الدرس في التعليق على الجواب الكافي 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تؤدي إلى حرمان الطاعة وتجعل الإنسان عاجزًا عن أدائها. ينبغي للمسلم أن يستقيم على أمر الله ليحافظ على طاعته.
الذنوب والمعاصي تحول بين الإنسان وبين الطاعات، وقيام الليل شرف للمؤمنين وحرمانهم منه قد يكون نتيجة لذنوبهم. السلف الصالح كانوا يحاسبون أنفسهم على تقصيرهم في الطاعات.
حرمان الطاعة عقوبة دنيوية بسبب الذنوب والمعاصي، حيث يفقد الإنسان لذة العبادة والطاعة. السلف كانوا يحرصون على جعل الطاعات وردًا يوميًا لهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال إمام القيم رحمه الله، وهو يعدد آثار الذنوب والمعاصي: قالوا: منها حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد أو أن يصد عن طاعة تكون بدلًا وتقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه بالذنب طريق ثالث، ثم رابع، وهكذا، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحد منها خير له من الدنيا وما عليها. وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضًا طويلًا منعته من عدة أكلات أطيب منها. الله المستعان. وهذا أيضًا من الآثار التي تخلفها المعصية، فإن المعصية تورث المعصية كما أن الطاعة تورث الطاعة، ولا شك. وكما كان السلف يقولون: إن من قبول الطاعة الطاعة بعدها، معنى من علامة قبول الطاعة الطاعة بعدها. فلهذا ينبغي للمسلم أن يستقيم على أمر الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سفيان بن عبد الله: أنه قال: «يا رسول الله، دلني على شيء أتشبث به، فإن شرائع الإسلام قد تفلتت علي». فقال: «قل آمنت بالله ثم استقم، قل آمنت بالله ثم استقم». أو «دلني على شيء يدخلني الجنة». فلهذا ينبغي للمسلم أن إذا آمن بالله أن يستقيم على أمره. لكن إن جاءت هذه الذنوب والمعاصي، فإنها تحرم لذة الطاعة وتحرمه كذلك المحافظة على الطاعة، وتحرمه أيضًا الطاعة نفسها. فلهذا الله عز وجل يقول، كما جاء في حديث: «أعطي ابن آدم حقه، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، ويدك رزقًا، ولا تباعد عني، فأملأ قلبك فقرًا، ويدك شغلًا». هذا أيضًا من عقوبة الطاعة. لا يظن الإنسان أن عقوبة الطاعة، ومراد به عقوبة حسية، لا، قد تكون هناك عقوبات معنوية. فربنا جل وعلا، من فضله ومن كرمه سبحانه وتعالى، أنه يعفو عن السيئات، لكن أيضًا يعاقب، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فلهذا الله عز وجل قد لا يعاقب الرجل، لا يعاقب المؤمن عقابًا حسيًا، وإنما يكون عقابه معنويًا. وهذا منها حرمان الطاعة، أنه يحرم طاعة قد كان مستمرًا فيها. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: «يا عبد الله بن عمر، لا تكون مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه». فلهذا فالمعاصي تذهب وتحرم الطاعة. فأعظم شيء تذهب المعاصي لذة الطاعة ولذة الإيمان. وقد يعاقب الله عز وجل بعض عباده أهل الإيمان بسبب المعصية، يعاقبهم بحرمان طاعة من الطاعات، ولو لفترة معينة. لهذا كان سفيان الثوري، كما جاء في الحلية عنه، أنه كان يقول: «حرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته». حرمت قيام الليل خمسة أشهر. وجاء في الرسالة في قوت القلوب لأبي طالب المكي أنه قيل له: «وما فعلت؟ وما أذنبت؟» قال: «أعنت رجلًا يصلي ويقرأ القرآن، فقلت: هذا مراءٍ». وكذلك أيضًا جاء عن ابن سيرين أنه قال لرجل: «أنه مراءٍ». قال: «فحبست بالدين». أنا حبس ابن سيرين بدين كان عليه. فقال: «والله ما حبست إلا بمعصية الله، أو بذنب أذنبته». أنا حبس عنده دين، فحبسه صاحب الدين. ولأن أولئك كانت قلوبهم حية، فقال: «ما هذا إلا بذنب، ما تعرض لهذا إلا بذنب». وأيضًا كذلك جاء المروذي، أنه قال: «قلت لرجل - أو كان رأيت رجلًا يصلي ويمكي - فقلت: هذا مراءٍ. فحرمت قيام الليل فترة». أو قال: «حرمت خشوعًا في قيام الليل». فلهذا كان بعض السلف يرى الذنب أمامه، كما تقدم معنا في حكاية الفضيل بن عياض عن بعض الصالحين، أنه كان يقول: «إني لأرى ذنبي في خلق امرأتي، وجارتي، أو ودابتي». ذكره هنا ابن القيم: «ودابتي». وذكر في الحلية: «وجارتي». أنا يجد هذا الذنب أمامه حتى في تعسر معاملتي مع امرأتي. ولهذا كان السلف رحمه الله، كان الحسن جاء عنده رجل، وقال له: «يا أبا سعيد، إني لا أستطيع أن أقوم الليل». قال: «قيدتك ذنوبك». وجاء الرجل عنده، وقال: «يا أبا سعيد، إني لأريد أن أقوم الليل وأتهيأ، وعندي وضوئي». أنا يضع وضوءه عنده، حتى إذا قام توضع. قال: «ولا أقوم». فقال: «قيدتك ذنوبك». وجاء في رواية: «قيدتك ذنوبك عن الذنوب التي قيدتك في هذا». ولهذا جاء للفضيل بن عياض، أنه كان يقول: «إذا رأيت من نفسك أنك تركت صيام النهار وقيام الليل، فاعلم أن ذلك من الذنوب». فتجد أن السلف رحمهم الله يعرفون ذلك. وأيضًا كذلك جاء رجل عند إبراهيم بن أدهم، وقال له: «إني لا أستطيع قيام الليل». قال: «قيدتك ذنوبك من قيام الليل». وجاء أيضًا عنه أنه كان يقول: «لما قيل له: لا نستطيع أن نقوم الليل». قال: «كيف تعصونه في النهار، وأردتم أن يقيمكم في الليل؟». فلهذا وهذا أيضًا من فقه السلف رحمهم الله. فقيام الليل شرف المؤمن. أردتم. وما جاء في الحديث عن أبي هريرة وأنس وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنه جاءه جبريل، فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. واعلم أن شرفك قيامك بالليل». وقال: «واعلم أن شرفك قيامك بالليل، وعزك استغناءك عن الناس». فلهذا فقيام الليل شرف يشرف به الله عز وجل عباده. فكيف يقيم العاصي يقيم من يعصيه ويجاهر بعصيانه؟ ولهذا تجد بعض الناس يقوم الليل، لكن لا يقومه لأجل صلاة، إما عند الجهاز، وإما مثل بعض البدع يقوم الليل، وتجد يصيح في الميكروفون ويزعج الناس. وبعضهم أيضًا يقيم لأمور أخرى، يقوم الليل لكن لأمور أخرى. بل بعضهم يذهب عليه الليل كله في غير طاعة لله جل وعلا. بل كما قال الله عز وجل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله. فلهذا هذا الأمر من أعظم الأمور، كما قلنا، حرمان الطاعة. ذكر بعض أهل التاريخ أن بعض الصالحين كانت له جارية، وكانت هذه الجارية برة صالحة تقوم الليل وتصوم النهار. فاحتاج هذا الرجل وباعها، أنه كان ما يريد أن يبيعها، لكن احتاج فباعها لأناس. فلما صارت عند أولئك الناس، فلما انتصف الليل قامت، فأرادت أحدًا يقوم من أهل البيت، لم يقم أحد، فضربت عليهم الباب، وقالت: «ألا تقومون تصلون؟» فقالوا: «لا، فصلت». فلما كانت ثلث الأخير من الليل، فقالت لهم: «قوموا صلوا، فهذا وقت نزول الرب جل وعلا». فقالوا: «نحن لا نصلي». فأيضًا بقي لما بقي شيء يسير من الليل، أقامته، فقالت لهم: «ألا تصلون، ألا تتصلون بالله، تناجون الله عز وجل؟ ألا لكم نصيب من الليل؟» فقالوا: «لا». وناموا. فلما أصبحوا، فقالت لهم هذه الجارية: «كيف لا تصلون الليل؟ وكيف لا تقومون الليل؟ وكيف تريدون أن الله يحبكم؟» أو كما قالت. فقالوا لها: «وأهل أنت يحبك الله؟» قالت: «لو لم يحبني ما أقامني وأنامكم». قالت: «لو لم يحبني ما أقامني وأنامكم». فلهذا فالإنسان أحيانًا يحرم الطاعة بسبب هذه الذنوب والمعاصي، كما ذكر المؤلف رحمه الله. ولهذا قال بعض السلف: «أن من حرمان الطاعة أنك تجد أو لا تجد لذة الطاعة». فالآن قل من يخشع في صلاة، قل من يخشع في قراءة القرآن، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. معنى ذهبت هذه اللذات لكثرة الذنوب والمعاصي. الله المستعان. وأما كان السلف رحمهم الله، تجد دعبهم على الطاعة ولذة الطاعة طاعة. ذكر صاحب القوت أن رجلًا دخل على عروة بن الزبير، فدخل عنده وهو يبكي الصباح، وكان يستد في البكاء. فقال: «ما لك؟» قال: «والله إن بابي لمغلق، وإن ستري لمحجوب، وقد حرمت قيام الليل». أو قالوا: «قد حرمت حزبي أن أقرأه في الليل». قالوا: «ما هذا إلا من ذنب أذنبته». فكانوا يحاسبون أنفسهم بهذا، يعرفون أنهم أخطأوا مع الله جل وعلا بهذا. وهذا من كرم الله لهم، من كرم الله لهم أنهم يعرفون أنهم أخطأوا، فيريهم الله عز وجل خطأهم. ثم قلنا: جاء عن سفيان الثوري، رجل صالح وزاهد وعابد، ورجل من العلم وفقيه، قال: «حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته». عرف أن هذا صار ذنبًا، أنه عير رجلًا بالرياء، فكان يرون ذلك عيانًا. وهذا من كرم الله عز وجل لهم تعجيل العقوبة. من كرم الله لبعض الصالحين أنه يعجل له العقوبة، يعجل له العقوبة. وأما تأخير العقوبة، فهي قد تكون مصيبة على صاحبها، مثل ما جاء عن بعض السلف، أنه قال: «أذنبت ذنبًا، فرأيت مغبة ذلك بعد أربعين سنة، أنسيت القرآن». أنا بعد أربعين سنة أنسي القرآن. فقال: «فتذكرت، فرأيت أني من ذلك الذنب». أنا أخذت من ذلك الذنب. وأيضًا أعظم من ذلك أن يؤخر هذا الذنب إلى يوم القيامة، هذا أعظم. أن يؤخر هذا الذنب عقوبته إلى يوم القيامة. فلهذا فعقوبة الله عز وجل لأهل الطاعة من باب تطهيرهم فقط، تطهيرهم من ذنوبهم. ولهذا كما ذكرنا قبل، أنه جاء عن أبي اليسر، وعن غيره، جاء أيضًا عن أبي هريرة، أن رجلًا لقيه امرأة، فراودها عن نفسها، ثم لم يفعل بها شيئًا، إلا أنه قبلها، ثم خاف، خاف خوفًا شديدًا، وأراد أن يتوب. فذهب وهو ذاهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، صدم بجدار حتى خدش رأسه، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أنت عبد أراد الله بك خيرًا». وجاء كذلك في المسند: «أن الله عجل عقوبة عبد إذا أحب عبدًا، فأذنب، عجل له العقوبة في الدنيا». عجل له العقوبة في الدنيا. فلهذا فحرمان الطاعة من العقوبات، لكن قد تكون عقوبة من باب التلطيف والتكفير، فيحرم الطاعة، لكن أولئك الذين السلف الذين كانوا يتلذذون بهذه الطاعات، كذلك كانوا يحرص الواحد منهم على طاعته حتى يجعلها