الخطبة بعنوان وجوب الرجوع إلى العلماء في النوازل والمدلهمات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 رجب 1442هـ الموافق 12 مارس 2021م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الخطيب على وجوب الرجوع إلى العلماء الربانيين في النوازل والفتن مستدلاً بآيات القرآن والأحاديث النبوية. يحذر من اتباع الهوى والجهل عند غياب العلماء فهم أمنة للأمة كما النجوم للسماء.
يبيّن المقطع أن العلماء ورثة الأنبياء وحماة الأمة من الضلال وأن موتهم يفتح باب الفتن. يستشهد بتحذيرات العلماء المبكرة من فتن الحزبية والربيع العربي داعياً للرجوع إليهم.
يشرح المقطع كيف يوازن العلماء بين المصالح والمفاسد مقدّمين درء المفسدة الكبرى على جلب المصلحة. يستدل بآية النهي عن سب آلهة المشركين وبترك النبي قتل المنافقين وهدم الكعبة مراعاة لمصلحة ثبات الناس.
يختتم المتحدث بالدعاء طالباً من الله المغفرة والرحمة والتوبة وصلاح أحوال المسلمين. كما يدعو بفرج كرب المكروبين ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن المصائب والفتن والنوازل المدلهمات تعصف بالمسلمين، فالواجب على كل مسلم أن يتخذ موقفًا شرعيًا إزاء ما ذُكر، بعيدًا عن العواطف والحماسات، وعن الجهل والجهالات، وما يتأتَّى ذلك إلا بالرجوع إلى من أمرنا الله عز وجل بالرجوع إليهم في النوازل المدلهمات، وهم العلماء، وهم العلماء الربانيون الذين يعقلون عن الله، لما حباهم الله عز وجل من العلم والاستنباط، ومن كذلك الغوص في معاني نصوص السنة والقرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وأولو الأمر في هذه الآية قولاً واحدًا هم العلماء، فالعلماء هم الذين يعقلون نصوص الكتاب والسنة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، فالعلماء هم الذين صمام أمان لهذه الأمة من الفتن ومن الضلال والإضلال. جاء في صحيح مسلم عن أبي بُرَيْدَة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على أصحابه وهو ينظر إلى السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعد». وصدق عليه الصلاة والسلام، فكما أن هذه النجوم إذا ذهبت وانكدرت ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾، قامت القيامة، وكما أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا مات ظهرت الفتن، فقتل الفاروق، ثم قتل عثمان رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، ثم قتل علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وظهرت الخوارج، وبدأت الفتن تظهر وتنتشر، وهكذا لما مات الصحابة تتابعت الفتن، فظهرت فرق الضلال كالجهمية والقدرية والرافضة والصوفية وغيرهم من الفرق، فلما ذهب الصحابة وهم أصل العلماء ظهرت الفتن، وهكذا إذا ذهب العلماء بعد الصحابة أتى الناس ما يوعدون من الضلال والإضلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من قلوب الناس، ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، أي بموت العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». فوجود العلماء والرجوع إليهم والأخذ بتوجيهاتهم ونصائحهم أمان من الفتن ومن البدع ومن الضلال، ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبي، ألا فلا نبي بعدي»، فإذا من يسوس الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام؟ إنهم العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «العلماء ورثة الأنبياء»، فمقام العلماء كما جاء: ورثة الأنبياء الذين هم بين الله وبين خلقه، ورثة الأنبياء عليه الصلاة والسلام. ولذلك جاء عن سفيان بن عيينة رضي الله رحمه الله تعالى أنه قال: «أعظم الناس منزلة من كان بين الله وبين خلقه، الأنبياء والعلماء»، فهم الذين يبينون للناس شرع الله، وهم الذين يعرفون الفتن قبل ظهورها وفي أول مهدها. يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل»، وصدق رحمه الله تعالى. لربما بيّن العلماء خطورة فتنة بدأت في أول مهدها، فينكر الجهال على هؤلاء العلماء، ويتعجبون مما يفتي به هؤلاء العلماء، ثم يتبين صحة ما قال العلماء، وما بيّنوه وحذروا منه. ألم يحذر العلماء منذ زمن قديم من فتن الحزبية البغيضة، ومن فتنة تعدد الجماعات، ومن فتنة الانتخابات والمظاهرات والشغب والانفجارات، وأخيرًا حذروا مما يُسمَّى بالربيع العربي وسموه بالربيع الغربي؟ فتعجب كثير من الناس، فما هي إلا أيام وشهور، وإذا بما قاله العلماء يظهر للناس واضحًا جليًّا. فماذا استفادت بلاد المسلمين من هذه الفتن؟ هل صلح حالها؟ هل تغيّر وضعها إلى الأحسن؟ وهل وهل؟ الأمر على خلاف ذلك. ألا فهل من معتبر؟ ألا فهل من متعظ؟ ألا فارجعوا إلى علمائكم أيها المسلمون، واحذروا من المواقف الارتجالية، وإن كان هناك ظلم وهو حاصل فيعالج بالطرق الشرعية وبالمطالبات التي هي بعيدة عن الشغب والفوضى وعن كثرة الفتن. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، إن نظرة العلماء نظرة ثاقبة، نظرة ينظرون إلى الفتنة التي عرضت من جميع جوانبها، فيقدرون المصالح من المفاسد، لأن هذه الشريعة أتت بتحقيق المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت المصلحة مع المفسدة قدم العلماء درء المفاسد على جلب المصالح، هذه قواعد شرعية وفقهية يستنبط منها العلماء وينزلون منها العلماء الحكم على الفتن، وإذا تعارضت مفسدتان درؤوا المفسدة الكبرى بالصغرى، وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، نهى الله عز وجل المؤمنين أن يسبوا آلهة المشركين، وهذا أمر رغب فيه الشرع: إبطال آلهة المشركين وتسفيهها، وهكذا التحذير منها، لكن إذا كان هذا السب سيؤدي إلى مفسدة أعظم وهو سب الله وسب دينه، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن تلك المصلحة درءًا لتلك المفسدة. وهكذا في السنة، كم هي الأمثلة التي تقرر مثل هذه القواعد التي يستنبط منها العلماء وينزلون منها العلماء الحكم على الوقائع والنوازل. فتعرفون يا عباد الله عداوة المنافقين للنبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين في المدينة، وهم العدو من الداخل، فهم الذين يلمزون المؤمنين ويسخرون منهم، وهم الذين قالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وهم الذين تولوا أمر الإفك، وهم... فقال الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام: ألا تقتل هؤلاء؟ وعلى رأسهم رأس النفاق عبد الله بن أبي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، لا يتحدث الناس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه»، لأن الذي دخل في الإسلام لربما ينفر من الإسلام بسبب هذا الأمر، والذي يريد أن يدخل إلى الإسلام لربما نفر من الإسلام بسبب هذا الأمر، فترك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قتل المنافقين مع إظهار عداوتهم وشرهم لهذه المصلحة العظمى، هذا هو الفقه يا عباد الله. وكذلك ينظر العلماء، ليس المسألة مسألة حماس ومسألة كذلك مطالبة ونحو ذلك، لا بد من النظر في العواقب، ولا بد من النظر في المصالح والمفاسد. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها كما في الصحيحين: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية أو بكفر لهدمت البيت وجعلته على قواعد إبراهيم، ولأنفقت كنزه في سبيل الله، ولجعلت بابه بالأرض»، فلم يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام لمصلحة عظيمة وهي أن يثبت هؤلاء على الإسلام، فلربما لو فعل ذلك لوقع ذلك في قلوبهم، أو لأوقع ذلك في قلوبهم شيئًا من الشك أو من كراهية الإسلام، فترك ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فالعلماء لهم نظرة بعيدة، وهم الذين يستنبطون من القرآن والسنة، ألا فأعطِ القوس باريها، وكن تبعًا للعلماء، وخذ مواقفك من مواقف العلماء تسلم بإذن الله عز وجل من الفتن ما ظهر منها وما بطن. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم فرج كربات المكروبين يا ذا الجلال والإكرام، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.