كتاب الأمور المنهي عنها 5

كتاب الأمور المنهي عنها 5

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحريم الغيبة وأهمية حفظ اللسان

يسرد الحديث الذي سأل فيه معاذ بن جبل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة ويبعده عن النار، فذكر له أركان الإسلام وأبواب الخير. ويؤكد أن ملاك كل ذلك هو حفظ اللسان وكفه عن الشر، محذراً من مؤاخذة اللسان بقوله "ثكلتك أمك".

خطر اللسان والغيبة في السنة النبوية

يبيّن خطورة إطلاق اللسان بلا ضوابط مستشهداً بحديث "هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟". ويوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الصحابة أدب السؤال والجواب فكان جوابهم "الله ورسوله أعلم" نموذجاً للأدب مع الوحي.

الفرق بين الغيبة والبهتان وتحريمهما

يعرّف النبي ﷺ الغيبة بأنها ذكر الأخ بما يكره، ويميزها عن البهتان الذي هو نسبة أمر غير موجود، مبيناً أن الغيبة تقع حتى لو كان العيب حقيقياً. ويستشهد بالآية التي شبهت الغيبة بأكل لحم الأخ ميتاً لتأكيد قبحها ووجوب اجتنابها.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم

يختتم المتحدث الجلسة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين مفوضاً العلم لله تعالى. ويشير إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين، باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان: قال رحمه الله تعالى: قال، وعن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. ولاحظوا يا إخوان همم الصحابة وأسئلتهم العظيمة: عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه». ولهذا العبد دائماً يا إخوان يطلب المعونة من الله عز وجل: «إياك نعبد وإياك نستعين»، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». ثم قال: أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل». ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16]، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، قال: حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]، أي من سورة السجدة. قال: ثم قال أي النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» ومعنى ذروة سنامه: أي أعلى ما فيه، كسنام البعير، أعلى ما فيه هو الذروة. قال: «وذروة سنامه». قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر». قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». ثم قال أي النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» أي: بما يجمع لك ما سبق. قال: «بملاك ذلك كله». قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «فأخذ بلسانه» - أخذ بلسانه - قال: «كف عليك هذا، كف عليك هذا». يعني: أمسك عليك لسانك واحفظه إلا من خير. تعجب معاذ رضي الله تعالى عنه، قال: قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك!». وهذه الكلمة يأتي بها العرب ولا يريدون ظاهرها. وإلا فما معنى «ثكلتك أمك»؟ ما معنى «ثكلتك أمك»؟ نعم يا أبي عبد الرحمن: ضيعتك. ومتى تصبح الأم ثكلاً؟ ومتى تصبح الأم ثكلاً؟ كيف تفقده؟ بماذا يضيع؟ طيب، أحسنت. نعم، نعم: «ثكلتك أمك». نعم يا أبي عبد... إذا مات ولدها. الأصل في ثكل الأم لولدها: إذا مات عنها، إذا مات وتركها، يقال: هذه ثكلة. ولهذا يقولون: «ليست الثكلة كالمستأجرة»، يعني: المرأة التي تبكي على موت ولدها ليست كالمرأة المجاملة أو المستأجرة التي لربما لأجل أمر أو آخر تأتي وتبكي، تأتي وتبكي. والعرب يأتون بهذه الكلمة ولا يريدون بها معناها وظاهرها. قال رحمه الله تعالى: قال: فقال: «أفثكلتك أمك؟ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ إلا حصائد ألسنتهم». قال: رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وقد سبق شرحه. والحديث هو من طريق شهر بن حوشب، وهو سيء الحفظ، لكن الحديث له طرق كثيرة يتقوى بها، يحسن بل صححه بعض العلماء لغيره، صححه لغيره بمجموع هذه الطرق التي يقوي بعضها بعضاً. ولا يخفى على الجميع ما تضمنه هذا الحديث من جمل عظيمة، وهكذا من جمل جامعة لأبواب الخير. وأشاهد منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» يعني: ملاك ذلك، أي: ما يمكن أن يتحكم به الإنسان فيما سبق