كتاب المساجد ومواضع الصلاة 54

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 54

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 54، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

غزوة الأحزاب والصلاة الوسطى

شرح حديث نبويا عن غزوة الأحزاب وعدم تمكن المسلمين من أداء الصلاة الوسطى، مع توضيح لمعاني الروايات المختلفة حول هذا الحديث.

فضل العلم وتسمية العشاءين

بيان فضل العلم ورفعة أهله، واستدلال بحديثين نبويين على غضب الله على المشركين الذين شغلوا النبي عن صلاة العصر، وتأكيد جواز تسمية المغرب والعشاء بالعشاءين.

تحديد الصلاة الوسطى وفضل العصر

تحديد الصلاة الوسطى بأنها صلاة العصر استنادا إلى الأحاديث النبوية، وبيان فضل صلاة العصر والدعاء على المشركين الذين شغلوا النبي عنها.

كيفية أداء صلاة الخوف

شرح كيفيات أداء صلاة الخوف المختلفة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أنها تختلف باختلاف أحوال المصلين مع الحرص على عدم تفويت وقتها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، حماد بن أسامة، ومن زيد القرشي، عن هشام، ومن حسان، عن محمد، ومن سيرين، عن عبيدة، ومن عمر السلماني، عن علي رضي الله عنه، علي بن أبي طالب، وهو الخليفة الرابع رضي الله عنه، ابن عم رسول الله، وزوج ابنته فاطمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، قال: لما كان يوم الأحزاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس». حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد. وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، قال: أخبرنا المعتمر بن سليمان، جميعا عن هشام، بهذا الإسناد. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، وهو الملقب بغندر، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال: سمعته قتادة، وهو ابن دعامة، أبو الخطاب السدوسي، يحدث عن أبي حسان، عن عبيدة، والسلماني، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس -يعني رجعت إلى موضعها من الغروب- قال: حتى آبت الشمس، ملأ الله قبورهم، أو بيوتهم نارا، أو بطونهم، شك شعبة في البيوت والبطون». قالوا: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، بهذا الإسناد، وقال: «بيوتهم»، ولم يشك -يعني كما حصل في رواية شعبة-. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالا: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، ومن عطية الكندي، عن يحيى بن الجزار. ويحيى بن الجزار، صدوقه، كما قال الحافظ: رمي بالغلو في التشيع. وذكر بعض أهل العلم أنه سمع من علي ثلاثة أحاديث. وكان -يعني ما حلثنقه- وثقه بعض أهل العلم، وبعض أئمة الجرح والتعديل. قال: حدثنا عبيده الله بن معاذ، واللفظ له، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى، أنه سمع عليا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، وهو قاعد على فرضة من فرض الخندق -يعني مدخلا من مداخل الخندق-: «شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم، أو قال: قبورهم وبطونهم نارا». حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو كريب، قالوا: حدثنا أبو معاوية، وهو الضرير الكوفي. قال أبو حاتم: ذهب بصره، وهو ابن ثمان سنين، ومع ذلك ما منعه ذلك من طلب العلم والإقبال على تحصيله. وهكذا مثل قتادة: قتادة بن دعامة ولد أكمه -ولد أعمى ما يرى- ومع هذا كان من حفاظ الحديث. فكون الإنسان يبتلى بشيء من العاهات، كالعمى أو العرج، أو كذلك البرص، أو غيرها من الأمراض، لا يمنعه ذلك من طلب العلم وتحصيله. وهكذا الأعمش: سليمان بن مهران، كان في عينيه عمش، ومع ذلك أقبل على العلم. ويرفع الله عز وجل صاحب العلم، وإن كان على مثل هذا الحال، وضيع النسب، أو قليل الشرف، أو عنده شيء من الأمراض أو العاهات، فيرفعه الله سبحانه وتعالى بالعلم. قال: حدثنا مسلم بن صبيح، عن شتير بن شكل، وهو العبسي، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا»، ثم صلاها بين العشاءين -يعني بين المغرب والعشاء-. بين العشاءين، أي بين المغرب والعشاء. هذا فيه دليل على جواز إطلاق هذا اللفظ على المغرب والعشاء. بعض العلماء منع من ذلك. وهذا الحديث صريح في جواز إطلاق لفظ العشاءين على المغرب والعشاء. هذا من باب التغليب، مثل ما يقال لأبي بكر وعمر: العمرين. وهكذا القمر والشمس: القمرين. هذا من باب التغليب. حدثنا عون بن السلام الكوفي، قال: أخبرنا محمد بن طلحة اليامي، عن زبيد -وهو الحارث اليامي الكوفي-، عن مرة، وهو ابن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي. كان يقال له: مرت الطيب، ومرت الخير، لقب بذلك لكثرة عبادته وكثرة خيره وعلمه، فكان من العباد. قال: عن مرة، عن عبد الله، قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر، حتى حمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا»، أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا». هذا الحديث، أو هذان الحديثان -حديث علي رضي الله عنه، وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه- فيما يتعلق بما حصل يوم الأحزاب، وهو