كتاب الإيمان 37

كتاب الإيمان 37

الدرس في كتاب الإيمان 37، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث الدين النصيحة

حديث 'الدين النصيحة' يبين أهمية النصيحة في الإسلام، وهي كلمة جامعة تشمل معاني الإخلاص والإحسان في جميع الأمور. النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه أو من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع.

النصيحة لله تعالى ومعناها

النصيحة لله تعني الإخلاص في الإيمان به، وترك الإلحاد في صفاته، وتنزيهه من النقائص، والإيمان بوجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. تشمل أيضاً الإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى توحيده وطاعته.

ختام الصلاة على النبي وآله

المقطع الأخير يعبر عن ختام الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، ويشكر المستمع أو القارئ على الاستماع.

التفريغ النصي الكامل

والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسابور القشيري رحمه الله في كتاب الصحيح، كتاب الإيمان: حدثنا محمد بن عباد المكي وجعفر المخزومي قالا: حدثنا سفيان قال: قلت لسهيل: إن عمرا حدثنا عن القعقاع، ومن حكيم الكناني عن أبيك، قال: ورجوت أن يسقط عني رجلاً -يعني حتى يعلو إسناده- قال: فسمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقاً له بالشام. ثم حدثنا سفيان عن سهيل عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة». قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». هذا الحديث حديث قصير المباني والألفاظ، وهو كثير المعاني، وهو حديث عظيم حتى قال من قال من أهل العلم: إن مدار الإسلام عليه. وهذا الحديث تفرد بروايته من الصحابة تميم الداري رضي الله عنه، ولم يخرج له الإمام البخاري شيئاً من الأحاديث كما أشار الإمام النووي رحمه الله. نعم، وله في صحيح الإمام مسلم هذا الحديث: حديث «الدين النصيحة». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة»، والنصيحة كما أشار النووي رحمه الله في ذكر كلام الإمام الخطابي: «النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له». كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. وسميت النصيحة بذلك: قيل لأنها مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه -يعني إذا حصل فيه شيء من الشقوق أو التمزق فيخيطه- يقال: هذا نصح نصح ثوبه بمعنى خاطه وخاطه، فشبه فعل النصح في نصحه وما يتحراه من صلاح المنصوح وحصول استقامته وسداده بما يسد به خلل الثوب، بما يسد به خلل الثوب إذا خيط، فإنه يسد الخياطة تسد الخلل الذي حصل في هذا الثوب وتصلحه. كذلك أيضاً حصول النصيحة من المسلم فإنه يصلح حال المنصوح. وقيل: مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع. معروف أن النحل حين تصلح الخلية تضع الشمع العسل في داخل الشمع، تضعه في داخل الشمع، فشبه تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط، شبه تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط في ذلك سميت نصيحة، سميت نصيحة. ومن الشيء بشيء يذكر من عجائب النحل أنه إذا وضع الخلية صنع الخلية للخلية العسل، تجد أنها -يعني هذه الخلية- ماذا؟ مكعباتها في مقاس واحد، وبعد أن تضع العسل تغطيه بطبقة رقيقة، تغطيه بطبقة رقيقة حتى لا يسقط العسل ولا تأخذ القرص، فلا تظن أن العسل سيسقط منه إلا إذا ربما قلبته -يعني قلباً كاملاً- وإلا فهناك طبقة رقيقة تضعها النحل على الرؤوس الفتحات حتى لا يسقط، لا يسقط هذا العسل. وذكر بعضهم ممن أراد أن يستكشف عن كيفية بناء النحل للخلية: ذكر أن بعضهم أخذ جملة من النحل ووضعه في خلية زجاجية من زجاج، في خلية من زجاج حتى ينظر كيف يبدأ بصناعة الخلايا، فأول ما قام النحل به أن غطى هذا الزجاج، غطاه بالشمع ثم بدأ بصناعة الخلايا. وهذا من إلهام الله عز وجل ومن بديع صنع الله سبحانه وتعالى له. وأيضاً أن النحل إذا دخلت نحلة من غير أهلها، من غير أهل هذا الجبخ، فإنهم لا يقبلونها مباشرة، يميزونها فيقومون بطردها، يقومون بطردها. وإذا دخل حيوان غريب قاموا بقتله، يقومون بقتله، ثم بعد ذلك يقومون بتغطيته بهذا الغشاء حتى لا يتعفن فيضر به العسل. وكذلك أيضاً إذا شرب بعض النحل من المجاري، إذا شرب شيء من المجاري ثم أراد يدخل الخلية، فمباشرة تقوم النحل بقتله حتى لا يسد العسل، وغير ذلك أشياء كثيرة تدل على بديع صنع الله سبحانه وتعالى. أشاهدنا أن المطلوب هنا والمقصود هنا أن قولك: نصحت العسل بمعنى ميزته وصفيته من الشمع. وهكذا النصيحة فهي تخليص للقول ماذا؟ من الغش، تخليص القول من الغش بتصفية الكلام واستخراج، وكذلك أخذ أحسن الكلام وأفضله. نعم، كما يصف العسل من الخلط. وقول عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة» معناه عماد الدين وقوامه النصيحة، عماد الدين وقوامه النصيحة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة» يعني عماد ومعظمه أو معظم وأعظم أركان الحج عرفة. ولهذا من فاتته الوقوف بعرفة، من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، مع أن هناك أركان أخرى لكن هذا أعظم أعظم الأركان. كذلك أيضاً «الدين النصيحة» فهو عماد الدين، عماده وقوامه بالنصيحة، لأنها إن ضاعت النصيحة ضاعت الدين، إن ضاعت النصيحة ضاعت الدين. فقوام هذا الدين استمراره وبقاءه وقوته بالنصيحة. نعم، فإرسال الله عز وجل للرسل ودعوتهم إلى أقوامهم هذا من النصيحة، هذا من النصيحة. بعث ماذا؟ الأنبياء لمن بعثهم من الرسل يبلغون الناس ويدعونهم إلى الله هذا من النصيحة. الأمر المعروف والنهي على المنكر هذا من النصيحة. فانتشار النصيحة وبقاء النصيحة وكلما قويت النصيحة كلما قويت عماد الدين، وكان به سبب لحفاظ الحفاظ على هذا الدين والحفاظ على أهله. وكلما ضيع الناس النصيحة كلما كان في ذلك ضياع شيء من الدين. قال: «الدين النصيحة». ما إعراب «الدين النصيحة»؟ «الدين النصيحة» هل كلام هنا ناقص؟ أو كامل؟ خبر. نعم، «النصيحة» خبر. إذن مبتدأ وخبر، مبتدأ وخبر. «الدين» مبتدأ، اسم ابتدأت به الجملة، و«النصيحة» خبر تم به معنى الكلام، تم به معنى الكلام. فتخبر أن الدين النصيحة. قال: قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله» إلى آخر الحديث. قلنا: لمن؟ يعني لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة» قال الصحابة رضوان الله عليهم: قلنا لمن؟ لمن نصيحة؟ فأتى النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الكلمات وهذه الجملة المختصرة التي تحمل معاني كثيرة، فقال: «لله» أولاً. النصيحة لله. ونذكرنا أيضاً نقرأ كلام الإمام الخطابي وغيره من أهل العلم جمعوا الإمام النووي رحمه الله وذكره في شرحه لهذا الحديث لأجل حسن هذا الشرح، وكذلك أيضاً لبيانه وشموله نقرأه. قال النووي رحمه الله: أما تفسير النصيحة وأنواعها فقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء فيها كلاماً نفيساً، أنا أضمه بعض إلى بعض مختصراً. قالوا: أما النصيحة لله تعالى فمعناها: الإخلاص في الإيمان به، ونفي الشريك عنه. هذا أولاً. النصيحة لله بالإيمان به، أن تؤمن بالله جل وعلا حق الإيمان، تؤمن بوجود الله وربوية الله وبألوهيته، وأنه لا رب ولا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله جل وعلا، تؤمن بألوهيته جل وعلا وأنه لا إله يستحق العبادة إلا الله. وهكذا يضن تؤمن بأسماء الله وصفاته، وأن له الأسماء الحسنى وصفات العليا الدال على كماله وعظمته وجلاله. ونفي الشريك عنه من نصيحة لله: أنك لا تشرك في عبادته، بأن تخلص العبادة لله وحده وتحذر من الشرك بالله ومن صرف العبادة لغير الله، لأن هذا خلاف النصيحة، خلاف النصيحة، بل هذا من الظلم. قال: وترك الإلحاد في صفاته، ترك الإلحاد في صفات الله، الإلحاد في صفات الله بجحودها وإنكارها، بجحودها وإنكارها كما فعل الجهمية ومن كان على شاكلتهم، أو كذلك بتأويلها وتعطيلها كما فعل المعتزلة والأشاعرة. نعم، فكل هذا من الإلحاد، كل هذا من الإلحاد. والإلحاد ما أخذ من اللحد الذي هو وضع الميت في طرف القبر أو أحد جانبيه، فللحاد فيه معنى الميل، وللحاد في صفات الله الميل بها عما دلت عليه، الميل بها عما دلت عليه. وهذا الميل إما بإنكارها وجحودها، وإما بتأويلها وتفسيرها بغير معناها الصحيح. قال: ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، يعني من النصح لله أن تصفه بصفات الكمال والجلال التي وصف الله عز وجل بها نفسه، وكل صفات الله جل وعلا صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وكل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وهناك صفات كثيرة وصف الله عز وجل بها نفسه ولم يتسمى بها. فكل ما وصف الله عز وجل به نفسه أو وصفه به رسول عليه الصلاة والسلام فإننا نثبته له من غير تعطيل ولا تنزيه ولا تكيف، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأكد أيضاً كل صفة كمال اتصف بها المخلوق وأمكن اتصاف الله بها من غير نقص، فالله عز وجل أولى بها، فالله جل وعلا أولى بها. قال: وتنزيه سبحانه وتعالى من جميع النقائص، وتنزيه سبحانه وتعالى من جميع النقائص، هذا أيضاً من نصيحة لله، أن تنزه الله عز وجل عن كل نقص وعيب، صفه به الواصفون، كاتخاذ الولد أو الصاحبة أو الشريك، أو أن يكون له نداً أو مثيلاً، أو وصفه بالبخل كما فعل اليهود، أو وصفه بالتعب حين خلق السماوات والأرض، أو غير ذلك من صفات النقص، فتنزيه الله عز وجل عنها. سبحان ربك رب العزة عما يصفون. نعم، والله عز وجل يقول: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، تسبيحاً. وسبحوا إن أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلة، تسبحوه، الضمير يرجع إلى الله، يعني تنزهوه عن كل نقص وعيب. وهكذا عندما تذكر الله عز وجل بقولك: سبحان الله، سبحان الله، بمعنى تنزه الله عن كل نقص وعيب، تنزه الله عن كل نقص وعيب. قال: والقيام بطاعته واجتناب معصيته، هذا أيضاً من النصيحة لله، أن تقوم بطاعته، تقوم بما أوجب الله عز وجل عليك من الطاعات، سواء كان من إفراد العبادة له أو الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو غيرها من أنواع الطاعات، فالقيام بها وفعلها من النصيحة لله. واجتناب معصيته يعني بتركها وابتعاد عنها واجتنابها وعدم فعلها، هذا من نصيحة لله، كما أمر الله عز وجل ورسوله: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله. نعم، قل: أطيعوا الله والرسول. وحذر جل وعلا من معصيته، ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين. قال: والحب فيه والبغض فيه وموالات من أطاعه ومعادات من عصاه، هذا أيضاً من نصيحة لله، الحب فيه والبغض فيه، أن تحب في الله وتبغض في الله، تحب من تحب المسلمين لله لأجل صلاحهم والاستقامتهم والخير الذي فيهم، فهي محبة لله، فتكون محبتك لمن أحببت لله، وأن تبغض في الله، تبغض من تبغضه لما فيه من ماذا؟ من خلل ونقص في عبادته وطاعته والقيام بما أمر الله عز وجل به، فيكون بغضك له في الله. كذلك الموالاة والمعاداة، توالي من أطاعه وتعادي من عصاه، هذا أيضاً من النصيحة، من النصيحة لله، النصيحة لله أن توالي من أطاع الله وتعادي من عصاه، توالي أهل طاعته، أهل التوحيد وأهل الإيمان وأهل الصلاح والاستقامة، وتعادي من عداه من الكفرة والمنافقين وأهل البدع والضلال. نعم، وجهاد من كفر به، هذا من النصيحة، جهاد من كفر به، الجهاد الشرعي، سواء كان الجهاد ماذا؟ بالحجج والبراهين، وبالعلم، أو كان جهاداً بالسيف والسنان، بشروطه الشرعية وضوابطه الشرعية، فإن الجهاد في سبيل الله عز وجل من النصيحة لله، حتى يعبد الله عز وجل، حتى يعبد الله في الجهاد أهل الإسلام للكفار حتى يردوهم إلى هذا الدين الحق الذي يجب عليهم اعتناقه ويجب عليهم الإيمان به، ويجب أن يكون هو الدين السائد على ظهر هذه الأرض، لأن خالقها وموجدها هو الله عز وجل وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، فجهاد الكفار هو لإرجاعهم إلى هذا الدين واعتناق هذا الدين الذي لا يقبل الله عز وجل ديناً سواه. قال: والاعتراف بنعمته وشكره عليها، هذا من النصيحة أيضاً، أن تعترف بنعم الله، وأن ما معك من نعمة فمن الله، وما بكم من نعمة فمن الله، فالاعتراف بنعم الله هذا من نصيحة لله، أن تعترف بنعم الله عليك كبيرها وصغيرها، سواء كان نعمة دينية أو دنيوية، فكلها لله. وشكره عليها أن تشكر الله عز وجل هذه النعم، فهذا أيضاً من النصيحة لله، الإخلاص في جميع الأمور، يعني في العبادات وفي الأعمال، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة، هذا من النصيحة، أن تدعو إلى توحيد الله وإلى طاعة الله وإلى عبادة الله وإلى معادات أهل الكفر وأعداء الله وإلى موالات أهل الإيمان والطاعة. نعم، هذا كله من النصيحة لله. قال: والدىعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف في جميع الناس أو من أمكن منهم عليها، يعني أن يقوموا بهذه الأوصاف حتى يحققوا النصيحة لله جل وعلا. قال الخطابي رحمه الله: وحقيقة هذه الإضافة راجع إلى العبد في نصحه من أمكن منهم عليها، يعني في قوله: «لله النصيحة»، يعني ظاهره، يعني قد يفهم الإنسان أن العبد ينصح ربه، لا، المراد بالنصيحة لله أن تنصح غيرك في القيام بهذه الحقوق حتى يحققها لله جل وعلا، تبدأ بها أنت أولاً في نفسك ثم تنصح غيرك في القيام بها حتى يحققها لله، يحقق التوحيد ونفي الشرك، وكذلك أيضاً إثبات ما أثبته الله عز وجل نفسه، صفات الكمال والجلال، ونفي صفات النقص والإلحاد بصفات الله، والقيام بطاعته إلى آخره، يحقق هذه الأمور لله، فتكون النصيحة لله جل وعلا في تحقيق هذه الأمور، في تحقيق هذه الأمور. طيب أظن الباقي قد انتهى إن شاء الله، نقرأ ما تبقى بإذن الله في الدرس القادم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم مع نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. شكراً.