الخطبة بعنوان رمضان شهر العفو والغفران، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 رمضان 1442هـ الموافق 7 مايو 2021م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تناولت الخطبة فضل ليالي العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر، وحثت على الإكثار من العبادة والدعاء فيها، و شرحت معنى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، مبينة أن العفو من أسماء الله الدالة على محو السيئات، وأن العفو عن الناس اقتداءً باسم الله العفو سبيل لنيل الأجر العظيم.
بينت الخطبة عظيم أجر العفو مستشهدة بقوله تعالى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، والأحاديث النبوية الرابطة بين عفو العبد ومغفرة الله له، وضربت المثل بأبي بكر الصديق رضي الله عنه حين عفا عن مسطح بن أثاثة امتثالاً لأمر الله، داعية إلى اغتنام فرص التسامح في رمضان.
استعرض المقطع دعاءين عظيمين كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منهما: دعاء تثبيت القلب على الدين، ودعاء «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، موضحاً معانيهما الواسعة وشمولهما لخيري الدارين، وحاثاً على الإكثار منهما للثبات على الطاعة والنجاة من النار.
اختتم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ثم أذن للصلاة بالتكبير والشهادتين والدعوة إلى الفلاح، وأقام الصلاة بقول «قد قامت الصلاة» مرتين إيذاناً بأداء الفريضة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، لتزالون تعيشون أفضل وأعظم هذه الليالي، ليالي العشر الأواخر من رمضان. فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «إن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أروا ليلة القدر في المنام في العشر الأواخر، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت -أي اتفقت- في السبع الأواخر من رمضان، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر من رمضان». وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين». ألا فأكثروا يا عباد الله من العبادة والطاعة، ومن البر والإحسان، ومن الذكر والدعاء. ألا وإن أعظم ما تقرب به المتقربون في مثل هذه الأيام الفاضلة والليالي الشريفة هو الإكثار من الدعاء. ولذلك جاء عند الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «يا رسول الله، يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، فما أقول فيها؟» فإلى ماذا أرشدها نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أرشدها إلى دعوات مباركة جامعة، فقال لها: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». هذا الدعاء المبارك على قلة كلماته، وعلى اختصار عباراته، إلا أنه حمل في طياته المعاني الغزيرة والدعوات الجامعة العظيمة. العفو يا عباد الله مأخوذ من المحو والطمس، فيقال: محت الرياح الآثار، أو عفت الرياح الآثار إذا أخفتها ومسحتها. فالعفو اسم من أسماء الله الحسنى، وهو على وزن فعول من صيغ المبالغة، فهو كثير العفو سبحانه وتعالى، واسع المغفرة، كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فالعفو هو محو السيئات وترك العقاب عليها. وهو اسم من أسماء الله الحسنى، وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. ولذلك قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الدعاء بذكر اسمين من أسمائه: وهو الله والعفو. ففيه معنى التوسل بأسماء الله الحسنى بما يناسب الدعاء، بما يناسب الدعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو». فالله عز وجل يحب أسماءه وصفاته، ويحب من عباده أن يتعبدوه بها وأن يعملوا بمقتضاها. فلذلك فإن الله سبحانه وتعالى يحب العافين عن الناس، وهذا من العمل بمقتضى هذا الاسم الكريم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فمن أعظم الإحسان يا عباد الله أن تعفو عمن أساء إليك. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فهذه الآية ذكر فيها ربنا سبحانه وتعالى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى مرتبة العدل، والمرتبة الثانية مرتبة العفو أو الفضل، والمرتبة الثالثة مرتبة الظلم. فأجاز ربنا عز وجل للمظلم أن يأخذ بقدر مظلمته، ومع هذا فقد رغب ربنا سبحانه وتعالى وحث على المرتبة الثانية، فهي أعظم، وهي سبيل وطريق لنيل الأجر من الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وهي مرتبة الفضل. وحرم ربنا عز وجل مرتبة الظلم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، وهو الذي يأخذ أكثر من مظلمته. فدلت هذه الآية يا عباد الله على عظيم أجر العفو: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن العبد إذا عفى عمن أساء إليه فإن الله سبحانه وتعالى يعامله بمثل هذا الخلق. فمن أسباب عفو الله عن عباده عفوهم عن خلق الله سبحانه وتعالى. يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير هذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: «قال: وجعل أجر العافي على الله، ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله فليسامحهم، والجزاء من جنس العمل». والجزاء من جنس العمل. فمن أسباب عفو الله عن العبد أن يعفو عن خلق الله سبحانه وتعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الإمام أحمد، ويحسنه العلامة الألباني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم». واغفروا أي اعفوا عن عباد الله سبحانه وتعالى. فالجزاء يا عباد الله من جنس العمل. فالعفو عن الخلق خلق كريم كان عليه نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام. جاء عند الترمذي، وأصله في الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، وإنما يعفو ويصفح». هذا هو خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فأين المشمرون المقتدون به صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ لا يغلبنك الغضب والانتصار للنفس على الانتقام والإصرار على عدم العفو. لا تظن يا عبد الله أن عفوك عن أخيك فيه منقصة لك أو فيه مذلة، بل فيه رفعة لك يا عبد الله. أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». فإذا يسر الله لك بالمصلحين كي تعفو وتصفح، فاعلم أن الله عز وجل قد ساق لك بابًا عظيمًا من أبواب الأجر ومضاعفة الحسنات، فأجره على الله. فاحذر أن يغلبك الهوى والغضب والانتصار للنفس. أيها المسلمون، عباد الله، ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ فإن كنت تحب ذلك فمن كان بينك وبينه عداوة وخصومة فاعف عنه واصفح يغفر الله لك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ألا تحب يا عبد الله أن يغفر الله لك؟ هذه الآية لها سبب نزول. انظروا إلى أصحاب القلوب الطاهرة المستجيبة لأمر الله عز وجل. نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين تكلم أهل الإفك في عرض ابنته، وممن تكلم في هذه الحادثة مسطح بن أثاثة، وكان بينه وبين أبي بكر قرابة، وكان أبو بكر ينفق عليه لقرابته، فلما خاض مع من خاض امتنع أبو بكر من النفقة عليه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فما كان من أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا الاستجابة، فأرجع هذه النفقة إليه، فقال: «بلى، نحب أن يغفر الله لنا». انظروا إلى عمل هذا الصحابي الجليل، ألا فاقتدوا بنبيكم وسلفكم الصالح. وهذا الشهر فرصة عظيمة للتسامح وللعفو، وللتزاور والأخوة والمحبة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، فبعد أن بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء ما ينبغي أن يسلكه الداعي من الثناء على الله، ومن تقديم الدعاء بأسماء الله، ومن تقديم الدعاء بأسماء الله، وبفضل العفو، وأن الله يحب العفو ويحب من عباده ذلك، أمرها أن تطلب العفو من الله: «فاعف عني»، أي تجاوز عن سيئاتي ولا تأخذني بها ولا تعاقبني عليها. فهذا دعاء عظيم أيها المسلمون، عباد الله. ولذلك خص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم عائشة رضي الله تعالى عنها بهذا الدعاء، وهو دعاء يدعو به كل مسلم، فيرجى أن يعفو الله عنه في مثل هذه الليالي الفاضلة. وهكذا عباد الله، هناك أدعية عظيمة كان يكثر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها. فمن تلك الأدعية ما جاء عند الترمذي من حديث جمع من الصحابة، منهم عائشة وأم سلمة وأنس بن مالك وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يكثر من أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». يكثر من هذا الدعاء: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فمن أفعال الله عز وجل تقليب هذه القلوب وتحويلها، إما من الخير إلى الشر، وإما من الشر إلى الخير. وهذا الحديث أقض مضاجع الصالحين: كيف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد من الله يدعو بتثبيت قلبه على دين الله عز وجل؟ فتثبيت القلوب على الدين والحق هي دعوة الأنبياء. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. فالثبات من الله، وهي دعوة الراسخين في العلم، فهم القائلون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. فادعوا الله عز وجل أن يثبت قلبك على الدين وعلى الحق المبين. ففي هذا الشهر الكريم وفق الله كثيرًا منا إلى الأعمال الصالحة، إلى المحافظة على الصلوات في جماعة، إلى المداومة على القرآن، إلى البر والإحسان، إلى القيام والصيام. فادعوا الله أيها المسلمون أن يثبتكم على هذا الخير، وأن لا يخرج رمضان ثم نرجع القهقرى ونترك ما كنا عليه من خير وبر وإحسان. فادعوا الله عز وجل أن يثبت قلبك، وأن تستمر على هذا الخير الذي وفقك إليه، ولو بالشيء اليسير من المستحبات. أما الواجبات فأنت مأمور بها في رمضان وفي غير رمضان، كالمحافظة على الصلاة في جماعة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ونحو ذلك مما أمر الله به. فادعوا الله يا عباد الله أن يثبت قلوبكم على هذا الخير، وأن لا يحول ما أنتم فيه من الخير إلى غيره: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وهكذا يا عباد الله، من تلك الأدعية الجامعة التي جمعت خير الدنيا والآخرة، والتي كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر منها، قوله كما في حديث أنس في الصحيحين: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر من قول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». هذا دعاء عظيم، لو تدبرت فيه أخي المسلم، ولو دققت في ألفاظه ومعانيه، لوجدت أنه قد حوى خيري الدنيا والآخرة. فقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، فيه توسل باسم الله الرب. وأما حسنة الدنيا فقد قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: «تشمل أي حسنة الدنيا، تشمل خير الدنيا كله»، تشمل خير الدنيا كله من عافية، ومن بيت واسع، ومن زوجة حسنة، ورزق واسع، ومركب هني، وعلم نافع، وعمل صالح، وثناء جميل بين الناس. كل ذلك يشمل حسنة الدنيا. فهل استشعرنا ذلك عند الدعاء بهذا الدعاء العظيم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؟ فأنت تدعو الله العافية، وتدعو الله الرزق الحلال الطيب، وتدعو الله الزوجة الصالحة الحسنة، وتدعو الله أن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، والمركب الهني، وكل خير في هذه الدنيا. فلا تشمل هذه الدعوة على الأمور الدنيوية من مال ورزق ونحو ذلك فحسب، بل على أمور الآخرة من علم نافع وعمل صالح. وأما قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، فأعلى درجات حسنة الآخرة هو الجنة، ويسبقها أشياء تقع قبل دخول الجنة من العرصات ومن شدة الحساب ونحو ذلك. فأنت تدعو الله أن يسلمك من تلك العرصات ومن تلك الكربات حتى يدخلك الجنة، ويقيك من النار. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فهو دعاء عظيم، أكثر منه يا عباد الله. والدعوات الجامعة كثيرة جدًا، والوقت لا يتسع لذكر أكثر من ذلك، وإنما المراد التذكير وذكر أهم هذه الأدعية. وفي هذا يا عباد الله أن المسلم في دعائه يحرص على أن يدعو بالدعوات النبوية، فإنها جامعة، فقد أوتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جوامع الكلم. فنسأل الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن يغفر لنا، إنه هو الغفور الرحيم. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.