الدرس في كتاب الإيمان 35، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل الأحاديث النبوية التي تشير إلى فضل أهل اليمن في الإيمان وتحقيقه، ويبين أن المراد بالإيمان اليماني هو كون أهل اليمن من أكثر الناس إيمانا. كما يشير إلى أن الإيمان ليس مقصورا عليهم بل يوجد في غيرهم.
يتطرق هذا الفصل إلى شرح أحاديث نبوية تتعلق بالسكينة والفخر والخيلاء، حيث يبين أن السكينة تكون في أهل الغنم، بينما الفخر والخيلاء يكونان في أهل الخيل والوبر، ويشير أيضا إلى أن الإيمان والحكمة يمانيان.
يتناول هذا الفصل شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول أهل اليمن وأوصافهم، حيث وُصِفوا بأنهم ألين قلوبا وأرق أفئدة، ويبين معاني الأرق والضعف في القلوب، كما يتطرق إلى روايات أخرى حول موقع الكفر والإيمان.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر عن إسماعيل بن جعفر. قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل قال: أخبرني العلاء عن أبيه -وهو العلاء بن عبد الرحمن- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسكينة في أهل الغنم، والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر». الإيمان يمان، مر معنا الاختلاف في المراد بأهل اليمن في هذه الأحاديث، أن منهم من قال: هم أهل مكة، ومنهم من قال: أهل مكة والمدينة، ومنهم من قال: الأنصار، ومنهم من قال: هم أهل اليمن حقيقة، وهذا هو الصحيح، وهو ظاهر هذه الأحاديث، إلا أن بعض أهل العلم خص ذلك بمن كانوا في ذاك الوقت ممن وفد على النبي عليه الصلاة والسلام، والأحاديث هذه عامة، فما المانع من أن تحمل على عمومها في أهل اليمن من كان في ذلك الوقت، ومن كذلك يأتي بعدهم ممن هم من أهل الفضل وأهل العلم وأهل الخير والصلاح؟ الإيمان يمان. والإمام النووي رحمه الله باب على هذه الأحاديث «باب تفاضل أهل الإيمان ورجحان أهل اليمن فيه»، رجحان أهل اليمن فيه يعني في الإيمان في تحقيقه، وهذه فضيلة لأهل اليمن. والكفر قبل المشرق، المراد بقبل المشرق يعني مشرق المدينة، قبل المشرق من جهة المدينة، وهي جهة بلاد الفرس والمجوس، ومن كان على جهتهم من العرب، فهم أشد الناس كفرا وشرا وفتنة، فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والكفر قبل المشرق». هكذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن ظهور الشر والفتن كانت من جهة المشرق، وهكذا أيضا يكون خروج الدجال من نحو المشرق، وهكذا أيضا ظهور الكفرة والترك كذلك من جهة المشرق، وليس معنى هذا أنه لا كفر من غير جهة المشرق، لكن المراد أشده وكثرته من جهة المشرق. قال: «والسكينة في أهل الغنم، والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر». ومر معنا الكلام على ما يتعلق بهذه الجمل من أن رعاة الغنم يغلب عليهم السكينة والتواضع، ورعاة الخيل والإبل يغلب عليهم الفخر والخيلاء والكبر. قال: وحدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب -وهو عبد الله- قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب محمد بن مسلم قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم». قال: وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن -ويقال له: المسند- «السنن الدارمي» قال: أخبرنا أبو اليمان -هو الحكم بن نافع- قال: أخبرنا شعيب بن حمزة عن الزهري بهذا الإسناد مثله، وزاد: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية». قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو اليمان عن شعيب عن الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس، جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا». أرق أفئدة يعني المراد بالأفئدة هنا القلوب، ويكون هذا من ترادف الألفاظ، وبعضهم قال: المراد بالأفئدة يعني باطن القلب. أرق أفئدة قلوبهم رقيقة، سرعان ما تتأثر وتستجيب. وأضعف قلوبا أيضا معنى الضعف، أضعف قلوبا يعني قلوبهم خاشعة ذليلة، ولهذا كذلك سرعان ما يقبلون الحق، يقبلون الإيمان. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم- وأبو كريب -محمد بن العلاء- قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش -سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي- عن أبي صالح -ذكوان السمان- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، رأس الكفر قبل المشرق». وهذه الرواية تبين أن المقصود بالكفر قبل المشرق يعني رأسه وأشده وكثرته. قال: وحدثنا قتيبة من سعيد وزهير من حرب قال: حدثنا جرير عن الأعمش بهذا الإسناد، ولم يذكر «رأس الكفر قبل المشرق». قال: وحدثنا محمد بن المثنى العنزي قال: حدثنا ابن أبي عدي... وحدثني بشر بن خالد... عن شعبة... عن الأعمش بهذا الإسناد مثل حديث جرير، وزاد: «والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أصحاب الشاء». قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو الحنظلي- قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك المخزومي عن ابن جريج -عبد الملك بن جريج وهو مدلس- قال: أخبرني أبو الزبير -محمد بن مسلم- أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز». وهل هناك تنافي في قوله: «والإيمان في أهل الحجاز» مع قوله: «الإيمان يمان»؟ الجواب: لا، فليس معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان» أنه لا إيمان في غير أهل اليمن، لا، لكن المراد أنهم من أكثرهم إيمانا، وممن فاق غيرهم في الإيمان، مع وجود الإيمان في غيرهم، ومنهم أهل الحجاز، فكذلك هم من أهل الإيمان، وهذا أيضا فضيلة لأهل الحجاز، أنه ممن آمن وحقق الإيمان.