الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تثبت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين أن أبا طالب مات على الكفر ولم يسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له فخفف الله عنه العذاب فجعله في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه. ردّ الشيخ على من زعم إسلامه أو ألف في ذلك كالسيوطي معتبراً ذلك رداً للأحاديث المتكاثرة.
يعرض المقطع أحاديث تصف أخف أهل النار عذاباً وهو أبو طالب الذي يلبس نعلين من النار يغلي منهما دماغه، ويروي موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة عمه حيث أمر علياً بدفنه والدعاء له. يناقش المقطع أسانيد هذه الروايات وصحتها، مبيناً موثوقية رواة الكوفة كسفيان الثوري وشعبة، ومسألة تدليس أبي إسحاق.
ينقد النص عدة روايات عن لحظات وفاة أبي طالب وقوله للشهادة، ويبين ضعف أسانيدها لوجود مجهولين وتناقض مع توقيت إسلام العباس. يستعرض أقوال المؤرخين في وفاة أبي طالب وخديجة، مشيراً إلى المشهور بأنهما توفيا في عام واحد، مع تفصيل الواقدي بأن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يوماً بعد الخروج من الشعب.
ذكر أبو عبد الله الحاكم وغيره أن خديجة توفيت بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وهو الرأي المشهور عند أهل السير خلافاً للواقدي. تم ذكر نسبها، وأشار المتحدث إلى تفصيل المزيد عنها في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله: وقال يزيد بن كيسان، قال: حدثني أبو حازم. وقال يزيد بن كيسان: ثقة، قال: حدثني أبو حازم، وهو سلمان الأشجع، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة»، فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله عليه الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآية. أخرجه مسلم، أي: أخرج هذا الحديث الإمام مسلم. وهذا أيضًا دليل على أن أبا طالب مات ولم يسلم. وقال أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير، وهو الكوفي، وهو ثقة إلا أنه يغرب، قال: عن عبد الله بن الحارث، يعني: يأتي بأشياء غريبة، حدثنا عن عبد الله بن الحارث ابن نوفل، وهو ثقة، عن العباس أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، أو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». أخرجاه، أي: البخاري ومسلم. وكذلك رواه السفيانان عن عبد الملك، أي: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، رووه عن عبد الملك كرواية أبي عوانة. وقال: وقال الليث عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، وهو صحابي، وابن الهاد وأسامة بن الهاد، قال له أسامة بن علي، قال: عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول، وذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه». خرجاه، لا في البخاري ومسلم. فعن هذا الذي ثبت في أبي طالب، فبعد ثبوت هذه الأحاديث يقال: إنه أسلم؟ هذا كلام باطل. ولهذا ظن بعض أهل التصوف أن هذا دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس دفاعًا عن النبي، بل هذا فيه رد للأحاديث المتكاثرة التي بيّن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب في النار. كيف يكون في النار وهو أسلم، كما يقولون؟ هذا كلام باطل. والرسالة التي ألفها السيوطي أيضًا رسالة باطلة، والسيوطي أحيانًا يغلو في مثل هذا الباب، وإلا فالأمر واضح، وقد صحت الأدلة الصحيحة أن أبا طالب في النار، وأن النبي عليه الصلاة والسلام شفع له، وهي من الشفاعات الخاصة التي شفع بها النبي صلى الله عليه وسلم لعمه، فلم يخرجه من النار لأن الكافر لا يخرج من النار، لكن جعله الله عز وجل في ضحضاح من النار. معنى الضحضاح: هو الشيء اليسير، قيل: معنى مثل الرماد الحار يوضع في رجله فيغلي به دماغه، كما جاء في الحديث الآخر: «فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه». وقال حماد بن سلمة عن ثابت، وحماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت البناني، عن أبي عثمان، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه»، كأنه بنعلين من النار. معنى: يلبس نعلين من النار فيغلي بهما دماغه. وقال الثوري وغيره عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي رضي الله عنه قال: لما مات أبو طالب أتيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «اذهب فواره، فوار أباك، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتيني». فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء. وهذا الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وهذا الإسناد صحيح. وحديث الثوري عن أبي إسحاق من أصح أحاديث أهل