كله. قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «فأخذ بلسانه، أخذ بلسانه». فبين له بيئة الفعل ثم بيئة القول. قال: «كف عليك هذا». ومعنى «كف عليك هذا»: أي امنع هذا العضو من أن يقع فيما يغضب الله تبارك وتعالى. قال: قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ ويا لله يا إخوان، كم يتساهل الواحد منا في الكلمات، ويطلق لسانه العنان، تخبط خبط عشواء، تخبط خبط عشواء، فينال من عرض هذا، ويتكلم على هذا، ويتنقص هذا، ويشتم هذا، إلى غير ذلك مما يتلاعب الشيطان به في هذا الإنسان في باب اللسان. قال: «ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟» يعني: ما الذي يجعل الإنسان صريعاً في النار؟ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: 94-95]. فنسأل الله العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ أتدرون ما الغيبة؟» وهذا أسلوب من أساليب التعليم، أسلوب السؤال والجواب، وكم يحصل التشويق بسبب السؤال الذي يتبعه الجواب، وأيضاً غالباً تثبت المعلومات وتستقر عبر ماذا؟ هذا الأسلوب العظيم من أساليب التعليم. قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. وهذا يتكرر كثيراً في أجوبة الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تمام أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يردون العلم إلى الله عز وجل أولاً، ثم إلى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً. وإذا سئل الواحد منا اليوم: هل ممكن يقول: الله ورسوله أعلم؟ أو ماذا يفعل؟ نعم، إذا سئل الواحد منا اليوم مسألة، فهل يجوز أن يقول: الله ورسوله أعلم؟ أو ماذا يفعل؟ يا أبا ناظم، كيف يجاوب؟ طيب، ما عنده جواب يقول: الله ورسوله أعلم. يقول: الله أعلم. طيب، أحسنت. نعم يا أبا محمد... أحسنت. رخص بعض أهل العلم في أن يقول: الله ورسوله أعلم، إذا كان السؤال عن مسألة شرعية، عن مسألة شرعية. وأما إذا كان السؤال عن أمر دنيوي فيقول: الله أعلم. قال رحمه الله تعالى: قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». ولاحظوا كلاماً من أوتي جوامع الكلم، يأتي بالكلمات القليلة وتحمل في طياتها المعاني البليغة والكثيرة. عرف عليه الصلاة والسلام الغيبة بكلمات قليلة: «ذكرك أخاك بما يكره، ذكرك أخاك بما يكره». قال: قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ ما معنى «أفرأيت»؟ هذا في خطاب المفرد، و«أفرأيتم» في خطاب الجمع. فما معنى قوله: «أفرأيت»؟ نعم يا عكاشة: «أفرأيت» ما معناها؟ ما رأيت؟ طيب، أحسنت يا أبا شفيق. «أفرأيت» الإعلام؟ نعم، قاربت. يعني: بمعنى... يا أبا الفاروق: أخبرني. «أفرأيت» يعني: أخبرني. قال: «أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟» قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». قال: رواه مسلم. وأيهما أعظم يا إخوان: «فقد اغتبته» أو «فقد بهته»؟ يا أبا عبد الله، أيهما أعظم: الغيبة أو البهتان؟ البهتان. لماذا البهتان يا أبا سالم أعظم؟ نعم: رميته بشيء ليس فيه، هو بريء منه. أما الغيبة... أما الغيبة فقولك فيه، أو قولك: نعم، فيه عن شيء هو واقع منه وحاصل منه. وهذا يا إخوان يعني يبين لنا مفهوماً خاطئاً لدى الكثير من الناس، وقد يقع فيه من يقع من طلاب العلم، حين أن يتكلم في شخص، فحين أن ينكر عليه يقول: أنا ما كذبت عليه، ولا افتريت عليه، ما قلته فيه. فيقال: كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته». هذه الغيبة، وهذه هي حقيقتها. «وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته»: أي افتريت عليه الكذبة، افتريت عليه الكذبة. وهذا يا إخوان فيه النهي والزجر عن الغيبة وعن الوقوع فيها، وأن من تحدث على أخيه بشيء فيه فهذه غيبة، ومن تحدث عن أخيه بشيء يكرهه وهو ليس فيه فهذا أعظم، فهو يعتبر من البهتان، فهذا يعتبر من البهتان. وربنا تبارك وتعالى حين أن ذكر الغيبة ذكرها في أبشع منظر وأسوأ صورة، فقال ربنا عز وجل: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. فكما أن الشخص يكره أن يأكل من لحم أخيه حياً، فكيف يأكله ميتاً؟ فكما أنه يكره ذلك، كذلك أيضاً الواجب أن يكره أن يقع في عرض أخيه بأن يتكلم فيه بما يكره وهو غائب، وهو غائب. طيب، نفتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر