كتاب الأمور المنهي عنها 3

كتاب الأمور المنهي عنها 3

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة كتاب الأمور المنهية: تحريم الغيبة وحفظ اللسان

يستهل الدرس بباب تحريم الغيبة من رياض الصالحين، مستعرضاً الآيات والأحاديث التي تبرز عظمة نعمة اللسان وخطر إساءة استعماله. يوضح أن حسن توظيف اللسان يرفع الدرجات، بينما إطلاقه في المعاصي يهوي بصاحبه إلى الدركات والنار.

أسباب النجاة: حفظ اللسان، لزوم البيت، والبكاء على الخطيئة

يروي حديث عقبة بن عامر عن سؤال النجاة، فيجيب النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: أمسك لسانك، وسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك. يؤكد أن قاعدة «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» هي الميزان لكلام المسلم.

العزلة عند الفتن ومراقبة اللسان مع الندم على المعاصي

ينصح بالالتزام بالبيت والابتعاد عن مواطن الفتن، مشدداً على وجوب البكاء والندم على الخطايا مع استشعار عظمة الله. يبرز نعمة الأمن والصحة عند الصباح، وأن استقامة اللسان سبب لاستقامة سائر الجوارح.

ختام الجلسة والإعلان عن استئناف الدروس لاحقاً

يعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية مع النية لاستكمال الموضوع في مجالس قادمة. يختم بالدعاء بالتوفيق للجميع والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمر معنا في مجالس سابقة الكلام حول كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. وذكرنا مقدمة حول أهمية امتثال أوامر الله عز وجل، وهكذا البعد عما نهى الله عنه ونهى عنه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا شامل لجميع المسلمين وطلاب العلم من باب أولى وأحرى. وسبق معنا كذلك الكلام حول أول أبواب هذا الكتاب، ألا وهو باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان. وقد ذكر رحمه الله تعالى جملة من الآيات القرآنية، وهكذا الأحاديث النبوية التي فيها الأمر بحفظ اللسان، وأن اللسان يعتبر نعمة من نعم الله عز وجل إذا أحسن العبد استعماله واغتنمه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]، أي طريق الخير وطريق الشر. وأنه ليس هناك شيء أحوج إلى أن يسجن مثل اللسان. فاللسان إذا أحسن العبد استعماله نال الدرجات العالية والمنازل الرفيعة، وإذا أساء استخدامه كان ذلك سببًا في نزوله الدركات، وهكذا دخول النار والعياذ بالله، كما مر معنا في أحاديث نبوية ذكرها رحمه الله تعالى. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة». قال: رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وقال: حديث حسن. ومر معنا قوله عليه الصلاة والسلام في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: قال عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة». وقوله: «ما بين لحييه»، اللحيان هما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان، ولهذا سمي هذا الشعر الذي ينبت على اللحيين والذقن: لحية. والذي بين اللحيين هو اللسان، والذي بين الفخذين هو الفرج. وإذا تأملنا يا إخوان، كثيرًا بل أكثر المخالفات التي يقع فيها الناس، نجد أن سببها أحد هذين الأمرين: إما اللسان، وإما الفرج. قال رحمه الله تعالى: قالوا: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من نجاة؟ سؤال عظيم يا إخوان، صحابي جليل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له: من نجاة؟ النجاة من ماذا؟ النجاة من نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. من نجاة؟ أي من غضب الرب تبارك وتعالى. من نجاة؟ أي من الوقوع في الآثام، وكذلك أيضًا في المحرمات. قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك». قال: رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وقال: حديث حسن. وهذه الأمور الثلاث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي من أسباب النجاة. أولها: قال: «أمسك عليك لسانك». لا تطلق للسانك العنان، تتكلم في هذا وتخوض في عرض هذا، وتفتري على الله عز وجل الكذب، وهكذا غيرها من الأمور التي تأتي عليها اللسان. أمسك عليك لسانك. ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم جعل لنا قاعدة في اللسان، هذه القاعدة للذكر والأنثى، والكبير والصغير، والمتعلم والجاهل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». يعني: قبل أن يتكلم يتبين ويتفكر في هذا الكلام، إذا كان من الخير الذي يحبه ربنا عز وجل فبادر، سارع إليه، وإذا كان من الشر الذي يغضب الله علينا فأمسك. طيب، وإذا تردد هل هو خير أم شر، ككثير من المباحات التي لربما يسترسل معها الإنسان فيقع بعد ذلك في الحرام، فعندها يا إخوان: «فليقل خيرًا أو ليصمت»، الأولى أن يمسك عنه. قال: «وليسعك بيتك». وليسعك بيتك، والبعد عن أسباب الفتن، وهكذا البعد عن مواضع الريب وغيرها، بأن يلزم الإنسان بيته، فيكف نفسه عن الشر وعن الحرام. وهذا يا إخوان فيه استحباب العزلة عند فساد الأمر، عند فساد الأمر، فكونه يعتزل خير له من أن يقع في نيران الفتن. قال: «وابكِ على خطيئتك». وابكِ على خطيئتك، والندم يا إخوان على فعل الخطايا هذا من الأمور المهمة جدًا، وأن العبد لا ينظر إلى صغر المعاصي، ولكن ينظر إلى عظمة من يعصي، إلى عظمة من يعصي. والقلوب يا إخوان إذا غزتها الفتن فعندها تصبح لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا إلا ما أشربت من هواها. يفعل المعصية ولا يبالي وهو يضحك، يسمع الأغنية وهو مرتاح، يسب أو يكذب أو يقع في أعراض الآخرين ولا يحرك ذلك عنده ساكنًا، تضيع عليه الصلوات وغيرها فلا يحرك ذلك منه شيئًا. قال: «وابكِ على خطيئتك». قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أصبح ابن آدم...» ويا لله يا إخوان، كم هي النعم التي تتجدد مع كل صباح! من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. قال: «يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة». أحاديث كثيرة يا إخوان فيها التذكير بنعم الصباح المتجددة. قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان»، أي تذل له وتخضع وتنقاد للسان، تقول: «اتق الله فينا، اتق الله فينا، فإنما نحن بك، إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». رواه الترمذي. وهذا يا إخوان كما سبق فيه أهمية استقامة اللسان، وأنه سبب لاستقامة الأعضاء، وفساد اللسان سبب لفساد الأعضاء. وهذا يستدعي أن العبد المسلم يحرص على أن يصلح لسانه، وأن يستعمله في الخير ولا يستعمله في الشر. طيب، نقف هنا ونكمل إن شاء الله عز وجل في مجالس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.