الكوفة. صحيح أن أبا إسحاق يدلس، لكن إذا رواه عنه شعبة أو سفيان فغالبًا من قديم حديثه، وقديم حديثه أفضل من حديثه، أفضل معناه من ما بعد، فتدليسه غالبًا في الحديث المتأخرة، وغالبًا أن شعبة والثوري يسألان عن الإسناد. قال: ورواه الطيالسي في مسنده عن شعبة عن أبي إسحاق، فزاد بعده: «اذهب فواره». وقد قال شعبة: «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبو سحاق وقتادة». أن إذا رواهم عنهم شعبة فغالبًا أن هذا الحديث مما لم يدلسوا. وهذا الحديث صحيح في ناجية بن كعب، وهو أيضًا ثقة. قال: فزاد: «اذهب فواره». فقلت: إنه مات مشركًا. قال: «اذهب فواره». وفي حديثه تصريح السماع من ناجية، قال: شهدت علي يقول. وهذا حديث حسن متصل، عن أن ناجية سمع من علي. وقال عبد الله بن جريس: حدثنا محمد بن أبي إسحاق، عن من حدثه. محمد بن إسحاق هو ابن يسار، لعله محمد بن إسحاق هنا، قال ابن أبي إسحاق: عن من حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفههم من قريش، فألقى عليه ترابًا، فرجع إلى بيته، فأتت بنته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: «أي بنية، لا تبكين، فإن الله مانعك». ويقول: «ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب». وهذا موجود في سيرة ابن إسحاق، لكنه كما ذكر رواه عن رجل مجهول، وأيضًا هو مرسل، عبد الله بن جعفر لم يحضر هذا، وهو عبد الله بن جعفر يعتبر من صغار الصحابة الذين روايتهم كرواية كبار التابعين. وقال: وروي عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام عارض جنازة أبي طالب فقال: «وصلت رحم يا عم، وجزيت خيرًا». تفرد به إبراهيم بن عبد الله الخوار، جَمي، وقال له إبراهيم بن بيطار: وحديثه فيه كلام، قال: وهو منكر الحديث، يروي عنه عيسى غنجار، وعيسى غنجار إمام وله كتاب، غنجار هذا البخاري، وله كتاب في الاستغفار. قال: والفضل الشيباني، فهذا الحديث لا يصح أيضًا. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: قال حدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، فهذا تقدم أنه فيه جهالة، عن ابن عباس قال: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا طالب في مرضه قال: «يا عم، قل لا إله إلا الله أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة». فقال: يا ابن أخي، والله لولا أن تكون سبة عليك وعلى أهل بيتك من بعد، يرون أني قلتها جزعًا حين نزل بي الموت، لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها، أنا أدخل السرور عليك. فلما ثقل أبو طالب برز يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس ليستمع قوله، فرفع العباس عنه فقال: يا رسول الله، قد والله قال الكلمة التي سألته عنها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لما أسبع». وهذا الحديث كما تقدم أنه لا يصح، قال: إسناده ضعيف لأن فيه مجهولًا، وأيضًا فكان العباس ذلك الوقت على جاهليته، ولهذا إن صح الحديث لم يقبل النبي عليه الصلاة والسلام روايته، وقال له: «لم أسمع». معنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل كلام العباس. وقد تقدم أنه بعد إسلامه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؟ معنى: قال له هذا الكلام، لو كان يعلم أنه قال هذه الكلمة لما سأله عن ذلك، قال: فإنه كان يحوطك ويغضب لك. فلو كان العباس عنده علم من إسلام أبي طالب لما قال هذا، ولما سكت عند قول النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في ضحضاح من النار»، ما سيقول له: قد قال لا إله الله، ولقال: إني سمعته يقول لا إله الله. ولكن الرافض قوم بهد، معنى: أن هذا الحديث وضعه بعض الروافض. فقال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله المصائب بموتهما. هذا المشهور عند أهل السير أن أبا طالب وخديجة ماتا في عام واحد، لكن اختلفوا كم الفرق بينهم. قال: وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام، كان يسكن إليها النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر الواقدي أنه خرج من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، أي: شعب أبي طالب، وأنهما توفيا في ذلك العام، وتوفيت خديجة قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يومًا. هذا كلام الواقدي. وذكر أبو عبد الله الحاكم أن موتها كان بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام، وكذا قال غيره، وهذا هو المشهور عند كثير من أهل السير أنها ماتت بعده لا قبله كما قال الواقدي. قال: وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدية. طيب. ثم ذكر ما يتعلق بخديجة، إن شاء الله تعالى نذكره في درس، والله أنا أكتب بهذا، والله تعالى أعلم.