كتاب الأمور المنهي عنها 4

كتاب الأمور المنهي عنها 4

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية الاستجابة لأوامر الله ورسوله

يواصل المتحدث شرح كتاب الأمور المنهي عنها مؤكداً وجوب الاستجابة السريعة لأوامر الله ورسوله. يستعرض نماذج من سيرة الصحابة كتحويل القبلة وإهراق الخمر تجسيداً لقولهم سمعنا وأطعنا.

خطر مخالفة أوامر الله ورسوله

يحذر المقطع من عواقب مخالفة أوامر الله ورسوله مستشهداً بآيات وأمثلة تاريخية. يؤكد أن طلاب العلم أول المخاطبين بالنواهي ولا يجوز لهم استصغارها مع الإشارة لكتاب الأمور المنهي عنها.

تحريم الغيبة ووجوب حفظ اللسان

يستهل المؤلف باب تحريم الغيبة مبيناً أن اللسان نعمة في الطاعة ونقمة في المعصية. يستدل بالقرآن والسنة محذراً من التوسع في المباحات الذي قد يجر إلى الحرام.

خاتمة الدرس والإشارة للدرس القادم

يختتم الشيخ الدرس داعياً الله التوفيق ومعلناً عن محتوى الدرس القادم. يختم بالصلاة على النبي والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، سبق معنا الحديث حول كتاب الأمور المنهي عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. وسبق معنا أن ذكرنا مقدمتين: المقدمة الأولى: حول أهمية الاستجابة لأوامر الله عز وجل وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم. فقد أمرنا ربنا عز وجل بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وهكذا أيضًا ربنا تبارك وتعالى أثنى على عباده المستجيبين لأوامره وأوامر نبيه صلى الله عليه وسلم، وضرب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أروع النماذج وأعظم الأمثلة في سرعة الاستجابة لأوامر الله عز وجل وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم. وذكرنا بعض هذه الأمثلة، ومنها حديث البراء بن عازب في الصحيحين في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وكيف فعل الصحابة وهم يصلون؟ أتاهم الخبر في بعض مساجد المدينة، فوقف الواقف على المسجد وقال: إنه يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. ماذا فعلوا؟ استدار الإمام واستدار المأمومون. وكذلك أيضًا من هذه الأمثلة حديث أنس بن مالك في الصحيحين أيضًا في قصة تحريم الخمر. قال أنس: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، كان يسقيهم الخمر قبل أن تحرم، وأبو طلحة الأنصاري هو زوج والدته أم سليم. قال: فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الخمر قد حرمت، ألا إن الخمر قد حرمت». ماذا فعل أبو طلحة؟ قال: «قم يا أنس إلى هذه الجرار» -أي المليئة بالخمر- قال: «فأهرقها» يعني أسكبها خارج المنزل. فقام أنس فسكبها، قال: حتى سالت في سكك المدينة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى تتابع من كانت عنده الخمر بسكبها حتى جرت في سكك المدينة. وكذلك ذكرنا حديث أبي أسيد الأنصاري في سرعة استجابة النساء. النساء، النساء، يا إخوان، عندهن استجابة عظيمة لأمر الله عز وجل وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين خرج من المسجد عليه الصلاة والسلام فرأى زحامًا رجالًا ونساء، فقال عليه الصلاة والسلام: «استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، أي تمشين في حقها وهو وسطها، لكنكن بحافات الطريق».كذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ماذا فعل النساء؟ قلن: فلزمن حافة الطريق حتى إن إحداهن كانت تلتصق بالجدار حتى يعلق ثوبها أو خمارها بالجدار. أكذا يا إخوان تربى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ونعمة التربية هي ينبغي يا إخوان أن يستسلم الواحد منا إذا جاءه الأمر عن الله عز وجل أو عن النبي صلى الله عليه وسلم. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. المقدمة الثانية: في خطورة مخالفة أوامر الله عز وجل وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ماذا بعدها؟ ماذا بعدها عندك يا أبا ناظم؟ ماذا بعدها يا أبا الفاروق؟ ماذا بعدها؟ نعم يا أبا إبراهيم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، شديد العقاب. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ولهذا يا إخوان، من تأمل آيات الكتاب وأحاديث السنة وجد فيهما بيان خطورة هذه المخالفات الشرعية والوقوع في المناهي الشرعية، وأن الله عز وجل قد يعجل لهذا المخالف العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. وذكرنا بعض الأمثلة لخطورة هذه المخالفات الشرعية، فمن ذلكم ما جاء في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه أن غلامًا شابًا كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كان يأكل بشماله، يأكل بشماله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بيمينك». قال: ما أستطيع. قال الراوي: ما منعه إلا الكبر. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا استطعت». قال: فما رفعها إلى فيه، فما رفعها إلى فيه، أي شلت يمينه. وكلنا يعلم ما وقع في غزوة أحد ومخالفة بعض الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ما كان. قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. المصيبة أصابتهم في غزوة أحد، قد أصبتم مثليها، يعني في غزوة بدر قتلوا سبعين وأسروا سبعين آخرين، قد أصبتم مثليها. وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وفساد البحر، فساد المعايش يا إخوان، وقلت البركة في الأرزاق وغير ذلك. قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، لماذا يا رب؟ قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، لعلهم يرجعون. وهنا مقدمة ثالثة: ماذا ينبغي أن نذكر بها نحن معاشر طلاب العلم؟ ألا وهي أن بعضنا حين يسمع خطبة الجمعة أو يسمع محاضرة أو كلمة أو نصيحة أو تحذيرًا من بعض الأخطاء والمخالفات، أو أمرًا ببعض الفرائض والواجبات، يأتيه الشيطان ويقول: هذا الكلام معناه هؤلاء العوام المساكين، ولسان حاله يقول: اسمعوا، اسمعوا إلى هذه النصائح واعملوا بها، وقد ينسينا الشيطان أنفسنا. ينبغي أن نعلم يا إخوان أننا نحن طلاب العلم في مقدمة من هو مخاطب بهذه الأوامر، وينهى ويحذر عن هذه النواهي الشرعية. ولهذا يا إخوان، الواجب علينا جميعًا أن نكون ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، كما أمر الله عز وجل. كتاب الأمور المنهي عنها من أجمل يا إخوان ومن أحسن كتب رياض الصالحين، فتضمن مباحث عديدة وأبوابًا كثيرة نبه الإمام النووي رحمه الله تعالى من خلالها على كثير من هذه المخالفات وهذه المنهيات. وبدأ رحمه الله تعالى هذا الكتاب بباب تحريم الغيبة، وهكذا أيضًا الأمر بحفظ اللسان، الأمر بحفظ اللسان. وسبق معنا كذلك أيضًا أن اللسان نعمة إذا استعمل فيما يرضي الله عز وجل، إذا استغله صاحبه فيما ينفع وفيما يقرب إلى الله عز وجل، وهو نقمة إذا لم يحسن الإنسان استخدامه واستعماله. قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، يعني طريقة الخير وطريقة الشر. اللسان يستخدمه صاحبه في العمل الصالح، يذكر الله عز وجل به، يتلو القرآن به، يسبح، يستغفر، يدعو إلى الله تبارك وتعالى به، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر به. لربما يتكلم الكلمة يا إخوان باللسان فيما يرضي الله عز وجل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «يكتب الله له بسببها رضوانه إلى يوم يلقاه»، يرفعه الله درجات عالية. والعكس بالعكس، يتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل، لا يلقي لها بالًا، ما يفكر في عواقبها يا إخوان، ما يفكر في أضرارها ومفاسدها وآثارها. قد يغتاب هذا، وينال من عرض هذا، ويسب هذا، ويشتم ذاك، ويكذب على هذا. كم يا إخوان هي الأضرار الجسيمة والعواقب الوخيمة التي تكون بسبب اللسان، ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا ليس هناك شيء يا إخوان يحتاج إلى حبس وإلى سجن كما يحتاج إليه اللسان. والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن لنا قاعدة عظيمة في التعامل مع اللسان، وذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». ما معنى هذا يا إخوان؟ معنى هذا أن الإنسان يحتاج قبل أن يتكلم أن يفكر يا إخوان في الكلام: أهو من الخير الذي يحبه الله عز وجل، أهو مما ينفع؟ فعندها يتكلم به. أم أنه من الشر الذي يغضب الله عز وجل مما يضر، لربما في العاجل قبل الآجل؟ فعندها يجب عليه أن يمسك، أن يصمت. طيب، هناك شيء بين هذين الحالين: بعض الكلام يا إخوان قد لا يتنبه الشخص إلى ما فيه من العواقب أو ما له من المنافع، فهنا ما هو الأسلم؟ كبعض الكلام المباح، كبعض الكلام المباح، ما هو الأسلم؟ ها هنا يتكلم أم يصمت؟ يا أبا الصديق: يصمت. والدليل: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، فليقل خيرًا أو ليصمت. ثم التوسع يا إخوان، التوسع، التوسع في بعض المباحات، أقول: التوسع وليس مجرد المباح نفسه، يتوسع في بعض المباحات كالتوسع على سبيل المثال في المزاح، في المزاح. انظروا كيف يجر بعد ذلك إلى الوقوع في الحرام، إلى أن يحدث شحن، بغض، إساءة ظن، إلى غيرها من الأخطار والأخطاء. ومر معنا يا إخوان ذكروا جملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي صدر بها الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الكتاب، كتاب الأمور المنهية عنها، وباب تحريم الغيبة. يأتي معنا إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم القراءة والتعليق على ما ييسر الله عز وجل من هذه الأحاديث والأبواب التي تليها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.