التعليق على الجواب الكافي 42

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات الذنوب وتأثيرها على العمر

المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته، واختلف العلماء في تفسير نقصان العمر بسبب المعاصي. الطاعة تزيد في العمر وتأتي بالبركة.

تأثير الطاعة والمعاصي على حياة القلب والعمر

الطاعة تزيد العمر بالبركة، بينما يرى آخرون أن العمر الحقيقي هو حياة القلب. المعاصي تمحق حياة القلب وتسبب ضياع الوقت.

بركة الطاعة في العمر والرزق والوقت

الطاعة تملأ يد العبد رزقا وبركة، وتظهر بركتها في العمر والوقت والقلب والرزق. قراءة القرآن تزيد البركة في الوقت.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال العلّامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند ذكره عقوبات الذنوب والمعاصي: قالوا: منها أي من هذه العقوبات أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته، لا بد. فإن البر كما يزيد في العمر، فالفجور يقصر العمر. هذا أيضا من العقوبات: النقص في العمر، ومحق البركة فيه. قد اختلف الناس في هذا الموضع. فقال طائفة: النقصان في عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه، وهذا حق، وهو بعض تأثير المعاصي. وأما محق البركة، فهذا لا شك فيه. ولا شك أن الطاعة تبارك في العمر؛ البركة تكون في عمر الإنسان، في وقته، بل إنه حتى زيادة في عمره. كما جاء في الصحيحين في حديث أنس، ورواه البخاري أيضا من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه». وجاء أيضا في حديث أبي هريرة الذي رواه عنه يزيد بن الأصم، وخرجه الإمام الترمذي، وحديثه لا بأس به في الشواهد، له شواهد تدل على صحته، وصححه الشيخ الألباني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا أنسابكم لتصلوا أرحامكم، فإن صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الأعمار». فهذه الأحاديث تدل على زيادة العمر بالطاعة. لكن سيذكر المؤلف هنا خلاف العلماء في زيادة العمر. ما المقصود بزيادة العمر لأجل الطاعة ونقصانه؟ هذا نقصان مفهوم في المعاصي. فهل رأيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟ أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم. فاللعنة هي الطرد، وهي إزالة البركة من الإنسان: من عمره، ومن عمله، ومن رزقه. فتزول البركة في هذه الأشياء كلها، وهذا مقتضى اللعن. فقال: فذكر هنا اختلاف الناس في هذا الموضع. معنى ما المراد بنقصان العمر؟ فقال طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه، ومحقها عليه، وهذا حق، وهو بعض تأثير المعاصي. هذا موجود في المعاصي أنها تمحق البركة، كما أن الطاعة تأتي بالبركة في العمر، وفي الوقت، وفي الرزق. ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. وكما جاء في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة قال: «حسنة الكافر: طعمة يطعمه الله عز وجل له في الدنيا. وحسنة المؤمن: ذخيرة له في الدار الآخرة، ورزق في الدنيا». فيبارك الله عز وجل له في هذه الحسنة، فيعطيه أجره في الآخرة، ويبارك له أيضا في الدنيا في رزقه وفي عمره. وقال طائفة: بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق. فجعل الله سبحانه البركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده. وللبركة في العمر أسباب تكثره وتزيده. هؤلاء قالوا: بأن الزيادة في العمر حقيقية، يعني يزاد في عمره وينسأ له في أثره. لكن هل هذه الزيادة قد كتبت له؟ نعم، كتبت له. لكن ما كان عند الله جل وعلا فلا يتغير. وإنما يكون هذا التغير إما بالنسبة لما في أيدي الملائكة، أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أنه يقال مثلا: يكتب الله عز وجل أنه إذا زار رحمه زاد عمره كذا وكذا، وإن لم يصل رحمه لم يزد عمره. ومعلوم أن صلة الرحم من الأسباب التي تزيد في العمر. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث عائشة: أن الله عز وجل لما قضى بين العباد، قامت الرحم وتعلقت بالرحمن، وقالت: هذا مقام العائد بك. فقال الله عز وجل: «ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟». فهذه الصلة في كل شيء، وقطع في كل شيء، فيدخل فيه العمر. قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب. فالأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء رب عز وجل، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها. فهي هناك أسباب تزيد في الآجال، وتزيد في الأرزاق، وتزيد في السعادة، وتزيد كذلك في ضدها: الشقاوة، في الصحة، في المرض. كل ذلك أسباب. وما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. فلهذا قد يكون حتى البركة في العمر يتحصل عليها الإنسان بالطاعة. ولهذا جاء في حديث الأولياء، حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». فهذا الحديث دليل على بركة العمر في الطاعة. يبارك الله عز وجل في هذه الأشياء حتى في الصحة، في الغنى، في غيرها من الأشياء. وقال طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب. ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي. كما قال الله عز وجل: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾. فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته. فليس عمره إلا أوقات حياته بالله. فتلك ساعات عمره. فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره. ولا عمر له سواها. فهؤلاء رأوا أن تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو في محق حياة القلب. فيموت قلبه، وعمر الإنسان مدة حياته. فليس عمره إلا أوقات حياته بالله. فجعلوا هذا المنقص في العمر منقصا في حياة القلب. قال: فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: «يا ليتني قدمت لحياتي». لهذا في حديث معقل بن يسار: «يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ويدك رزقا، وأملأ قلبك فقرا ويدك شغلا». فالله يشغل الإنسان من حيث لا يشعر. فلهذا يضيع عليه الوقت. وما يبارك الله عز وجل له في وقته. يذهب عليه وقته في أشياء لا تنفعه، وقد تضره في المعاصي وغيرها. لكن أهل الطاعة يملأ الله عز وجل يده رزقا. والرزق عام، ليس رزق خاص. والرزق يعطيه الله عز وجل من كل شيء: من علم، يبارك الله عز وجل له في العلم، يبارك الله عز وجل له في وقته، في طاعته. يبارك الله عز وجل أيضا فيما أعطاه من الحلال. في كل ذلك يبارك الله سبحانه وتعالى عليه. وليس المراد: تفرغ لعبادتي، أي أن الإنسان يجلس ويعبد الله فقط. ليس المراد هذا. وإنما المراد أن يبتعد عن المعصية ويعمل بالطاعة. فهذا يجازيه الله عز وجل بهذا الجزاء العظيم. فيبارك الله عز وجل له في عمره، وكذلك في وقته، وكذلك في قلبه بالغنى. قال: فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: «يا ليتني قدمت لحياتي». فلا يخلو إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالح الدنيوية والأخروية أو لا. فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله، وذهبت حياته باطلا. لا يستفيد من عمره لا في الدنيا ولا في الآخرة. ذهب عمره في الدنيا بالله، والدنيا انشغاله بالدنيا. قال: وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب الخير بسبب اشتغاله بأضدادها. ولهذا يقول: كما في الحديث: «وأملأ يدك شغلا». قال: وذلك نقصان حقيقي في عمره. ثم قال رحمه الله: والسر في المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته. ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته. فليس المراد أن الإنسان مثلا له عمل أو له كذا يقول: أنا مشغول بالدنيا لا. فممكن هناك طاعات يذكر الله عز وجل، ينصح، وغيرها من هذه الطاعات. فهذا أيضا من التفرغ لعبادة الله، وكذلك لحياة قلبه. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قال الشيخ الإسلام: أجمع العلماء في هذه الآية على أن الحياة هنا حياة القلب، وظلمته والظلمة أو موته ظلمته. فلهذا يحيا القلب بالطاعات ويموت بالمعاصي. وإذا مات ماتت البركة في عمرك، وفي رزقك، وفي أشيائك كلها. فخلاصة الأمر كما قال الإمام ابن القيم: سواء كان المراد بالزيادة في العمر الزيادة الحقيقية أو الزيادة المعنوية وهي البركة، فكل ذلك يحتاجه الإنسان. ولهذا كان بعض السلف يجد بركة في الوقت. يجد بركة في الوقت طاعات كثيرة. يقول حماد بن سلمة: كنا نأتي إلى سليمان التيمي فنجده في طاعة. فكلما جئنا في وقت من الأوقات نجد يطيع الله عز وجل، إما في صلاة، وإما في علم، وإما في ذكر لله، وغيرها من هذه الطاعات. فكان عنده بركة في العمل. وهكذا حماد بن سلمة نفسه كان يقال: لو قيل له إنك ستموت غدا ما يستطيع أن يزيد في عمله من كثرة أعمالهم وبركة وقتهم. فلهذا يبارك الله عز وجل في الوقت بطاعة الله جل وعلا. ولعل أكثركم يعرف قصة الضياء التي ذكرها عن خاله أبي عمر الزاهد: أنه كان يوصيه بقراءة القرآن، وأنه كلما قرأ القرآن وحفظه كلما زاد الله عز وجل وبارك الله عز وجل في وقته. قال: فكنت أقرأ كلما قرأت أكثر زاد الله عز وجل وبارك في وقتي.