التعليقات على كتاب الأدب المفرد 259

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 259، ألقاها

توجيه النبي وتغيير الأسماء

تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن تغيير الأسماء السيئة إلى حسنة، ومر بالقبور ليعبر عن فوات الخير على المشركين. كما أشار إلى فضل الهجرة إلى الله ورسوله.

مشي النبي بين القبور وأحكام زيارة المقابر

مشى النبي صلى الله عليه وسلم بين قبور المشركين والمسلمين، وأمر بخلع النعال عند المشي بين القبور احتراما للأموات، مع جواز لبسها عند الضرورة.

تحذير النبي من التوسع في البناء وتزيين البيوت

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المغالاة في بناء البيوت وتزيينها، وقد تحقق ذلك كما أخبر، حيث أصبح الناس يزينون بيوتَهم، بينما كانت بيوت النبي بسيطة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا سهل بن بكار، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، عن بشير بن هيك، عن بشير -وكان اسمه زحم بن معبد- فهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: زحم، قال: بل أنت بشير. قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مر بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا -ثلاثا-، فمر بقبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا -ثلاثا-. فحانت من النبي صلى الله عليه وسلم نظرة، فرأى رجلا يمشي في القبور وعليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألقي سبتيتيك. فنظر الرجل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، خلعهما، فرمى بهما. الحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث أن بشير بن معبد هاجر للنبي عليه الصلاة والسلام، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن اسمه: ما اسمك؟ قال: زحم، قال: بل أنت بشير. فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه من زحم إلى بشير. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على تغيير الأسماء التي فيها تزكية أو فيها معاني غير طيبة إلى ما هو أنفع وأطيب وأحسن. وسيأتي في الأبواب القادمة ما يتعلق بتغيير الأسماء، ومنها هذا الحديث. فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه من زحم إلى بشير؛ لأن الزحم فيه معنى المضايقة، ومنه الزحام، يقال: هذا شارع مزدحم بالسيارات أو مزدحم بالناس، يعني فيه ضيق. فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه من زحم إلى بشير، وبشير فيه معنى الاستبشار والبشارة. قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مر بقبور المشركين. وفي الرواية الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له -أي قال لبشير بن معبد-: ما تنقم على الله؟ ها قد أصبحت تمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما أنقم على الله شيئا، كل خير قد أصبت. ما أنقم على الله شيئا، كل خير قد أصبت. والنبي صلى الله عليه وسلم قال له ذلك لأنه ظن أنه تضرر بهجرته وتركه لأهله وبلده. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وهو قد ترك أهله لأجل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال -رضي الله تعالى عنه-: كل خير قد أصبت؛ أي بسبب الإسلام والهجرة أصبت الخير العظيم. وفي هذا بيان أن حقيقة الخير والسعادة والراحة هي بإقامة هذا الدين العظيم والتمسك به، بطاعة الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام. فهو قد هاجر وترك بلده وترك أهله وعشائره، ومع ذلك لم يحزن على ما ترك وما فات، بل أخبر أنه وجد كل خير بهجرته إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا من هاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فإنه لا يحزنه تركه لبلاده التي هاجر منها وتركها؛ لأنه ترك ذلك لأجل الله، وكذلك لوجه الله سبحانه وتعالى، فإنه -إن شاء الله- لا يجد إلا الخير. قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مر بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا -ثلاثا-؛ أي كررها النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات. لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا؛ يعني فاتهم خيرا كثيرا، وذلك بسبب كفرهم وعدم إسلامهم. فاتهم خير الدنيا والآخرة؛ خير الدنيا بالإيمان بالله جل وعلا والقيام بطاعته، وخير الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار. فالمشرك لا يدخل الجنة؛ بل الجنة عليه حرام، كما قال الله سبحانه وتعالى: «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار». وإذا حرم الإنسان الجنة، فقد حرم الخير كله؛ لقد حرم الخير كله. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا -ثلاثا-؛ تأكيدا لهذا الأمر. فمر بقبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا -ثلاثا-. أدرك هؤلاء؛ يعني وجدوا وأصابوا الخير الذي وعد الله سبحانه وتعالى به. فكل مسلم مؤمن موحد، فإن مصيره الجنة التي وعد الله سبحانه وتعالى للمتقين. فالمسلم المؤمن يدرك الخير في الدنيا بطاعته لربه والقيام بعبوديته، وما يكون في القلب من طمأنينة وراحة، وفي الآخرة بما يكون من دخول الجنة ونجاته من النار. فهذا أعظم خير وأعظم فوز يلقاه المؤمن يوم القيامة؛ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة، فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. قال: فحانت من النبي صلى الله عليه وسلم نظرة؛ أي لفتة، التفت عليه الصلاة والسلام، فرأى رجلا يمشي في القبور وعليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألقي سبتيتيك. فنظر الرجل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، خلعهما، فرمى بهما. والسبتيتين: النعال السبتية، نوع من النعال تصنع من جلود البقر، تدبغ وتلبس. