الدرس في كتاب الإيمان 40، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
بايع جرير بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، وفي رواية أخرى على السمع والطاعة فيما استطاع. البيعة تكون لولي الأمر ويجب على الناس السمع والطاعة له.
يجب طاعة من يتولى أمر المسلمين ما لم يؤمر بمعصية، وتشمل الإمارة ولي الأمر والمسؤولين تحت حكمه، وتكون أيضًا في السفر لمن يسافرون جماعة. بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في مختلف الأمور.
النصيحة في الإسلام مهمة حتى في المعاملات اليومية، ومرتكب الكبيرة لا يخرج من دائرة الإيمان لكن إيمانه ناقص. يبين الحديث النبوي أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن إيمانًا كاملاً.
ارتكاب الكبيرة لا يخرج المرء من دائرة الإيمان، لكن يبقى مؤمنًا بإيمان ناقص. دلت الآية على ذلك، وتوضح اختلاف المذاهب حول تفسير الحديث وتأثيره على إيمان الفرد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو خيثمة، وابن نمير، قالوا: حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة، قال: سمع جرير بن عبد الله يقول: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم. قالوا: وحدثنا سريج بن يونس، ويعقوب الدورقي، قالا: حدثنا هشيم، عن سيار، عن الشعبي، عن جرير، قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطعت، والنصح لكل مسلم. قال الإمام مسلم: وهذا تنبيه مني إلى أن هشيمًا وإن كان قد عنعن في هذه الرواية، وهو مدلس، فإن الرواية بالعنعنة لا تقبل إلا بالتصريح بالسمع. قال يعقوب في روايته: حدثنا سيار. هذا الحديث حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، ذكره الإمام مسلم بعد حديث تميم الداري، لأن فيه معنى النصيحة. جرير رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. وفي الرواية الأخرى: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة. وهذه البيعة تكون لولي الأمر، يبايعه أهل الحل والعقد. يجب على الناس أن يعتقدوا أن عليهم السمع والطاعة لولي أمرهم، وأن لهم له بيعًا في أعناقهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية. الصحابة رضوان الله عليهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة. ومن قام على أمور المسلمين وتولى أمرهم وجب له السمع والطاعة. قال صلى الله عليه وسلم: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. وفي حديث عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان. الإمارة تكون لولي الأمر، ولمن كان تحت حكمه من المسؤولين. ولهم السمع والطاعة في طاعة الله. كذلك إمارة السفر، إذا سافر ثلاثة فأكثر وجب عليهم أن يؤمروا أحدهم. وإذا أمروا أحدهم وجب له السمع والطاعة فيما يتعلق بأمور السفر. أما الإمارة في الحضر، فمن البدع والمحدثات. لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة في الحضر، وإنما شرعها في السفر أو الإمارة العظمى للحاكم وولي الأمر. قال جرير رضي الله عنه: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. اقتصر على ذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنهما من أهم أركان الإسلام. قال: والنصح لكل مسلم. بايع النبي صلى الله عليه وسلم على النصح، أن يكون ناصحًا لكل مسلم، وأن يؤدي النصيحة ببيان ما ينفعه وما هو خير له في أمور دينه ودنياه. قال: فلقنني فيما استطعت. يعني أن تكون نصيحتك في قدر استطاعتك. والله عز وجل يقول: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. جرير رضي الله عنه طبق ذلك في بيعه وشراه. أمر مولاه أن يشتري له فرسًا، فاشتراه بثلاثمائة درهم، ثم جاء به إلى جرير، فقال له: إن فرسك هذا يساوي أكثر من ذلك، أتبيعه بأربعمائة؟ قال: نعم. فما زال يزيد الثمن حتى أوصله إلى ثمانمائة درهم. قال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم. فالنصيحة مطلوبة في كل الأحوال، حتى في باب البيع والشراء. يجب أن تكون ناصحًا، إن كنت بائعًا أو مشتريًا. قال الإمام مسلم: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب يقولان: قال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. قال الإمام النووي: هذا الحديث دليل على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان. قوله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، أي كامل الإيمان. قال أهل السنة والجماعة: المراد بالنفي هنا نفي الكمال. ووافقهم على ذلك الأحاديث الأخرى، كحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق. وقال الخوارج: بل يكفر مرتكب الكبيرة، ويخلد في النار. ووافقهم المعتزلة في الخلود في النار، لكن اختلفوا في إطلاق اسم الكفر عليه. والمرجئة قالوا: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، فإيمان الفاجر كإيمان الصالح. وهذا باطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي الإيمان عمن ارتكب الكبائر. قال الله عز وجل: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، فسمى الله عز وجل كلا الطائفتين مؤمنين، مع أنهما اقتتلتا، والقتال من الكبائر. فدل ذلك على أن ارتكاب الكبيرة لا يخرج عن دائرة الإيمان، لكن ينفي عنه كمال الإيمان. يثبت له مطلق الإيمان، لكن إيمان ناقص.