الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 50، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يدل الحديث على استحباب صلاة الظهر في أول وقتها، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا دحضت الشمس. يُبين أن هذا الفعل النبوي يشير إلى الأفضلية في أداء الصلاة في بداية وقتها.
يشرح المقطع حديث خباب بن الأرت الذي شكا للنبي صلى الله عليه وسلم شدة الحر عند الصلاة، ولم يجبهم النبي إلى شكواهم، مما يدل على أن الإبراد في الصلاة مستحب وليس بواجب.
يدل الحديث على جواز السجود على طرف الثوب المتصل بالجسد عند الحاجة مثل شدة الحرارة. يُشترط للحاجة أن يكون هناك دافع للسجود على الثوب، فإن لم تكن هناك حاجة فالأفضل السجود على الجبهة مباشرة.
يتضمن المقطع الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، تعبيراً عن التبجيل والتقدير للنبي محمد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، وهو من مشايخ رجال الكتب الستة، قال: ومحمد بن بشار، وهو مندار الملقب بمندار، أي كثير العلم، كلاهما عن يحيى القطان، وهو يحيى بن سعيد القطان، إمام من أئمة الجرح والتعديل، قال: وابن مهدي، أو عبد الرحمن بن مهدي، أيضا كذلك من أئمة الجرح والتعديل. قال ابن المثنى: حدثني يحيى بن سعيد، يعني أن ابن المثنى، محمد بن المثنى، صرح بالتحديث، قال: حدثني يحيى بن سعيد، وهو من القطان، قال: عن شعبة وابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثنا سماك بن حرب، وهو ثقة، إلا أنه في روايته عن عكرمة، مطعون فيه، قال: عن جابر بن سمرة، وهو جابر بن سمرة بن جنادة، صحابي ابن صحابي. قال ابن المثنى: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا دحضت الشمس. ومعنى إذا دحضت: إذا زالت، إذا زالت الشمس. ومراد الإمام مسلم، رحمه الله، بذكر هذا الحديث، بيان استحباب صلاة الظهر في أول وقتها. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس، أي إذا زالت، يعني يصلي الظهر في أول وقتها، هذا هو المستحب. وأما الإبراد، فقد مر معنا أن الإبراد يستحب عند اشتداد الحر، أن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها. وسيأتي، كما ذكرنا، أن الإبراد مستحب وليس بواجب، ما يدل على ذلك، كما سيذكره الإمام مسلم، رحمه الله، من الأحاديث. لكن الأصل في صلاة الظهر هو استحباب تقديمها، وصلاتها في أول وقتها. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، كان ثقة، عابدا، ذكره بترجمة أنه كان صواما، قواما. ومع جلالته وثقته، لأنه كان يدلس، كان يدلس أحيانا، وقد كبر في آخر عمره، نعم، وأصابه شيء من الاختلاط أو التغير، قال: عن سعيد بن وهب، عن خباب، وهو من الأزد، خباب من الأزد، صحابي جليل، هو من السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن عذب في الله جل وعلا، وحديثه مشهور في الصحيحين، لما قال: شكونا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما نلقى من المشركين، وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له الحفرة فيوضع فيها، ويؤتى بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه، ثم يشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، لا يصده ذلك عن دينه». الحديث هو من حديث خباب رضي الله عنه، وقد شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء، يعني في شدة الحر، أي في شدة الحر، قال: فلم يشكنا، يعني لم يجبهم إلى شكواهم. وقد ذكر الإمام النووي، رحمه الله، عند أحاديث الإبراد، الأمر بالإبراد، توجيه هذا الحديث. ومن ما ذكر رحمه الله أن هذا الحديث إما أنه كان قبل الأمر بالإبراد، قبل الأمر بالإبراد، فلهذا لم يجبهم حين شكوا إليه شدة الحر، هذا قول. وقول آخر: أنهم أرادوا شيئا زائدا عن الإبراد، أرادوا شيئا زائدا على الإبراد، كأنهم أرادوا أن تؤخر الصلاة إلى وقت صلاة العصر، فلم يجبهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك. فلهذا قال: فلم يشكنا. هكذا ذكر رحمه الله. ولعل أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجبهم إلى ذلك لبيان أن الإبراد مستحب وليس بواجب، أن الإبراد مستحب وليس بواجب، وأن الأفضل أن تصلى الصلاة في أول وقتها، هذا هو الأفضل، وأن الإبراد رخصة، أن الإبراد رخصة، ولا بأس أن يؤخر الناس الصلاة إلى آخر وقتها، أي صلاة الظهر، حتى تنكسر حرارة الشمس. قال: وإلا فلا تعارض، يعني بين هذا الحديث، حديث خباب، وحديث أبي هريرة، وغيرها التي مرت معنا في الأمر بالإبراد في صلاة الظهر، فيحمل أن الأمر بالإبراد على سبيل الاستحباب. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يجبهم إلى شكواهم في حديث خباب، حين أرادوا أو شكوا إليه شدة الحر، فصلى النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة في أول وقتها، على أن ذلك هو الأفضل، أن تصلى صلاة الظهر في أول وقتها. ولهذا ذكر الإمام مسلم، رحمه الله، هذا الحديث لاستدلال به على هذه المسألة، أن الأفضل أن تصلى الصلاة في أول وقتها. قال: وحدثنا أحمد بن يونس، وعون بن سلام، أحمد بن يونس، وهو إمام ثقة، بل قال فيه الإمام أحمد، رحمه الله: شيخ الإسلام، كان ثقة، حافظا، قال: وعون بن سلام، قال: عون أخبرنا، وقال ابن يونس، واللفظ له: حدثنا زهير بن معاوية، أبو خيثمة، قال: حدثنا أبو إسحاق، وهو السبيعي، عن سعيد بن وهب، عن خباب، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم. نعم. هذه الرواية في زيادة إيضاح عن الرواية التي قبلها، أن هذه الشكوى كانت في صلاة الظهر، كان لأجل صلاة الظهر، واشتداد الحر، شكونا إليه حر الرمضاء، قال: فلم يشكنا، يعني ما أجابنا إلى شكوانا، ولم يؤخر الصلاة. فقال زهير لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ هل كان هذا بصلاة الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم، يعني أنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعجيل صلاة الظهر في أول وقتها، مع اشتداد الحر، فكأنهم يطلبون ما لو أخرت، فلم يجيبهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك. هذا يدل على استحباب التعجيل في صلاة الظهر، أن تصلى في أول وقتها. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، هو التميمي، قال: حدثنا بشر بن الفضل، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه. هذا الحديث كذلك فيه دليل على استحباب صلاة الظهر في أول وقتها. قال أنس: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، ولا شك أن اشتداد الحر يكون في أول وقت الزوال، أول وقت زوال الشمس. دل هذا على أنه كان عليه الصلاة والسلام يصلي الظهر في أول وقتها. وهذا كما ذكرنا أنه المستحب في صلاة الظهر، أنها تصلى في أول الوقت، حتى إنهم من شدة الحر، إذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض لشدة حرارة الأرض، قال: بسط ثوبه فسجد عليه. بسط ثوبه فسجد عليه. وهذا أيضا فيه دليل على أنه يجوز السجود على طرف الثوب المتصل بالجسد، كطرف العمامة مثلا، تضعها في الأرض وتسجد عليها، هذا جائز. هذا جائز، تدل عليه هذا الحديث: بسط ثوبه فسجد عليه. والظاهر أن المراد بذلك الثوب المتصل به، يعني طرف الثوب الذي يلبسه، كان يضعه في الأرض ويسجد عليه، حتى يقيه من حرارة الأرض. فيدل هذا على جواز مثل ذلك. وهذا قول جمهور أهل العلم، خلافا للإمام الشافعي، رحمه الله، لم ير السجود على طرف الثوب المتصل بالجسد. وصلاة الإنسان أو سجوده على ثوب أو حائل، يقسمه العلماء إلى أقسام. القسم الأول: أن يكون ذلك لحاجة، كشدة الحرارة ونحو ذلك، فلا بأس أن يسجد على طرف الثوب أو على كور العمامة الذي يكون في الجبهة، فيسجد عليه حتى يقيه مثلا حرارة الشمس، أو يصلي على حصباء، فتؤذيه الحصباء في جبهته، فيسجد على طرف ثوبه أو كور عمامته، فمثل هذا لا بأس به للحاجة. وإن كان لغير حاجة، فالأفضل أنه يسجد على جبهته. إن لم يكن هناك حاجة، فالأفضل السجود على الجبهة. والقسم الثالث: أن يسجد على حائل منفصل، أن يسجد على حائل منفصل عن الجسد، كعمامة في الأرض أو سجادة أو نحو ذلك، فهذا جائز بلا كراهة. إذن يكون الصلاة على الحائل، إن كان متصلا بالمصلي، فهذا جائز أو لابس به عند الحاجة. وإن كان ليس هناك حاجة، فالأفضل أن يسجد على جبهته. وإن كان الحائل منفصلا، فهذا جائز مطلقا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.