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا صاحب السبتيتين، ليس معنى هذا أن هذا الحكم خاص بمن يلبس مثل هذه النعال، وإنما نداه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كونه لابسا لها. وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبهه إلى خطأ ما فعل، وأنه ينبغي أن ينزعها. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلعهما. والنبي صلى الله عليه وسلم نبهه إلى ذلك لما ناداه بقوله: يا صاحب السبتيتين. وفيه أنه لا يجوز للإنسان أن يمشي بين القبور بنعاله؛ لأن ذلك مما لا ينبغي أن يفعل مع الأموات، حتى لا يتأذون بذلك. فإذا مشى الإنسان بين القبور، فيخلع نعليه، إلا إذا كان ضرورة؛ إذا كان لا يمكن أن يمشي بينها إلا حافيا لكونها مثلا مليئة بالشوك، أو كانت فيها رمال شديدة الحرارة، فهذا إذا كان الأمر كذلك فيجوز. والضرورات تبيح المحظورات. أما إذا لم يكن ضرورة، فلا يجوز أن يلبس النعلين ويمشي بين القبور؛ وذلك كما قلنا لأنه ينبغي احترام أصحاب القبور. والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن وطء القبور والجلوس عليها، كل ذلك مما ينبغي أن يراعى فيه المسلم ولو كان ميتا. ومنها كذلك المشي بالنعال بين القبور. قال: باب البناء. قال: حدثنا إبراهيم المنذر، قال: حدثنا محمد بن أبي فديك، عن محمد بن هلال: أنه رأى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من جريد، مستورة بمسوح الشعر. فسألته عن بيت عائشة، فقال: كان بابه من جهة الشام. فقلت: مصراعا كان أو مصراعين؟ قال: كان بابا واحدا. قلت: من أي شيء كان؟ قال: من عرعر أو ساج. ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب بقوله: باب البناء؛ أي ما ورد في السنة في التزيد في البناء. وقد ذكر رحمه الله في أبواب قد مضت نحو هذا الباب، وتبوب عليه بقوله: التطاول بالبنيان. وذكر فيه أثرا عن داود بن قيس، قال: رأيت الحجرات من جريد النخل. فذكر نحو هذا الأثر. وأراد رحمه الله بذلك بيان أنه لا ينبغي المغالاة في البناء، بناء البيوت وزخرفتها وتزيينها. وأنه ينبغي أن يكون المسلم متهيأ للموت، ويأخذ من الدنيا ما يستعين به للآخرة. يأخذ من الدنيا ما يستعين به للآخرة، فيتخذ من البيوت ما يستره، ويدفئ في الحر والبرد، وكذا أيضا يقيه الحر. ولا ينبغي التوسع في هذا الأمر، أمر البناء. فذكر فيه أثر محمد بن هلال: أنه قال: أنه رأى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من جريد، مستورة بمسوح الشعر؛ من جريد؛ أي جريد النخل، مستورة بمسوح الشعر. والمراد بها: الكساء من شعر، ويكون غليظا؛ لأن جريد النخل لا يستر من بداخله، وتجد بعض البدو إلى اليوم ربما يبنون بعض البيوت أو الغرف بجريد النخل، فتجد من داخلها يرى. فكانت تغطى بمسوح الشعر حتى لا يرى من بداخلها. فكانت حجر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام -وهي بيوت النبي صلى الله عليه وسلم- من جريد النخل، مستورة بمسوح الشعر. فسألته عن بيت عائشة، قال: كان بابه من جهة الشام؛ أي جهة الشمال. فقلت: مصراعا كان أو مصراعين؛ يعني باب الحجرة، هل كان مصراعا أو مصراعين، كما نقول: ذو ردفة أو ردفتين. فقال: كان بابا واحدا؛ يعني ذو ردفة واحدة فقط. قلت: من أي شيء كان؟ قال: من عرعر أو ساج؛ أو نوع من أنواع الشجر. فهذا كان بيت عائشة -رضي الله عنها- وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم، من جريد مستور بمسوح الشعر، له باب واحد. وهي حجرة كانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن حجر، كل واحدة لها حجرة. وهو عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق وأكرم الخلق عند الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فكانت هذه بيوته عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا إبراهيم المنذر، قال: حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتا يوشونها وشي المراحيل». قال إبراهيم: يعني الثياب المخططة. والحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن علامة من علامات الساعة الصغرى: «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتا يوشونها وشي المراحيل»؛ يعني يزخرفونها ويزينونها. وشي المراحيل: المراحيل، المراد بها: قيل صور الرحال، صور الرحال، وهي الإبل بأكوارها. فمعناها أنهم يطيلون بناءها ويزينونها ويزخرفونها حتى ترى كأنها إبل بأكوارها. وقيل: معنى تخطيطها وتجعل كالثياب المخططة، كما قال إبراهيم المنذر: يعني الثياب المخططة. والمراد به زخرفتها وتزينها. وهذا الأمر قد وقع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فتجد البيوت الكثيرة عليها أنواع وأشكال من التخطيط والتزين، وكذلك التنميق، وذلك من زخرفة البيوت. فهذه علامة من علامات الساعة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقعت. وفي هذا دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ إذ أنه أخبر بأمر لم يقع فوقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام. والمقصود من هذا الباب -كما سمعنا- هو التحذير من المغالاة في بناء البيوت وزخرفتها وتزينها.

شاركنا على