كتاب البيوع 22

كتاب البيوع 22

الدرس في كتاب البيوع 22، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أحكام العمرى والرقبى وأنواع العمرى في الفقه الإسلامي

يشرح المقطع مفهوم العمرى والرقبى كنوعين من الهبة الجاهلية التي أقرها الإسلام مع إبطال شرط الرجوع فيها. ويوضح أنواع العمرى الثلاثة مبيناً قول الجمهور بجواز المؤبدة والمطلقة وبطلان شرط الرجوع في المشروطة بالمذهب الحنبلي.

صحة شرط رجوع الهبة للواهب ومكانة أبي هريرة

يناقش المقطع صحة شرط الواهب برجوع الهبة مستدلاً بحديث المؤمنون على شروطهم ورواية جابر وهو قول الجمهور. ثم يستعرض فضل أبي هريرة وملازمته للنبي ودعاء النبي له بالحفظ والرد على الطعون فيه.

أحكام الجوار وحق الجار في وضع خشب على جدار جاره

يوضح المقطع حديث النهي عن منع الجار من غرز خشب في جداره إذا لم يضر، ويستعرض أقوال العلماء بين الوجوب والاستحباب. ويؤكد أن الأصل في الجوار التعاون والإحسان وأن القول بالاستحباب أقرب لمقاصد الشرع.

