كتاب الإيمان 38

كتاب الإيمان 38

الدرس في كتاب الإيمان 38، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم النصيحة لكتاب الله

تحدث الدرس عن معنى النصيحة لكتاب الله وتشمل الإيمان به وتعظيمه وتلاوته حق تلاوته. كما تشمل الذب عنه والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه.

تفاصيل النصيحة لله وكتابه ورسوله

النصيحة لكتاب الله تتضمن تفهمه وتفسيره والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه. كما تتضمن نصيحة الرسول تصديقه وطاعته ونصرته حيا وميتا ومعادات من عاداه.

تطبيق نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم

النصيحة للرسول تكون بالذب عن سنته ونشر علومها والتفقه في معانيها. تشمل أيضا التخلق بأخلاقه ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة المبتدعين.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

يختتم الشيخ الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه ويعد بمتابعة الدروس القادمة. يشير إلى انتهاء الدرس ويطلب من الله السلامة والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ما زلنا بحديث تميم الداري رضي الله عنه، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة». قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم». تكلمنا في درس الماضي عن النصيحة لله، وعرفنا أن من معانيها الإيمان بالله جل وعلا، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، وإثبات صفات الكمال له، وكذلك أيضا القيام بما أمر، والاجتناب عما نهى، والحب فيه، والبغض فيه، والمولاة فيه، والمعاداة فيه، والجهاد في سبيله، والاعتراف بنعمه، إلى آخر ذلك من معاني النصيحة لله. ثم قال: «ولكتابه». وكنا قرأنا كلام الإمام الخطاب رحمه الله، وأيضا ما جمعه الإمام النووي رحمه الله من كلام غيره من أهل العلم في شرح هذا الحديث. قال رحمه الله: «أما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى، فالإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق». فالنصيحة لكتاب الله هو الإيمان بأنه كلام الله، أنه كلام الله جل وعلا، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ليس هو بكلام البشر، بل هو كلام رب البشر. وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، حتى يسمع كلام الله، فهو كلام الله عز وجل، أنزله الله جل وعلا على رسوله بواسطة جبريل عليه السلام، فهو منزل من عند الله جل وعلا، غير مخلوق، كما زعم من زعم من الجهمية. ومن قال ذلك فقد كفر، من قال بأن كلام الله مخلوق، أن القرآن مخلوق، فهو كافر؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، وصفات الله غير مخلوقة. قال: «لا يشبه شيء من كلام الخلق»، أي لا يشبه القرآن كلام شيء من الخلق. ولو اجتمع الخلق كلهم من إنس وجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما استطاعوا. «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا». ولو عاون بعضهم بعضا وساعد بعضهم بعضا ما استطاعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل ولا بعشر سور منه، بل ولا بسورة. لذلك تحدى الله عز وجل المشركين الذين كانوا أهل الفصاحة وبلاغة، وبرعوا في هذا الباب في باب البلاغة والفصاحة، تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل بعشر سور، بل بسورة واحدة. «قل إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين». نعم، وعجزوا عن ذلك، ولن يستطيعوا؛ لأنه كلام الله، لا يستطيع أحد أن يأتي بشيء يشبه كلام الله. ومن أتى