وردًا وحجًا يأتي به كل يوم. منهم من يكون قراءة القرآن، ومنهم من يكون ختمة ليل لهذا. جاء عن بعض السلف عن الصحابة أنهم كانوا يحزمون القرآن في الليل. وقال أيضًا أبو العالية: «لما قرأت القرآن وحفظت القرآن، قال لنا معلمنا: إن أردتم أن تحفظوا هذا القرآن ويبقى معكم، فقوموا في الليل». قال: «فسألت أصحاب رسول الله - أو قال: فقمت - وكان عبدًا». قال أبو العالية: «فقمت في الليل». قال: «فكنا نقوم الليل كله، ونصبح لا نستطيع أن نعمل لسادتنا». أنا ما يستطيعون يشتغلون لأنهم طول الليل وهم قيام. قال: «فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك». فقالوا: «لنا اقرأوه في أسبوع». أنا الظاهر كان معه جماعة من العبيد. فقالوا: «اقرأوا القرآن في أسبوع»، أي في الليل، جعلوا أسبوعًا سبعة أيام. وهذا كان دأب الصحابة يحزمون القرآن سبعة أحزاب على الترتيب. أنا أولًا يأخذون الثلاث السور الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، ثم يأخذون خمسًا، ثم يأخذون سبعة، الثالث، ثم بعد ذلك يأخذون تسع تسع سور، ثم بعد ذلك 11 سورة، ثم 13 سورة، والسابع المفصل. هذه إذا عددتها هكذا ستأتي إلى سورة قاف، على يأخذون السبع الأخير من سورة قاف. هذه سبعة أحزاب كان يحزبها الصحابة رضي الله عنهم، واشتهر ذلك عنهم. وإن كان في الإسناد فيه شيء، لكن اشتهر ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى السلف. ومنهم من يقوم ثلاثة ليالي، ومنهم من يقوم ليلة واحدة من القرآن. وما ثبت ذلك عن عثمان، وعن تميم الداري، وعن جماعة من الصحابة، وكذلك جماعة من التابعين. لكن الآن الله عيدو لهم القرآن، ويقرأونه بدون تكلف. فلهذا فيمرون عليه مرورًا سريعًا. فهذا كما قلنا شيء مما يذكر في هذه أو في هذا الأثر، وفي هذه العقوبة، وهي حرمان الطاعة، وهي كما قلنا تدخل في كل شيء في الطاعات جميعًا. وقد يحرم الإنسان لذة الطاعة، لا يحرم الطاعة نفسها. يعني يقرأ القرآن ولا يخشع، يقوم الليل ولا يجد لذة قيام الليل ولذة مناجاة الله، يقوم لكنه لا يستفيد شيء من هذا القيام من ناحية لذة هذا القيام الذي كان يجده السلف رحمة الله عليهم. وهذا إنما بتكبيل هذه المعاصي. وأيضًا هذا يدل على قرب العبد من ربه وبعده. لهذا كما قلنا ذكر الله عز وجل في ذلك الحديث: حديث معقل: «ولا تباعد عني، فأملأ قلبك فقرًا، ويدك شغلًا». يشغلك الله عز وجل من حيث لا تشعر، تنقطع عن الطاعات وتنقطع عن العبادات. كم من إنسان تقول له مثلًا: «اجلس حلقة قرآن». يقول: «أنا مشغول». افعل كذا من الطاعات، معناها تحب له الخير، فيقول: «أنا مشغول دائمًا مشغول». وإذا فتشت في أمره ما تجده مشغولًا، لكن أشغله الله عز وجل بسبب بعده عن الله، بسبب بعده عن الله. ولهذا تجد من ابتعد عن حلقات العلم وعن الدروس، يجد أشياء من هذا أمام عينيه. وتجد أيضًا بعض الناس بسبب هذا حتى إذا قرأ القرآن ما يجد لذة قراءة القرآن. وقد كان يحفظ القرآن ويكرر ويجد لذة في ذلك، لكن لما الحرف عن هذا الطريق وابتعد، تجد أنه يقرأ وكأنه يقرأ صحيفة، يقرأ قرآن وكأنه يقرأ صحيفة، ويقرأ كتاب ليس هو كتاب الله جل وعلا. فهذا كله من الحرمان. والحياة بالله. نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. والحمد لله رب العالمين.