الدرس في كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الجلسة أن الزكاة ركن عظيم قرنه الله بالصلاة، وأن ابن قدامة يركز على أسرارها التربوية. ويؤكد الشرط الأساسي بوجوب إخراج الزكاة من جنس المال المزكى نفسه لا بقيمتها النقدية.
يشرح المقطع تقسيم واجبات الشرع إلى ثلاثة أقسام، مستعرضاً التعبد المحض الذي لا تُعرف حكمته كرمي الجمار. ويبين الحظ المحض كقضاء الديون حيث يسقط الحق بوصوله لمستحقه دون حاجة للنية.
يتناول القسم الثالث الذي يجمع بين التعبد المحض وحظ العباد، ويمثله الزكاة التي تجتمع فيها عبادة الله وحق الفقير. ويؤكد المؤلف تقديم حق التعبد على حق الحظ في وجوب إخراج الزكاة من جنس المال المحدد شرعاً.
يعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية على أن يكمل باقي محتوى الكتاب في درس قادم. ويختتم بالدعاء بالتوفيق من الله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه «مختصر منهاج القاصدين»: «كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها». قال: الزكاة أحد مباني الإسلام، وقد قرنها الله سبحانه وتعالى بالصلاة، فقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾، وهذا في مواضع كثيرة يقرن الله عز وجل بين الصلاة والزكاة، فهي تذكر بعد الصلاة، والصلاة الركن الثاني من الإسلام، والزكاة الركن الثالث من الإسلام، فهذا يدل على أهميتها وعلى عظيم شأنها. قال: «أما أنواع الزكاة وأقسامها وأسباب وجوبها فظاهر مشهور في مظانه من كتب الفقه، وإنما نذكرها هنا بعض الشروط والآداب». وكما تكرر معنا أن ابن قدامة رحمه الله إنما يذكر هذه العبادات ولا يريد من ذكرها بيان فقه أحكامها والتفصيل في شروطها وأركانها وأسباب وجوبها ونحو ذلك، فهذا مظانه كتب الفقه، وإنما أراد من هذا ذكر الأمور التربوية والأمور التي تتعلق بأسرار هذه العبادات، فهذا الكتاب كتاب تربية وتزكية، فلذلك ركز المؤلف على هذه الأمور التي أرادها. قال: «فمن الشروط أن يخرج المنصوص عليه ولا يخرج القيمة في الصحيح»، يعني من أقوال أهل العلم، ويريد أن يخرج المنصوص عليه ولا يخرج القيمة في الصحيح، يعني الأموال التي هي غير النقدين والأموال النقدية كالأغنام والثمار، فإن الصحيح أنه لا تخرج الزكاة مما يعادل قيمة هذه الأموال كالغنم والثمار. فمثلاً في زكاة الإبل: في خمس من الإبل شاة، فإذا قال: «أنا سأخرج قيمة الشاة، مثلاً الشاة تساوي ثلاثين ألفاً، إذن سأخرج ثلاثين ألفاً»، يقال له: لا يصح ذلك على الصحيح، بل تخرج شاة وتعطيها أحد الأصناف الثمانية الذين تجب في حقهم الزكاة. وهكذا في زكاة الثمار كالتمر ونحوه، فإنه لا يجزي فيه المال، وإنما تخرج من نفس هذه الأموال، أي تخرج تمراً. وهكذا في زكاة الفطر على الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يخرج على كل فرد صاع من غالب قوت البلد، ولا تجزئ في ذلك القيمة، لا تجزئ في ذلك القيمة، فلا يقول قائل: كم يساوي الصاع من الأرز؟ فيقال له: مثلاً يساوي ثمانمائة ريال، فيقول: خلاص، أنا سأخرج ثمانمائة ريال. لا، لا بد أن تخرجها طعاماً لأن هذا هو المنصوص عليه. قال: «فإن من أجاز إخراج القيمة» وهذا يذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أجاز إخراج قيمة الزكاة، ولو لم تكن من النقدين أو الأموال الورقية أجاز أن تخرج مالاً، وهذا غير صحيح كما تقدم. قال: «فإن من أجاز إخراج القيمة إنما تلتمس سد الخلة فقط»، يعني الحاجة، فعلّل ذلك قال: «ربما المسكين ينتفع بالمال»، يعني ينتفع بالأموال النقدية أكثر من انتفاعه مثلاً بالبر أو بالأرز أو بالتمر أو بالغنمة أو نحو ذلك. فيقال له: ولو، فقد جاءت النصوص بإخراج هذه الزكاة من جنس المال المزكى منه، وكذلك في زكاة الفطر النصوص جاءت بإخراجها طعاماً، فلا ينظر فقط إلى هذا الأمر وهو سد الخلة، وإنما ينظر كذلك إلى التعبد كما سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله. قال: «وسد الخلة ليس هو كل المقصود بل بعضه»، يعني ليست الحكمة من الزكاة سد الحاجة فقط، لا، قد يكون أيضاً هناك أحكام أخرى، فينبغي كذلك أن ينظر إليها، فلا ينظر من جهة واحدة وإنما ينظر من عدة جهات. قال: «فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام». فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام: قسم تعبد محض، يعني ليس معللاً، ليس فيه ذكر حكمة، وإنما يفعله المسلم تعبداً لله عز وجل. قال: «قسم تعبد محض كرمي الجمار»، فرمي الجمار تعبدنا الله عز وجل بذلك ولم تذكر حكمة، أما ما يعتقده بعض العوام أن رمي الجمار الحكمة منها رمي الشيطان، فهذا لا دليل عليه، بل هو للتعبد. ومثل ذلك تقبيل الحجر الأسود، فإنه كذلك تعبد محض، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه بعدما قبل الحجر: «والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك». فهذا من باب التعبد المحض الذي لم تذكر فيه حكمة وإنما فقط للتعبد. قال: «قسم تعبد محض كرمي الجمار، ومقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل فقط»، هذه هي الحكمة، ليس هناك شيء آخر، إنما هو من أجل التعبد، ومن يقوم بهذه العبادة ومن لم يقم بها. قال: «فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل ليظهر عبودية العبد بفعل ما لا يعقل له معنى»، يعني هل ستمتثل مع أنك ما تدري ما الحكمة من ذلك؟ فهذا من باب الابتلاء، فالمؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، طالما أن الأمر جاء من الله عز وجل، فسرعان ما يبادر بالامتثال. قال: «لأن ما يعقل معناه يساعد عليه الطبع ويدعو إليه، فلا يظهر خلوص العبودية به بخلاف ما ذكرنا»، يعني الشيء الذي تعمله وتعلم فائدته وتعلم كذلك حكمته، فأنت تعمله وتبادر، وكذلك الطبع يدعو إلى ذلك لأنك تعلم ما هي فائدة ذلك. هذا هو القسم الأول من التعبد، قسم تعبد محض، هذا القسم الأول من واجبات الشرع، قسم تعبد محض. قال: «والقسم الثاني عكس ذلك، وهو ما لا يقصد منه التعبد، بل المقصود منه حظ محض كقضاء دين الآدميين»، فليس المراد بذلك التعبد لله إلا إذا كان معنى التعبد وجوب أداء هذا الدين، لكن من حيث أصل القضاء فإنه لا يقصد منه التعبد، فلذلك كما سيأتي لا يشترط فيه النية، ولا يشترط فيه أن يكون العمل من صاحبه، قد يكون من غير صاحبه كما سيأتي. قال: «عكس ذلك وهو ما لا يقصد منه التعبد، بل المقصود منه حظ محض في قضاء دين الآدميين ورد المغصوب ونحو ذلك». وكذلك لا تعتبر فيه النية ولا الفعل، فمثلا لو قضى دينك رجل آخر ولم يخبرك في الحال، يعني حال السداد، وإنما أخبرك فيما بعد، فهذا الدين يسقط مع أن صاحبه لم ينوي قضاء هذا الدين عن نفسه، فيسقط الدين وإن لم ينو صاحبه سداد هذا الدين لأنه لا يشترط فيه النية. وهكذا لا يشترط أن يكون الفعل من صاحب الدين، فقد يقضي