المسمى كذلك بيوم الخندق. يوم الأحزاب، لما اجتمعت القبائل العرب من المشركين على قتال النبي عليه الصلاة والسلام، ومن معه من المسلمين في المدينة، فتحزبوا واجتمعوا، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة، بمشاورة سلمان الفارسي رضي الله عنه. لهذا سميت بغزوة الخندق، بحفر الخندق حول المدينة، ويقال لها غزوة الأحزاب، لأجل تحزب واجتماع قبائل العرب على قتال المسلمين. وكان ذلك بالسنة الرابعة من الهجرة، بعد غزوة أحد. كانت أحد بالسنة الثالثة. فمما حصل في يوم الأحزاب أن النبي عليه الصلاة والسلام شغل عن صلاة العصر، شغل عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فلم يصلها عليه الصلاة والسلام، ثم صلاها بعد ذلك بين المغرب والعشاء. وفي حديث عبد الله بن مسعود: حتى حمرت الشمس أو اصفرت -يعني حتى ذهب وقت الاختيار، ودخل وقت الاضطرار- لكن لم يتهيأ للنبي عليه الصلاة والسلام، أو يتيسر له أن يصلي قبل غروبها، فغربت قبل أن يصلي عليه الصلاة والسلام، كما في الروايات الأخرى في حديث علي رضي الله عنه، المصرحة بغروب الشمس قبل أن يصليها عليه الصلاة والسلام. وجاء في بعض الأحاديث في خارج الصحيح أنه لم يكن ذلك فقط في صلاة العصر، بل كذلك صلاة الظهر، كما في مصنف عبد الرزاق، عن علي رضي الله عنه، قال: ولم يكن صلى ذلك اليوم الظهر والعصر. وجاء في بعض الروايات كذلك في بعض السنن أنه لم يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وهذا كما قال الإمام النووي رحمه الله: يحمل على أنه وقع في بعض الأوقات الأخرى، أو في يوم آخر. فإن هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام شغل عن الصلاة الوسطى، وبين عليه الصلاة والسلام أن هذه الصلاة هي صلاة العصر، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالصلاة الوسطى في قول الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ما المراد بالصلاة الوسطى؟ منهم من قال: هي صلاة الفجر. ومنهم من قال: هي صلاة الظهر. ومنهم من قال: هي صلاة العصر. ومنهم من قال: يعني هي إحدى الصلوات الخمس غير معينة. وأصح الأقوال أنها صلاة العصر، أنها صلاة العصر. وهذا قول جماعة من الصحابة، وقول أكثر أهل العلم، كما قال إمام الترمذي رحمه الله: وهو الصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه إلى غيره، لأن هذه الأحاديث مصرحة بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر: «شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» -يعني صلاة العصر-، وكذلك أيضا قوله: «شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس». وفي الرواية الأخرى: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر». فهي مصرحة بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. فهذا هو الصحيح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وخصة صلاة العصر بالذكر لمزيد فضل ومزية على غيرها من الصلوات. فقوله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، هذا أمر بالمحافظة على جميع الصلوات، ومنها صلاة العصر، ثم قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، هنا خصها بالذكر، وعطف بهذا العطف، ذكر صلاة الوسطى، وذكر صلاة العصر من عطف الخاص على العام، للدلالة على عظيم فضلها، وعظيم أجرها، وزيادة الاعتناء بها. وقد ورد في صلاة العصر والفجر من الفضل والأجر ما لم يرد في غيرهما من الصلوات. فالمقصود هنا أن نعلم أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، هي صلاة العصر، كما هو مصرح في هذه الأحاديث. ولهذا لما شغل النبي عليه الصلاة والسلام عنها، دعا على المشركين أنهم شغلوه أن يؤدي هذه الصلاة في وقتها، فدعا الله عز وجل أن يملأ قبورهم وبيوتهم نارا. وهذا فيه جواز الدعاء على الكافرين على جهة العموم، أن تدعو على الكافرين على جهة العموم، يعني من غير تعيين أشخاص بأعينهم، تقول: اللهم عليك بالكافرين، اللهم عليك باليهود والنصارى، وهكذا دعاء عام، كما في هذا الحديث، دعا النبي عليه الصلاة والسلام عليهم دعاء عاما. والسبب في ذلك أنهم أرادوا قتال المسلمين وأذيتهم، وحبسهم عن أن يؤدوا الصلاة في وقتها، فلهذا دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا لم يصل النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة -صلاة العصر- حتى خرج وقتها. قال أهل العلم: وذلك أنه لم يكن قد فرض بعد صلاة الخوف، لأن صلاة الخوف فرضت في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد غزوة الخندق. فلهذا أخر الصلاة عليه الصلاة والسلام حتى صلاها بعدما غربت الشمس. وأما بعد نزول صلاة الخوف، فلا يجوز حينئذ للمسلم أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، حتى لو كان في حال الحرب والقتال، فيصلي على أي حال يتيسر له. وصلاة الخوف لها صفات وكيفيات ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، هي على اختلاف أحوال المقاتلين، فينظر الحال التي تناسبهم فيصلون، ولا يتركون الصلاة حتى يخرج وقتها. وعلى هذا فيحمل ما حصل في الخندق أنه كان قبل فرض صلاة الخوف. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.