بشيء من ذلك وزعم أنه كلام الله فهو كاذب، ويظهر كذبه في ركاكة ألفاظه وضعف أسلوبه. نعم، كما فعل بعض المدعين النبوة كمسيلمة الكذاب، زعم أنه يوحى إليه، فقال مرة: «لعمر -قبل أن يسلم- ملعاص»، قال: «أنه مما أوحي إليه: الفيل ملفيل، وما أدراك ملفيل، له خرطوم طويل». ثم قال له: «ما رأيك في هذا؟» فقال له: «والله إنك تعلم، والله إنك تعلم أني أعلم، وأنك تعلم أنك كاذب فيما تدعيه من الوحي». وهذا الكذب الذي تدعيه هو القرآن الذي تدعيه، وكذب وافتراء، وهو بقرارة نفسه يعلم أنه كاذب في ذلك. قال: «ولا يقدر على مثله أحد من الخلق»، ثم «تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة». هذا مكرر، إقامة حروفه في التلاوة مكرر مرتين. أي من أيضا من النصيحة لكتابه تعظيمه، تعظيم هذا القرآن، تعظيمه بتعظيم أوامره ونواهيه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتطبيق أحكامه، والتحاكم إليه، وتحليل ما أحله، وتحريم ما حرمه. نعم، أيضا تعظيمه من أن يمتهن، فيكون في أماكن مرتفعة، وبعيدا عن امتهان من يمتهنه، ويكون في أماكن طاهرة. نعم، هذا من النصيحة لكتابه. قال: «وتلاوته حق تلاوته»، أي تلاوة القرآن بحق التلاوة، بإعطاء كل حرف حقه من النطق والظهور والبيان. والله عز وجل يقول: ﴿الذين يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾، هذا مدح وثناء لمن أحسن تلاوة القرآن وقراءته حق قراءته وتلاوته حق تلاوته، فهؤلاء هم أهل الإيمان. نعم، وليس معنى هذا أن الإنسان إذا كان لا يحسن التلاوة لكونه ضعيفا في القراءة أو أعجميا أو نحو ذلك، أنه لا يكون من أهل الإيمان أو من يثاب ويؤجر، لا، ويثاب على قدر استطاعته وقدر جهده. وإذا كان يشق عليه تلاوة القرآن ويتعتع فيه، فله أجران كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران: أجر التلاوة وأجر المشقة». قال: «وتحسينها والخشوع عندها»، أي من تحسين التلاوة بالقرآن، هذا من نصيحة لكتابه. وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، «إن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا». وقال: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا». وقال: «يا أبي موهسى الأشعرى: «أتيت مزمارا من مزامير آل داود». نعم، تحسين الصوت بقراءة القرآن أمر مطلوب. والخشوع عندها، أي عند تلاوة القرآن، تدبر آيات الله وتفكر فيها. والخشوع عندها. قال: «وإقامة حروفه في التلاوة»، يعني إعطاء كل حرف حقه في النطق، فلا يستعجل في القراءة، تكون قراءة هذًّا سريعة، حتى لا يعطي كل حرف حقه، لا يعطي كل حرف حقه من الظهور والبيان، فهذا مذموم. لكن لو أسرع، يعني سرعة مع إعطاء كل حرف حقه، هذا جائز. على أن الأفضل الترتيل، والقراءة بقراءة معتدلة، ليست بسريعة ولا بهذٍّ الشعر. قال: «والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين». الذب عنه يعني الدفاع عن القرآن، الدفاع عنه بتأويل المحرفين الذين حرفوا آيات الله جل وعلا، سواء كانوا ممن حرف صفات الله الثابتة في كتاب الله جل وعلا، المتكلمون والشاعرة والجهمية، كذلك فيذب عنه ويدافع عنه، أو تأويل بعض المبتدعة والظلال، واستدلال ببعض الآيات على بدعهم، على خرافاتهم، فيذب عن كتاب الله جل وعلا، ويرد ما استدلوا به. أو من يطعن في القرآن، ويزعم أنه متناقض أو أنه ناقص أو أنه كذا وكذا، فيرد ويذب عن كتاب الله جل وعلا. هذا كله من النصيحة لكتابه. قال: «والتصديق بما فيه». هذا أيضا من النصيحة لكتابه، التصديق بما فيه، بما أخبر الله عز وجل فيه من قصص وأخبار، وكذلك أيضا ما أخبر الله عز وجل به من أمور