كتاب المساجد ومواضع الصلاة 57

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 57

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 57، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث جرير بن عبد الله في رؤية الله تعالى

يشرح الحديث الذي يرويه جرير بن عبد الله عن رؤية الله يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر. يُبين أهمية المحافظة على صلاة الفجر والعصر.

اعتقاد أهل السنة والجماعة في رؤية الله يوم القيامة

يشرح اعتقاد أهل السنة أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بينما يُحجب الكفار عن رؤيته، مستندين إلى القرآن والسنة.

الرد على شبهات منكري رؤية الله تعالى يوم القيامة

يرد على شبهات المعتزلة والجهمية بخصوص رؤية الله، موضحًا الفرق بين الرؤية والإدراك وأن "لن" لا تفيد التأبيد دائمًا.

أهمية الصلاة على النبي

يُظهر أهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا على التمسك بسنة النبي والالتزام بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسار القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا زهير بن حرب، هو أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، وهو البجلي الكوفي، قال: حدثنا قيس بن أبي حازم، وهو أيضا بجلي كوفي. وقيس بن أبي حازم مخضرم، كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب: ثقة مخضرم. وكاد أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام فيكون صحابيا. مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق إلى المدينة. فما معنى مخضرم؟ نعم، أدرك الجاهلية والإسلام، أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فيسمى مخضرم. وهذه الطبقة تعد من أرفع طبقات التابعين، من أرفع طبقات التابعين. نعم، هو ثقة، تكلم فيه بعض العلماء، من القطان قال فيه: منكر الحديث. إلا أن الإمام الذهبي رحمه الله دافع عنه ورد هذا القول. وقد روى عن العشرة المبشرين بالجنة، ولم يقع ذلك لأحد غيره من التابعين. روى عن العشرة كلهم. قال: سمعت جرير بن عبد الله، وهو بجلي، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر -يعني ليلة اكتماله، ليلة الخامس عشر- نعم، وقد يكون في الثالث عشر أو الرابع عشر، لكن في اكتماله ليلة الخامس عشر. قال: فقال: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته» -يعني لا يصيبكم ضيم، يعني مشقة، ولا تعب في رؤيته، ورؤية بالشدة- «لا تضامون» يعني لا تزدحمون، كما أنكم ترون القمر ولا تزدحمون في رؤية القمر، كل يراه من محله. كذلك سترون ربكم يوم القيامة. قال: «فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» -يعني العصر والفجر- ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾، قبل طلوع الشمس أي وقت الفجر، وقبل غروبها أي وقت العصر. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو أسامة، ووكيع بهذا الإسناد، وقال: «أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر». وقال: ثم قرأ. ولم يقل: جرير. هذا حديث جرير رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام في إثبات رؤية الله جل وعلا في الآخرة، يستدل به أهل السنة والجماعة من ضمن أدلة كثيرة على إثبات رؤية الله جل وعلا في الآخرة. ففي هذا الحديث يقول جرير رضي الله عنه: «كنا جلوسا عند النبي عليه الصلاة والسلام إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر». المراد بهذه الرؤية رؤية حقيقية في الآخرة، رؤية حقيقية في الآخرة، ليس في الدنيا. أما في الدنيا فالله عز وجل لا يرى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، كما في صحيح مسلم: «لن تروا ربكم حتى تموتوا». إذن إثبات الرؤية هنا هي في الآخرة، أما في الدنيا فالله جل وعلا لا يرى، ولا يتحمل الإنسان رؤية الله جل وعلا في الدنيا. ولهذا موسى عليه السلام لما قال: «ربي أرني أنظر إليك»، قال الله عز وجل: «لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني» -يعني إذا ثبت الجبل وتحمل رؤية الله جل وعلا فسوف تراني- قال الله عز وجل: «فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا»، لما تجلى أي ظهر ربنا جل وعلا للجبل ورأى الجبل ربه اندك الجبل وصار ترابا، ما تحمل رؤية الله، مع أنه جبل صلب قوي، لم يتحمل رؤية الخالق سبحانه وتعالى. ولهذا خر موسى صعقا، غشي عليه. فلما أفاق قال: «سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين». فإذا كان هذا الجبل بصلابته وقوته لم يتحمل رؤية الله، فكيف سيتحمل رؤيته الإنسان الضعيف الذي خلق من لحم ودم وعصب؟ فلن يتحمل رؤية الله. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالله عز وجل يجعل للمؤمن قدرة على تحمل رؤية الله جل وعلا. نعم، إذن الرؤية المراد بها هنا: «سترون ربكم» يعني في الآخرة، أو في بعض الروايات: «سترون ربكم يوم القيامة». قال: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته»، أي لا يصيبكم غيم ولا مشقة في رؤيته، كما أنكم ترون القمر كل يراه في محله، ولا يصيب أحد ضيم ولا مشقة ولا تعب في رؤية القمر. كذلك أيضا يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة من غير أن يصيبهم ضيم. وهذه الرؤية رؤية حقيقية، يعني يرونه بأبصارهم، يرونه بأبصارهم. والخطاب للمؤمنين، فالذين يرون الله عز وجل هم أهل الإيمان. فأهل الإيمان يرون الله جل وعلا في موضعين: في عرصات يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث الثابتة كحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين. وكذلك أيضا يرونه بعد دخول الجنة، يرونه بعد دخول الجنة. وأما الكفار فإنهم يحجبون عن رؤية الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، أي محجوبون عن رؤية الله. واختلف أهل العلم في المنافقين: هل يرون الله جل وعلا؟ منهم من قال: يرون الله عز وجل، كما يدل عليه حديث أبي سعيد الطويل. قال: «فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» -يعني العصر والفجر- في بعض الروايات: «فاعلتم» -يعني إذا استطعتم ألا تغلبكم شيء، لا يغلبكم شيء ولا يمنعكم شيء من المحافظة على صلاة الفجر وصلاة العصر- على صلاة قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر، وقبل غروبها وهي صلاة العصر. بمعنى أن من أسباب رؤية الله والتنعم بذلك المحافظة على صلاتي الفجر والعصر، المحافظة على صلاتي الفجر والعصر من أسباب الفوز بدخول الجنة، وكذلك الفوز برؤية الله جل وعلا يوم القيامة. فلهذا ذكر الإمام مسلم هذا الحديث في هذا الموضع للاستدلال به على فضيلة صلاتي الفجر وصلاة العصر. طيب ذكرنا أن أهل السنة والجماعة يثبتون الرؤية، رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. من الأدلة على إثبات رؤية الله قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، الأولى من نظرة النعيم، ناظرة يعني متنعمة إلى ربها، ناظرة يعني تنظر إلى ربها بعينيها. وكذلك أيضا قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وفسرت الزيادة بالنظر إلى وجه الله جل وعلا، كما في بعض الأحاديث والآثار الثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم. وكذلك أيضا قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، أفسر المزيد بالنظر إلى وجه الله أيضا. وكذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فلما حجبوا -أي حجب الكفار عن رؤية الله- دل أن المؤمنين يرونه، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله. ومن السنة حديث الباب، حديث جرير، هذا دليل على رؤية الله، على رؤية الله في الآخرة. أيضا عند أبي سعيد وأبي هريرة، ذكرنا شيئا منه في عرصات يوم القيامة. نعم، أيضا: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، مفهوم المخالفة: أنكم إذا متّم وبعثتم سترونه. نعم، أيضا حديث صهيب في الصحيح: أن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: «يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين؟ قال: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم». والحديث وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح، تدل عليه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وهل السنة على إثبات رؤية الله جل وعلا في الآخرة؟ أيضا حديث عدي بن حاتم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». طيب الذين نفوا الرؤية كالمعتزلة والجهمية واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، قول الله عز وجل لموسى: «لن تراني». قالوا: هذه الآية دليل على أن الله لا يرى، أن الله جل وعلا لا يرى. فكيف توجيه هذه الآية؟ نعم، «لن تراني» في الدنيا، أو «لن تراني» في هذا الوقت. و«لن» لا تفيد التأبيد، خلافا لما زعمه الزمخشري المعتزلي، استدل بهذه الآية على نفي رؤية الله جل وعلا، وقال: «لن» تفيد التأبيد، «لن تراني» «لن تراني» أبدا. وهذا ليس بصحيح، لأن «لن» لا تفيد التأبيد، ولا كذلك تمتنع على دلالة التأبيد، قد تفيد التأبيد بقرينة، لكن الأصل أنها لا تفيد التأبيد. فقولك: «لن أقوم» مثل قولك: «لا أقوم»، وقولك: «لا أقوم» لا يفيد التأبيد أنك لن تقوم أبدا. فكذلك قولك: «لن أقوم» يعني في هذا الوقت أو في هذه الساعة أو في هذه اللحظة. فليس من هذا نفي القيام على جهة التأبيد. فقوله: ومن الأدلة على أن «لن» لا تفيد التأبيد دخول «أبدا» عليها، ولو كانت تفيد التأبيد لم تدخل عليها «أبدا». فأنت تقول: «لن أقوم» مثلا أو «لن أسافر» «لن أسافر أبدا»، هنا أفادت التأبيد بقرينة قولك «أبدا». واضح إذا «لن» لا تفيد التأبيد. ولهذا قال ابن مالك: «ومر أن نفي بلا مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا». نعم، فالآية دالة فيها على نفي الرؤية في الدنيا. طيب قول الله عز وجل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، أيضا استدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله جل وعلا. قالوا: الله عز وجل أخبر أن الأبصار لا تدركه -يعني لا تراه- أن الأبصار لا تراه. فيه دليل على نفي رؤية الله. ما هو الجواب؟ نعم، أن الإدراك بمعنى الإحاطة، «لا تدركه الأبصار» أي لا تحيط به. ولا يلزم من نفي الإدراك والإحاطة نفي الرؤية. ما هو الدليل؟ أنه لا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، يعني قد تثبت الرؤية مع نفي الإحاطة والإدراك. لا، في آية أخرى تؤكد هذا المعنى، قول الله عز وجل عن موسى لما قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، قال موسى: ﴿كَلَّا﴾، نفى الإدراك. قال: «كلا إن معي ربي سيهدين»، نفى الإدراك. هل في نفي الإدراك نفي للرؤية؟ هل هم يرون فرعون وجنوده؟ أو لا يرونهم؟ يرونهم، فرعون وجنوده أو خلفهم والبحر أمامهم. فلما رأوا البحر قالوا: «إنا لمدركون» -سيدركنا فرعون وجنوده- فنفى موسى عليه السلام ذلك بقوله: «كلا» -أي لسنا بمدركين- ونفي الإدراك هنا ليس نفي للرؤية، هم يرون يرون فرعون وجنوده. فدلت هذه الآية على أن نفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية. فقوله جل وعلا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه. وإن كانت تراه فلا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية. فمعتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة، وهو من أعظم ما يتنعم به أهل الجنة، هو رؤية الله. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن يوفقنا جل وعلا للتنعم برؤية الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال وكيع رحمه الله: «حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير في الرؤية، من أنكره فهو جهمي»، أي لا ينكر هذا الحديث إلا من كان جهميا، لأن فيه دلالة واضحة على إثبات رؤية الله جل وعلا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.