الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 291، ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الكهان وأوضح بطلان ادعائهم معرفة الغيب، مشيرًا إلى أنهم ليسوا بشيء من الحق. هذا التحذير يشمل نهيه عن إتيانهم وسؤالهم.
من يسأل الكهان لا تقبل صلاته أربعين يومًا، ومن يصدقهم يكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. هذا يبين خطورة التعامل مع الكهان وتصديقهم.
الكهان يستخدمون الشياطين لمعرفة المستقبل، حيث تسترقي الشياطين السمع وتنقل المعلومات للكهان، الذين يخلطون الحق بالكذب. النبي شبه هذا بتشبيه يبين سرعة نقل الشياطين للمعلومات.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب الرجل يقول: ليس بشيء، وهو يريد أنه ليس بحق. قال حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا عنبسة بن خالد، قال حدثنا يونس، عن ابن شهاب، وهو الزهري، محمد بن مسلم، قال أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير، أنه سمع عروة بن الزبير يقول. وابن شهاب هنا يروي عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن عروة. هل سمع الزهري من عروة بن الزبير؟ نعم، سمع منه. الزهري سمع من عروة بن الزبير، وروى عنه كثيرا. وروى هذا الحديث بواسطة يحيى بن عروة، فقال الحافظ رحمه الله: فلعل الزهري فاته هذا الحديث، فاته سمعه من عروة، فرواه عن يحيى بن عروة. قال: وليس، أو لم أجد ليحيى بن عروة رواية في صحيح البخاري إلا في هذا الحديث. يقول الحافظ: من حجر، لم أر ليحيى بن عروة رواية في صحيح البخاري إلا هذا الحديث، قال: أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال: هم ليسوا بشيء. فقال: يا رسول الله، إنهم يحدثون بالشيء يكون حقا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الشيطان، فيقرقره بأذن وليه، كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه بأكثر من مئة كذبة. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب الرجل يقول ليس بشيء، وهو يريد أنه ليس بحق. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام سأله ناس عن الكهان، يعني عن أمرهم وحالهم وإتيانهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ليسوا بشيء، يعني ليسوا بشيء من الحق، ليسوا في شيء من الحق، فلا يصدقون ولا يعتمد عليهم، ولا كذلك يأخذ بأقوالهم. وهو الشاهد في ذكر هذا الحديث في هذا الباب، قول الرجل: ليس بشيء، يريد ليس بحق، فيستخدم هذا اللفظ، ويراد به نفي أن يكون مع هذا الإنسان أو شخص شيء من الحق، فيقال: فلان ليس بشيء، يعني ليس عنده شيء من الحق. والكهان جمع كاهن، والكاهن هو الذي يدعي معرفة المغيبات، أو يدعي علم الغيب ومعرفة ما يقع في المستقبل، فيخبر عن أمور المغيبة أنه سيقع كذا وسيحصل كذا، فهذا كاهن يقال له كاهن. والكهان من السحرة يعتبرون من السحرة الذين أخبر ربنا جل وعلا بكفرهم، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. وقد يطلق الكاهن على الساحر والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتعامل بشيء من السحر، وكذلك من يدعي معرفة المغيبات والضائعات والعراف ونحوهم من أمثال هؤلاء. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الكهان ليسوا بشيء، أي لا يصدقون ولا يعتمد عليهم، ولا يؤخذ بأقوالهم. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيانهم، فأخبر أن من أتى كاهنا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوما، كما في صحيح مسلم، عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. يعني عقوبة له لكونه أتاهم وسألهم، أنه لم تقبل له صلاة أربعين يوم، وهما أمور: أن يصلي وتجب عليه الصلاة، لكنها لا تقبل منه، ولا يثاب عليها. وإذا صدقهم، فإنه يقع في الكفر، لقول عليه الصلاة والسلام: من أتى كاهنا فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد. والحديث رواه أهل السنن. فإذا أتاهم وسألهم وصدقهم فيما يقولون، فقد كفر؛ لأنه صدقهم في ادعائهم علم الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله. قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. فإذا صدقهم في ذلك، فقد كذب بالقرآن، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى فيه أنه لا يعلم الغيب أحد سواه سبحانه وتعالى. فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثون بالشيء يكون حقا. يعني هؤلاء الكهان يخبر الواحد منهم بأنه سيقع كذا وكذا، وسيحصل كذا وكذا، فيكون كما قال. كأنهم يستشكلون كيف الكهان ليسوا بشيء، وهم يحدثون بالشيء فيكون حقا. فقال عليه الصلاة والسلام: تلك الكلمة من الحق يخطفها الشيطان، فيقرقره في أذن وليه، كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه بأكثر من مئة كذبة. يعني أن هذه الكلمة التي يخبر بها هذا الكاهن مما أخبر به فوقع وصدق فيه، هي من الحق الذي يسمعه هذا الشيطان، وما يحيي إليه شياطين الجن مما يسترقونه من الملائكة. مما تسترقه الشياطين والجن من الملائكة، فيخبرون به هذا الكاهن. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى أن الملائكة تنزل بالعنان أو السحاب بالخبر من السماء، فتسترق الشياطين السمع، تسمع بهذا الخبر الذي نزلت به الملائكة، فتخبر به هذا الكاهن. قال: فيقرقره بأذني وليه كقرقرة الدجاجة، يعني يردده في أذنيه، يردد هذا الكلام، فيقرقره كقرقرة الدجاجة، أي كترديد الدجاجة لصوتها. سمى قرقرة الدجاجة تخرج صوتا تردده إذا وجدت شيئا، فتخرج صوتا، فتسمعها بقية الدجاج فيجتمعن. شبه النبي صلى الله عليه وسلم ترديد هذا الشيطان في أذني وليه من الكهنة ما يسمعه كقرقرة الدجاجة. قال: فيخلطون فيه بأكثر من مئة كذبة، أي يسمع الكاهن هذه الكلمة من الحق، فيكذب معها مئة كذبة، يخبر بأشياء كثيرة كذبا، ومنها ما قد سمعه من الشياطين، فيقع هذا الذي سمعه، فيقولون: صدق فيما قال. فالذي صدق فيه هو ما سمعه من الشياطين، وما أوحت إليه مما تسترقه الجن من الملائكة. وإلا فهم كذبة لا يعتمد عليهم، ولا كذلك يصدقون في أقوالهم، وإنما دجالون كذابون، يأكلون أموال الناس بالباطل، أو يريدون أن تكون لهم منزلة ورفعة عند الناس بعمل الكهانة، وكذلك الدجل والشعوذة. في هذا الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام: إنهم ليسوا بشيء، وهو بمعنى ليسوا بشيء من الحق، فلا بأس باستخدام هذا التعبير بهذا المعنى، أن يراد نفي أن يكون هذا الشخص على شيء من الحق، فيقال: ليس بشيء، فلان ليس بشيء، أي ليس بشيء من الحق.