غيبية، كالجنة والنار، وعذاب الكافرين، ونعيم المؤمنين. نعم، وغير ذلك مما ذكر الله عز وجل في كتابه. والوقوف مع أحكامه، الوقوف مع أحكامه، أحكامه الشرعية وأحكامه الدينية وأحكامه الجزائية، الوقوف معها، والنظر في حكمها وعِلَلها. وهكذا التفهم وتفهم علومه وأمثاله، تفهم علومه يعني دراسة القرآن، تفسيره، فهم علومه بقراءة التفسير، وتعلم علم التفسير، معرفة تفسير الآيات وفهمها والمراد منها. نعم، وأيضا ما فيه من أحكام فقهية كثيرة مذكورة في كتاب الله جل وعلا. وأمثاله، أي التي ضربها الله عز وجل في القرآن، ضرب الله عز وجل أمثالا كثيرة، فوق الأربعين مثلا أو نحوها، ضربها الله عز وجل ليعتبر بها العباد ويتعظوا. «تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون»، ما يعقلها إلا أهل العلم. ومن كان ذا علم ومعرفة، فإنسان يتفهم هذه الأمثال، فيها معاني عظيمة، وفيها عظات وعبر. قال: «والاعتبار بمواعظه». الاعتبار بمواعظه يعني بالموعظة التي ذكرها الله، سواء كان بإهلاك المكذبين والكافرين، وتعجيل العقوبة عليهم بسبب تكذيبهم وكفرهم. نعم، أو كذلك أيضا ما فيه من مواعظ ترهب العباد وتخوفهم من الوقوع فيما يغضب الله، وفيما يسخط الله، مما ذكر الله جل وعلا من عذاب أهل النار، وعذاب الكافرين. أو بعض الحكم التي كذلك ذكرها الله عز وجل في القرآن، كوصية لقمان لابنه، وفيها مواعظ وحكم يتعظ بها. وكذلك قصة يوسف مثلا، وغيره من الأنبياء والصالحين، فيها عظة وعبرة. قال: «والتفكر في عجائبه». هذا أيضا من نصيحة لكتابه، التفكر في عجائبه، في عجائب القرآن، ما ذكره الله في القرآن من عجائب عظيمة، كعجائب خلق السماوات والأرض، والبحار والجبال، والحيوانات والحشرات، كالنحل وغيرها، فعجائبه كثيرة. قال: «والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه». هذا أيضا من نصيحة لكتابه، العمل بمحكمه، المحكم المراد به هنا الواضح البين، الواضح البين الذي لا اشتباه فيه. والمتشابه ما فيه شيء من الخفاء، ما فيه شيء من الخفاء. فالمؤمن يعمل بمحكمه ويسلم لمتشابهه، يسلم به، يؤمن به. نعم، ويسلم به ولا يرده ولا يعارضه ولا ينكره. قال الله عز وجل: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، محكمات هنا بمعنى بينات واضحات، ومتشابهات يعني فيه شيء من الخفاء، الذي قد يخفى على بعض الناس، فهو خفاء نسبي، هو خفاء نسبي. وقد يكون خفاء حقيقيا بالنسبة لصفات الله جل وعلا، وحقائق الأمور، كيفية صفات الله مثلا، هذا من الأمور المشتبهة التي لا يعلمها أحد من الناس، ومما أخفاه الله جل وعلا، ولم يخبر به أحد من الخلق. فيؤمن به المؤمن، ويؤمن بصفات الله، ويفوض كيفية علمها عند الله. كذلك حقائق الأمور، كحقيقة الجنة وحقيقة النار، فهذه لا يعلمها إلا الله. لكن أنت تؤمن بوجود الجنة ووجود النار، أن الجنة يعني فيها نعيم لأهل الإيمان والتقوى، والنار عذاب للكافرين، وكيفيتها وحقيقتها لا تعلمها؛ لأن الله عز وجل لم يطلعنا عليها، وإنما أخبرنا بشيء من صفاتها وصفات أهلها، فنؤمن بذلك، ونرد المتشابه إلى الله جل وعلا. قال: «وأخر متشابهات»، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا». قال: «ومعنى ذلك أنه لا يضرب المتشابه بعضه ببعض»، لا، المؤمن يسلم بما أخبر الله به، ويؤمن به، ويرد متشابهه إلى محكمه. وأما أهل الأهواء، هم الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، يعني يفسرونه بغير تفسيره الصحيح، فيقعون في التحريف والتعطيل. قال: «والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه». هذا أيضا من نصيحة لكتابه، النظر