب الإمام مالك، كما قال أبو حاتم رحمه الله، قال فيه الحافظ: ثقة ثبت- قال: حدثنا مالك، وهو ابن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة، قال: عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان الحر، فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم». وذكر أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. قالوا: حدثني حرملة بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا حيوة، وشراح التوجيبي الكندي الحضرمي المصري، أبو زرعة -كان من سادات التابعين، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله في تاريخ الإسلام، قال: كان من سادات التابعين، وزهادهم، وكان من الصالحين الكبار- قال: حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وهو أبو عبد الله الليثي، قال: عن محمد بن إبراهيم، وهو أبو عبد الله القرشي التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قالت النار: ربي، أكل بعضي بعضا، فأذن لي أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير، فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور -يعني شدة الحر- فمن نفس جهنم». هذا الحديث يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا ربي، أكل بعضي بعضا، فأذن لي بنفس»، كما في هذه الرواية، «فأذن لي أتنفس»، وفي الرواية الأخرى: «فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير». فبين النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن سبب اشتداد الحر، وسبب اشتداد البرد، هو من أثر جهنم. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام ما مر في الأحاديث التي مضت «من فيح جهنم»، يعني من اشتدادها وغليانها. فإذا اشتدت حرها، أذن الله جل وعلا لها أن تنفس عن نفسها ما يصيبها من الشدة، بأن يخرج شيء من حرها إلى خارج النار. وهذا الذي يصل إلى الناس من شدة الحر هو من نفس جهنم. ما يجد الناس من شدة الحر واشتداده فهو من نفس جهنم. وهكذا أيضا شدة البرد والزمهرير، أي اشتداد البرودة التي يجدها الناس، هي كذلك أيضا من نفس جهنم، حين تنفس عن نفسها وتخرج شيئا من بردها، فيصيب ذلك الناس، فهو من أثرها. وهذا الحديث يدلنا على عظم هذه النار، عظم هذه النار، وأنها نار عظيمة وشديدة، حتى إنه من شدتها يأكل بعضها بعضا، يأكل بعضها بعضا، فأذن الله عز وجل لها بهذين النفسين في شدة الحر، وهكذا أيضا ما يكون في شدة البرد. وفي هذا الحديث دليل على أن النار مخلوقة، وأنها موجودة، وهذا قول أهل السنة والجماعة، لدلالة الأدلة على ذلك، كما في هذا الحديث: «اشتكت النار إلى ربها»، معنى أن النار موجودة، وهي مخلوقة الآن. ويدل على ذلك كثير من الآيات، ومنها قول الله عز وجل في النار: «أعدت للكافرين»، وقال في الجنة: «أعدت للمتقين». وقول «أعدت» يدل على أنها موجودة، معدة جاهزة. وهذا دليل على وجود الجنة والنار، خلافا للمعتزلة، فإن المعتزلة أنكروا أن تكون الجنة والنار مخلوقتان الآن، قالوا: إنما يوجدان يوم القيامة، أما وجودهما الآن فعبث، هكذا قالوا بعقولهم، وردوا هذه الأدلة الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان موجودتان الآن. وكذلك أيضا فيه دليل على أن الجمادات لها إرادة، وأنها قد تتكلم وتنطق بإذن الله جل وعلا، وإرادة الله عز وجل. والله عز وجل لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. ومما يدل على ذلك أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، ومنها قول الله عز وجل: «وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم»، فأخبر الله عز وجل أن ما من شيء إلا وهو يسبح بحمد الله جل وعلا، لكن لا نفقه هذا التسبيح، لا نسمع ولا نفهمه. وقول «وإن من شيء إلا يسبح بحمده»، وشيء نكرة في سياق الإثبات، وتفيد الإطلاق، فما من شيء إلا وهو يسبح الله، فجميع الحيوانات والجمادات كلها تسبح الله جل وعلا. وهكذا أيضا قول الله عز وجل: «ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين»، أخبر الله أن السماوات والأرض تكلمتا ونطقتا. وهكذا أيضا كذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم حجرا كان يسلم علي بمكة». وهكذا لما صعد النبي عليه الصلاة والسلام، أبو بكر، عمر، وعثمان، وعلي، فرجف الجبل، جبل أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أثبت أحد؛ فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان». وهكذا أيضا قصة حنين الجذع الذي كان يتكئ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ويخطب، فلما صنع له المنبر وترك الجذع، حن الجذع وبكى حتى سمعه الصحابة، رضوان الله عليهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يسكته، فقال: «ولو تركته لحن إلى يوم القيامة». وأدلة كثيرة تدل على أن الجمادات لها إرادة، وأنها قد تنطق وتتكلم بمشيئة الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك أيضا النار، قال: «اشتكت النار إلى ربها»، ظاهر هذا الحديث أنها شكوى حقيقية، أن النار اشتكت إلى الله جل وعلا من شدة حرها، وما يحصل لها من أكل بعضها بعضا، حتى أذن لها جل وعلا بنفسين. طيب، قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف»، إلى آخره. فيه كذلك أيضا كما أن شدة الحرارة قد تهلك، قد تهلك الإنسان وتقتله، كذلك أيضا شدة البرودة، فإن كذلك قد تهلك الإنسان وتقتله. فمن الناس من قد يموت من شدة الحر، ومن الناس من قد يموت من شدة البرودة، إذا اشتدت عليه البرودة ولم يأخذ بأسباب الدفء، فقد يتجمد الدم في العروق، ويهلك بسبب ذلك. فهذا فيه دليل على أن أهل النار قد يعذبون بشدة حرارتها، وقد يعذبون أيضا بشدة برودتها، فكما أن العذاب يحصل بشدة الحرارة، كذلك أيضا يحصل بشدة البرودة. طيب، هذا بعض ما يتعلق بهذا الحديث. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.