الخطبة بعنوان الرفق بالنساء ومفهوم العنف، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19ربيع الآخر 1442هـ الموافق 4 ديسمبر 2020م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الخطيب الخطبة بالثناء على الله والتحذير من البدع، ثم يبين أن أعداء الإسلام يروجون شبهة عنف الإسلام ضد المرأة. يعد الخطيب بتفكيك هذه الشبه والرد عليها بالتفصيل في سياق الخطبة.
يحذر الخطيب المسلمين من الانجرار خلف تعريفات المنظمات الدولية للعنف ضد المرأة التي تشمل منع الاختلاط والحجاب. يعتبر هذا التعريف تدخلا سافرا في شؤون البيوت ومخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية.
يتناول الخطيب شبهتين رئيسيتين تثيرهما الجهات المعادية: قوامة الرجل على المرأة وإباحة ضرب الزوجات. يستعرض استدلال المعترضين بآية القوامة في سورة النساء، ويشرع في توضيح أن القوامة لا تمس كيان المرأة ولا حريتها.
يوضح الخطيب أن القوامة الواردة في الآية تعني قيام الرجال بالنفقة على النساء وحفظهن ورعايتهن لا الاستبداد بهن. ينقل تفسير ابن كثير بأن الرجل رئيس المرأة وحاكم عليها بالمعروف والإحسان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن أعداء الإسلام من أعظم محاربتهم للإسلام والمسلمين بث الشبه، وهكذا دعوتهم إلى هذه الشبه في أوساط المسلمين. ومن تلكم الشبه، عباد الله، خصوصًا في هذه الأيام ما يُدَنْدِنُونَ حَوْلَه من أن الإسلام جاء بالعنف ضد المرأة، وسنُبَيِّنُ ما هي هذه الشبه التي يتَّكِئُونَ عليها. ولكن أولًا لنعلم، أيها المسلمون، أن هؤلاء الكفار لهم منظمات وجمعيات تدعو إلى هذه الأفكار في مجتمعات المسلمين، فَجَعَلُوا يَوْمًا عَالَمِيًّا سَمَّوْهُ الْيَوْمَ الْعَالَمِيَّ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْعُنْفِ ضِدَّ النِّسَاءِ، وهو اليوم الخامس والعشرون من شهر نوفمبر من كل عام، وإنما يُسَمَّى هَذَا الْيَوْمُ بِالْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ، جَعَلَتْ تَعْرِيفًا لِهَذَا الْعُنْفِ في نظرهم، وجعلت له دُعَاةً وجمعيات ومؤسسات ومنظَّمات تتبنَّى هذه الفكرة المُخالِفة للإسلام، لأنهم فهموا العنف فهماً سيئاً خبيثاً كما ستعلم أخي المسلم من خلال خُطبتنا هذه. فمما عرَّفوا به العنف، ومما جاء في تعريفهم للعنف، أنه أيُّ فعلٍ عنيف تدفعُ إليه عصبيةُ الجنس، أي بمعنى العنف الذي يرى فيه الرجل أنه أفضل من المرأة، هذه هي عصبيةُ الجنس. وقالوا في تعريفهم أيضاً لِعُنْفِ ضدَّ المرأة: أنه القسر والحرمان التعسُّفي من الحُرِّيَّة، سواءً حَدَثَ ذَلِكَ في المُجْتَمَعِ العام أو المُجْتَمَعِ الخاص. ماذا يريدون بالمُجْتَمَعِ الخاص؟ يريدون به البيوت، ما يكون بين الزوج وزوجته، أو بين الأب وابنه أو ابنته. فمفهومهم للعنف أن تترك المرأة ولا تُقَيَّدُ بقيود، ولا تُفَضَّلُ الرَّجُلَ عليها، اترك لها حُرِّيَّتَها. فعندهم من العنف أن يمنع المسلم زوجته أو ابنته من أن تُخالِطَ الرِّجال، وعندهم من العنف أن يمنع الرجل زوجته أو ابنته من أن تَخرُجَ متبرِّجة، وأن تختار لنفسها ذلك. إنها دعوة إلى كل رذيلة، إنها دعوة إلى أن تتحرَّر المرأة من حجابها ومن عِفَّتها ومن كرامتها ومن شرفها. هذا هو مفهوم العنف عند أعداء الإسلام. ولكن ما هي شُبهتهم في ذلك، وكيف طعنوا في الإسلام وأنه عنَّفَ المرأة وكبتَ وحبسَ حُرِّيَّتَها، فَجَعَلَهَا مُقَيَّدَةً وَمُكَفَّنَةً وَمُحَنَّطَةً، عَلَى زَعْمِ قَوْلِهِمْ؟ ما هي شُبهتهم في ذلك؟ قالوا: إن الإسلام جَعَلَ حُكْمَ الْمَرْأَةَ وَأَمْرَ الْمَرْأَةَ بِيَدِ الرَّجُلِ، فَجَعَلَهُ قَوَّامًا عَلَيْهَا، هذه واحدة. ثم قالوا: إن الإسلام أمر الأزواج أن يضربوا نساءهم، وهذا من العنف، وهذه ثانية. ومتكأهم في ذلك قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. ما تفسير هذه الآية وما معنى ما جاء فيها، عباد الله؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. إن نطاق قوامة الرجل، أو إن النطاق الذي تشمله قوامة الرجل، لا يمسُّ كيانَ المرأة ولا شَرَفَهَا ولا حُرِّيَّتَهَا. انْظُرْ إِلَى هَذَا اللَّفْظِ الدَّقِيقِ: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، إِذْ أَنَّ الْقَوَامَةَ مَعْنَاهَا أَنْ يَقُومَ الرِّجَالُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى النِّسَاءِ وَبِحِفْظِهِنَّ وَرِعَايَتِهِنَّ، إِذْ شَأْنُ الْقَوَّامِينَ هُوَ أَنْ يَكُونُوا نَاصِحِينَ مُصْلِحِينَ لَا مُسْتَبِدِّينَ وَلَا مُفْسِدِينَ. ولذلك يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسيره لهذه الآية: «فالرجل رئيس المرأة وكبيرها والحاكم