في عموم الآيات، الآيات العامة والآيات الخاصة، وحمل الخاص على العام، والمطلق على المقيد، وناسخه ومنسوخه، معرفة الناسخ والمنسوخ منه، هذا أيضا من نصيحة لكتابه. قال: «ونشر علومه». أي علوم القرآن، نشر علومه، هذا من نصيحة لكتابه، كالتفسير مثلا، والقراءات، وكذلك أيضا أحكامه وحكمه، ونحو ذلك مما يتعلق بعلوم القرآن. قال: «والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته». الدعاء إليه، أي إلى كتاب الله، الدعاء إليه بالاهتمام به، حفظا وتلاوة وتفسيرا وتعلما وتعليما، وتمسكا به، تطبيقا لأحكامه، كل هذا من النصيحة لكتابه. قال: «وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به». تصديقه على الرسالة يعني التي أرسله الله عز وجل بها، وأنه رسول من عند الله جل وعلا، تصدقه في ذلك وتؤمن به أنه رسول من عند الله. والإيمان بجميع ما جاء به، أي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من أحكام وشرائع، وسواء كانت أحكام دينية كالحلال والحرام، أو كذلك أيضا أحكام جزائية كالحدود والعقوبات، فكلها مما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فيجب الإيمان به. قال: «وطاعته في أمره ونهيه». تطيع فيما أمر، وتنتهي عما نهى، هذا من النصيحة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، كما أمر الله عز وجل ورسوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. قال: «ونصرته حيا وميتا». أما نصرته حيا فواضح، إذا كان حيا وقد أدركته، فتناصره وتدافع عنه وتقاتل معه وتذب عنه، كما فعل الصحابة رضوان الله تعالى عنهم. فقول: «نصرته» هذا في حق من أدركه من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وأما ميتا، فنصرت سنته، نصرت سنته والدفاع عنها، والدفاع عنه إذا طعن فيه أو تعرض لسنته أو طعن فيها، فتدافع، وهذا يكون من الدفاع عنه عليه الصلاة والسلام أن تذب عن سنته. قال: «ومعادات من عاداه وموالات من والاه». معادات من عاداه، أي من عاد الرسول عليه الصلاة والسلام، فنعاديه، هذا من النصيحة لرسول الله. من عاداه فنعاديه، ومن أبغضه فنبغضه. نعم، ومن أبى أن يؤمن به ويتبعه فنتبرأ منه، هذا من النصيحة للرسول عليه الصلاة والسلام. وموالات من والاه، من أهل الإيمان والتقوى. قال: «وإعظام حقه وتوقيره». إعظام حقه وتوقيره، إعظام حقه بتعظيم سنته وتطبيق أحكامه، وكذلك أيضا اللزوم لطاعته. وأيضا إعظام سنته، وإعظام من يحب، كأهل بيته وقرابته وصحابته رضوان الله تعالى عليهم، فإعظامهم من إعظام النبي عليه الصلاة والسلام، وتوقيرهم من توقيره عليه الصلاة والسلام. قال: «وإحياء طريقته وسنته». إحياء طريقته وسنته، أي التي كان عليها عليه الصلاة والسلام، في باب العبادة أو في باب الدعوة أو في باب المعاملات أو الأخلاق أو غير ذلك من سائر الأبواب، فإحياء طريقته وسنته التي كان عليها، هذا من النصيحة للرسول عليه الصلاة والسلام. فالذي يتخذ طريقا غير طريق النبي عليه الصلاة والسلام، أو سنة غير سنته، فهذا ما نصح للرسول عليه الصلاة والسلام. قال: «وبث دعوته ونشر شريعته». نعم، دعوته ما ورد في الكتاب وفي السنة بسنته عليه الصلاة والسلام، الحث على ذلك والترغيب للناس في ذلك، أن يتمسكوا بالسنة وأن يعملوا بها، هذا نشر لدين الله جل وعلا الذي بعث الله عز وجل به محمدا عليه الصلاة والسلام، وهو أيضا نشر لدعوته عليه الصلاة والسلام، ولشريعته، حتى يتمسكوا بها. ونفي التهمة عنها، أي عن السنة، فالذب عن السنة، سواء كان ذلك بتمييز صحيحها من سقيمها، هذا من الذب عنها؛ لأن الحديث المكذوب عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر هذا من الافتراء على النبي عليه الصلاة والسلام. وكونك تذب عنه عليه الصلاة والسلام، فتميز صحيح الحديث من ضعيفه، هذا من الذب عن سنته. أو كذلك أيضا بالرد على الطاعنين في السنة والمزهدين فيها، كحال بعض المستشرقين أو بعض العقلانيين الذين يعني يتكلمون في السنة، ويقدمون عقولهم وآراءهم على كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، فترد عليهم وتبين ضلالهم وزيف قولهم، هذا أيضا من الذب عن سنته، ونفي التهمة عنها. قال: «واستثارة علومها والتفقه في معانيها». أي في السنة، نشر علومها وما شملت عليه من أحكام متعددة، سواء في باب الفقه، يعني في باب أحكام المياه أو الطهارة أو الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو إلى آخره. وإعتنى به العلماء عناية عظيمة في تأليف كتب الفقه، سواء كانت الحديثية التي اعتنت بذكر الأحاديث المتعلقة بالأحكام الفقهية، كعمدة الأحكام مثلا، وبلوغ المرام، وعمدة الفقه ونحوها. أو كذلك أيضا بقية كتب الفقه التي عنيت بذكر الأحكام الفقهية مع الاستنباط من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا التفقه في معانيها، في معاني هذه الأحاديث، بشرحها وذكر فوائدها وما اجتمعت عليه، هذا أيضا عني به العلماء عناية عظيمة. وكتب الشروحات للأحاديث، الشروحات للصحيحين أو السنن أو غيرها، كثيرة، هذا من عناية العلماء رحمهم الله بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «والدعاء إليها والتلطف في تعلمها وتعليمها». التلطف في تعلمها وتعليمها، يعني تعليم حديث النبي عليه الصلاة والسلام، التلطف في ذلك، واحترامها وتوقيرها؛ لأنها كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وإعظامها وإجلالها والتأدب عند قراءتها». يعني يكون على هيئة وقار وسكون، ما يقرأها وهو يلعب وهو يضحك، لا يكون على أكمل هيئة. على أكمل هيئة، كان إمام مالك رحمه الله إذا أراد أن يحدث لبس أحسن ثيابه، ثم خرج يحدث بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، هيبة وتوقيرا وتعظيما لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. نعم، وكذا كان بعض السلف ربما يضحكون، فإذا ذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام أمسكوا عن الضحك وسكتوا، توقيرا واحتراما لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا ينبغي أن يعتني به طالب العلم، أن يكون عنده احترام وتعظيم وتوقير لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «والتأدب عند قراءتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم». نعم، كذلك الإمساك عن الكلام فيها بغير علم، يعني ما يأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فيفسره من رأسه ومن عقله، بغير أن يكون عنده علم في معناه، حتى لا يقع في الخطأ؛ لأنك إذا ذكرت شيئا على خلاف ما هو عليه، خلاف المراد في الحديث، معنى هذا أنك تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد كذا وكذا، وأنت مخطئ في ذلك. فلذلك لا تفسر شيئا من الحديث إلا بما علمت، إلا بما علمت. أما لم تعلم فتقف فيه، تقف فيه حتى تسأل من هو أعلم منك، أو تنظر في شروحات أهل العلم ومقالاتهم في تفسير هذا الحديث، فتتكلم في كلام النبي عليه الصلاة والسلام بعلم. قال: «وإجلال أهلها لانتسابهم إليها». إجلال أهلها، أي أهل الحديث، أهل السنة، يسمون بأهل الحديث لعنايتهم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإجلالهم هو إجلال لما يحملون من السنة، إجلالهم هو إجلال لما يحملون من السنة؛ لأنهم ينتسبون إليها. أليس أهل السنة يقال لهم أهل السنة والجماعة؟ لماذا قيل لهم أهل السنة والجماعة؟ أهل السنة لعنايتهم بالسنة، حفظا وتعليما ودعوة وتطبيقا. فلذلك نصب إليها، قيل لهم أهل السنة والجماعة لاجتماعهم وعدم تفرقهم، لاجتماعهم على التمسك بها وبما دلت عليه، وعدم التفرق والاختلاف. فلأجل ذلك فإجلالهم هو من إجلال ما يحملون من السنة. وكما قال القائل: «أهل الحديث هم أهل النبي، وإن لم يصحبوا نفسه، أنفاسه صحبوه». أهل الحديث هم أهل النبي، وإن لم يصحبوا نفسه، وإن لم يكونوا صاحبوه بنفسه وذاته عليه الصلاة والسلام، فقد صاحبوا أنفاسه، أنفاسه صحبوه. أنفاسه، أي أقواله، صحبوا كل يومهم: «قال رسول الله، قال رسول الله، قال رسول الله». فهم كل يوم مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، قد صاحبوا أقواله وأنفاسه عليه الصلاة والسلام. قال: «والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه». نعم، هذا أيضا من النصيحة للرسول، التخلق بأخلاقه، قد كان عليه الصلاة والسلام على أكمل الأخلاق، من أكمل الخلق خلقا عليه الصلاة والسلام. والله عز وجل رصفه بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. نعم، فالتخلق بأخلاقه هذا من النصيحة للرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان في باب الشجاعة، في باب الكرم، في باب الحلم، في باب العفو والصفح، في باب العبادة، في باب المعاملة مع الجيران أو مع الأهل أو مع الأولاد أو إلى آخر ذلك، في جميع أبواب الأخلاق. فقد كان عليه الصلاة والسلام على أكمل الأخلاق. وتأدب بآدابه، أي بآداب النبي عليه الصلاة والسلام التي كان عليها، في مشيه، وفي خروجه، وفي مدخله، وفي جلوسه، وفي قيامه، في مأكله، في مشربه، في نومه، وإلى آخر ذلك من أمور الآداب. فالتأدب بآدابه هذا أيضا من نصيحة للرسول عليه الصلاة والسلام. قال: «ومحبة أهل بيته وأصحابه». هذا أيضا من نصيحة للرسول، أن تحب أهل بيته، أهل بيته الذين ينتسبون إليه، نعم، كالجعفرين، وعقيل، والعباس، وعلي. نعم، تحبهم لقرابتهم من النبي عليه الصلاة والسلام، ولما لهم من شرف النسب والقرابة، وكذلك أيضا لما لهم من إسلامهم، لإسلامهم أيضا، فيكون لهم محبة لإسلامهم، ومحبة لقرابتهم وصحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا غيرهم من من جاء بعدهم، من ليسوا من الصحابة، لكن من قرابة النبي عليه الصلاة والسلام، كذلك يحبون، يحبون لقرابتهم من النبي عليه الصلاة والسلام، إن ثبتت قرابتهم وكانوا أهل صلاح واستقامة. أما إن كانوا من أهل بدع وأهواء وضلالات، فهؤلاء لا محبة لهم، ولا لهم منزلة. والنبي عليه الصلاة والسلام تبرأ ممن خالف طريقته وهديه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن آل فلان -يعني آل أبي لهب- فليسوا بأولياء، إنما ولي الله وصالح المؤمنين». قال: «ومجانبة من ابتدع في سنته». من ابتدع في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فيجتنب ويترك، ويبغض بقدر ما عنده من مخالفة، أو تعرض لأحد من أصحابه، يعني بالطعن واللمز أو الذم أو التكفير. نعم، كحال الرافضة ومن كان على شاكلتهم، فإنه يجانب ويمتنع عنه. أو ممن ينتسب أيضا للإسلام، قد يوجد بعض أهل الأهواء ليسوا من الرافضة، بل يعني على فرق أخرى، ربما يطعنون في بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فأمثال هؤلاء أيضا يجتنبون بسبب ما يحصل منهم من طعن ولمز في صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام. طيب، نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.