دينك أخ أو زميل أو صديق أو قريب أو نحو ذلك، لكن يخبرك حتى لا تسدد الدين مرة أخرى. قال: «بل كيفما وصل الحق إلى مستحقه حصل المقصود وسقط خطاب الشرع». فهذان قسمان لا تركيب فيهما، يعني ما يجتمع معهما شيء آخر، فالأول تعبد محض، والثاني حظ محض. قال: «وأما القسم الثالث فهو المركب، وهو أن يقصد منه الأمران، يعني التعبد وكذلك حكم أخرى معللة بها هذا الواجب كما سيأتي». قال: «وهو أن يقصد منه الأمران جميعاً: امتحان المكلف وحظ العباد، فيجتمع فيه تعبد رمي الجمار وحظ رد الحقوق، فلا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد». يعني هذا القسم يجتمع فيه امتحان المكلف بالتعبد لله عز وجل بهذه العبادة، وأيضاً حظ العباد، يعني حق العباد التي ينبغي عليك أن تؤديه إليهم، فيجتمع في هذا القسم الأمران. قال: «فلا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، ولعل الأدق هو الأهم، بمعنى أن التعبد لله عز وجل بهذه العبادة هي التي ينبغي أن يحرص وأن يهتم بها السالك». فإن وجد التعليل فبه ونعمة، وإن لم يوجد فأنت تتعبد لله عز وجل بهذا الواجب الذي أمرك الله سبحانه وتعالى به، فهذا هو الأهم، ألا وهو التعبد لله سبحانه وتعالى، بغض النظر وجدت الحكمة والتعليل من هذا الواجب أو لم توجد. قال: «والزكاة من هذا القبيل»، فإذن الزكاة من نوع أو من القسم الثالث، من القسم الثالث، يجتمع فيها امتحان المكلف بهذه العبادة، وكذلك حظ العباد، ألا وهو إعطاء العباد هذا الحق المفروض عليك من مالك، فيجتمع فيها الأمران. قال: «فحظ الفقير مقصود في سد الخلة»، يعني إعطاء الفقير من باب سد خلته، يعني سد حاجته، وهذا النوع الثاني الذي هو حظ العباد. قال: «وحق التعبد مقصود الشرع في اتباع التفاصيل»، وقد تقدم معنا أن حق الشرع وحق التعبد مقدم على الحق المحض، لماذا؟ لأن التعبد لله عز وجل هو المقصود من وجوب الواجبات. فإذا من نظر فقط إلى سد الخلة هنا يريد أن يتوصل إلى هذا المؤلف رحمه الله ويرد على من أجاز إخراج الأموال النقدية في زكاة الأغنام أو بهيمة الأنعام أو الثمار، فأراد أن يقول: إن الذي نظر إلى سد خلة الفقير أهمل الأمر الأول وهو الأهم، ألا وهو التعبد لله سبحانه وتعالى. فإذا أداء الزكاة لا يقصد منها فقط سد خلة الفقير، بل يقصد منها وهو الأعظم والأهم التعبد لله عز وجل، فطالما أن الله عز وجل تعبدنا بإخراج الزكاة من جنس ذلك المال المزكى، فيجب على المزكي أن يسمع وأن يطيع. وهذا كما تقدم فيه مقصود الشرع في الابتلاء بالعمل لتظهر عبودية العبد لله سبحانه وتعالى. قال: «وحق التعبد مقصود الشرع في اتباع التفاصيل، وبهذا الاعتبار صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج، والله أعلم». فالخلاص من هذا وهذا يعني تحقيق قيم من المؤلف رحمه الله أن الأموال الزكوية يخرج من جنسها، فإن كانت من النقدين الذهب والفضة فهي تعادل الأوراق النقدية، فالذهب والفضة أجاز العلماء أن يخرج من الأوراق النقدية لأنه يقابلها ويعادلها، وأما في غير النقدين فلا تخرج الأموال النقدية، وإنما يخرج من جنس المال المزكى، فإن كان المزكى من بهيمة الأنعام فيخرج من بهيمة الأنعام كما هو موضح في كتب الفقه، وإن كان من الثمار فيخرج كذلك من الثمار كما هو موضح في كتب الفقه. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي في هذا الكتاب في درس قادم، إلى هنا والله تعالى الموفق.