تحريم ظلم الأرض وأنواع الظلم في ضوء حديث عائشة

يشرح المقطع حديث عائشة في ظلم قيد شبر من الأرض ويقسم الظلم إلى ثلاثة أنواع: الشرك، ظلم العباد، وظلم النفس. ويبين وعيد الغاصب يوم القيامة واختلاف العلماء في حقيقة التطويق بسبع أرضين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي مسائل وأحكام تتعلق بالإيجارة، وهي من الأحكام المتعلقة بكتاب البيوع من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبدالغني ابن عبدالواحد ابن علي ابن سرور المقدسي رحمه الله تعالى. ثم ختم هذا الباب الهام الذي يتعلق بالرهن وغيره، ختمه بثلاثة أحاديث. أولها: قال عن جابر ابن عبدالله رضي الله عنهما قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وفي لفظ: «من أعمر عمرا له ولعقبه فإنها للذي أعطيها، لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث». وقال جابر: «إنما العمرا التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك». قال: «فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها، وصاحبها هو الذي أعطاها». قال رحمه الله تعالى: قال وفي لفظ لمسلم: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرا فهي للذي، فهي للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه». وعقبه المقصود بهم العقب هم أولاد الإنسان ما تناسلوا، ومنه قوله عز وجل: ﴿ماذا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾. ﴿لعلهم يرجعون﴾. وهذا الحديث وما جمع من ألفاظ وروايات فإنها تتعلق ببيان أحكام العمرا. ولهذا بعض الشراح ممن اعتنى بالعمدة جعل هذا الحديث بابا مستقلا، فقال: باب العمرا. العمرا والعمرا بضم العين، وفيها ألف مقصورة، وليست بالتاء المربوطة. فرق بين العمرا وبين العمرا: العمرا هي قصد البيت الحرام لأداء مناسك العمرة من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير. لكن العمرا هذه مشتقة من العمر، والعمر أي الحياة. يقال: أعمرته الدار عمرا، أي جعلتها له يسكنها مدة عمره، يسكنها مدة عمره. وهكذا كانوا يفعلون في الجاهلية. وهكذا كانوا يفعلون في الجاهلية. وماذا العمرا؟ وهكذا مثلها الرقب. العمرا كما سبق: يعطيه الدار، ويهب له أن ينتفع بها، يسكنها هو. إما أن يقول: مدة عمرك، أو مدة عمري، أو يقول: هي لك ولأولادك وعقبك من بعدك. وإما أن يطلقها، يقول: ماذا أعمرتك هذه الدار؟ وهذه أحوال ثلاث سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام عنها. وأما الرقب: فأن يعطي إنسان إنسانا آخر دارا أو أرضا أو سيارة أو غيرها من أنواعي العطية، فإن مات أحدهما فهي للآخر. يعطيه دارا، أرضا، سيارة، إلى غيرها، فإن مات أحدهما فهي للآخر. قالوا: فكانوا ماذا؟ فكانوا يترقب، أو كلاهما يترقب وفاة الآخر، يترقب وفاة الآخر ليأخذ هذا هذا المال. ولهذا سميت رقبا لأن كل واحد يترقب الآخر الذي يموت أول، فتكون للثاني، فيترقب كل منهما وفاة صاحبه لكي يكون هذا المال له، يكون هذا المال له. العمر والرقب كلاهما يعتبران من أنواع الهبة، من أنواع الهبة. وكانوا في الجاهلية يتعاطونها، فيعطي الرجل الرجل الآخر يعطيه مثلا دارا أو غيرها، ويقول له: أعمرتك إياها، أو أعطيتك، أو أعطيتكها عمرك أو عمري، يعني مدة عمرك أو مدة عمري، على حسب ما يحدده. فكانوا يترقبون موت الموهوب له ليرجعوا في هبتهم. فشرعنا الحكيم أقر الهبة وأبطل هذا الشرط المعتاد لها وهو الرجوع، وهو الرجوع. لماذا؟ لأن العائد في هبته كالكلب يقي ثم يعود في قيئه. ولهذا كما مر معنا في حديث جابر ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعمر لمن وهبت له. وهكذا أيضا لعقبه من بعده. وهكذا أيضا لعقبه من بعده. ونبههم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية المحافظة على أموالهم، لأنهم يظنون أن الأمر كما كان عليه في الجاهلية: يعطي الشخص عطية ثم إذا مات هذا الشخص أتى وأخذها منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعمر لمن وهبت له. وهذا الحديث، وهكذا ما بعده من الروايات التي هي لهذا الحديث، فيها دليل على صحة هبة العمر، هبة العمر، وأنها تعتبر من منحي الجاهلية التي أقرها الإسلام وهذبها بمنع الرجوع فيها. لماذا؟ لأنه في الرجوع شيء من الدناء والبشاعة. وهكذا أيضا بينت هذه الأحاديث أن العمر تكون للموهوب له، أي لمن أعطيت له. وهكذا تكون لعقبه من بعده، أي لأولاده وذريته من بعده، سواء كانت هذه العمر مؤبدة أو كانت مطلقة. طيب، وهنا يتلخص لنا أن العمر على ثلاثة أحوال. ركزوا يا إخوان: العمر على ثلاثة أحوال. عمر يقال لها مؤبدة، كقوله: هي لك ولعقبك من بعدك. هي لك، أي هذه الدار أو هذه الأرض أو هذه السيارة أو غيرها من الأموال، يقول: هي لك ولمن؟ ولعقبك، لأولادك، لذريتك من بعدك. هذه تسمى مؤبدة. هناك عمر مطلقة: يعني يطلق الواهب القول فيها، يقول: هي لك عمرك أو عمري. يقول: هي لك عمرك، أو يقول: هي لك عمري، أي مدة عمري. وهناك عمر ثالثة يقال لها مشروطة: أي يشترط الواهب رجوعها إليه بموت أحدهما، بموت أحدهما. يقول: هذه الدار لك، هذه الدار لك مدة عمرك، لكن شف: إذا مت فإنها تعود إلي. هنا شرط وقع من الواهب، وقع من الواهب. والنوع الأول والثاني: المؤبدة والمطلقة، هذه تعتبر ماذا؟ جائزة، وهي كذلك أيضا تكون للموهوب له على التأبيد، على التأبيد. ففي الأولى المؤبدة لصراحة اللفظ: لك ولعقبك من بعدك، لفظ صريح أنها تكون له ولأولاده، فيتملكها إلى الأبد، إلى الأبد. والعمر المطلقة هي التي كان أهل الجاهلية يتعاملون بها، يقول أحدهما للآخر: هي لك عمرك، أي مدة عمرك، أو يقول: هي لك عمري، أي مدة عمري، أو يسكت، يقول: هي لك، هي لك. فهذا الذي عليه أهل الجاهلية الأولى، وأتى الإسلام وأقر العمر وهذبها. فمثل هذه إذا قال: هي لك عمرك، أو هي لك عمري، فالهبة صحيحة. لكن ماذا خالف النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية؟ فجعل الحق للموهوب له، وليس للواهب أن يعود فيها، وليس للواهب أن يعود فيها. ففيها إلغاء لسنة الجاهلية. وعلى هذا الجمهور من أهل العلم. بقي معنا النوع الثالث وهي المشروطة: يقول هذه الدار أو هذه الأرض لك، فإذا مت فإنها ترجع إلي، فإنها ترجع إلي. وهذه يا إخوان فيها خلاف بين العلماء، بين العلماء. فالمشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الشرط يعتبر لاغيا. كيف يعتبر لاغيا؟ إذا ألغينا الشرط، هذه العمرة وهذه الهبة ستكون لمن؟ بعد وفاة الموهوب له. إذا ألغينا الشرط، لمن ستكون؟ إذا ألغينا الشرط، هو يقول: هذه الدار لك مدة عمرك، لكن اسمع: إذا مت فإنها تعود إلي. هذا شرط. أحمد وغيره، آه، ماذا ذهبوا؟ ذهبوا إلى إلغاء الشرط. إذا ألغينا الشرط، فهذه العمرة ستكون لمن؟ إذا مات الموهوب له، نعم للورثة، أي ورثة الموهوب له. أحسنت. إذا ألغينا الشرط، ستكون هذه العمرة لورثة هذا الشخص، وليس للواهب منها شيء، وليس للواهب منها شيء. فتكون الهبة على التأبيد، على التأبيد. وذهب جماعة من أهل العلم، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الشرط صحيح، إلى أن الشرط صحيح. منهم الزهري ومالك، وهكذا أيضا أبو ثور وداود، وهو رواية كذلك عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع، وعزاه الحافظ في الفتح إلى أكثر العلماء، إلى أكثر العلماء. ما دليلهم؟ دليلهم أولا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون على شروطهم»، «المسلمون أو المؤمنون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا». أكذا مر معنا في ماذا؟ الشروط في البيع. وحديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: «المؤمنون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا». أيضا هناك دليل أصرح من هذا، وهو ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في حديث الباب في اللفظة الثالثة، في حديث جابر: قوله: «وقال جابر» أي ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: «قال إنما العمر التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول» أي الواهب «أن يقول للموهوب: هي لك، هي لك ولعقبك». هذه تسمى ماذا؟ هي لك ولعقبك. نعم، هي لك ولعقبك، مطلقة؟ نعم، مؤبدة. هي لك ولعقبك، ولذريتك، ولأولادك من بعدك. هذه أبدها، يعني هبة، يعني ماذا؟ ملكها مؤبد لهم. طيب، قال: «فأما إذا قال» لاحظ: «فأما إذا قال: هي لك ما عشت، هي لك ما عشت، قال: فإنها ترجع إلى، قال: فإنها ترجع إلى صاحبها». فإذا اشترط، إذا اشترط الواهب أن الهبة تعود إليه وترجع له، فهذا الشرط يا إخوان على الصحيح من أقوال أهل العلم أنه شرط صحيح معتبر، وأن الهبة إذا مات الموهوب له فإنها ترجع إلى صاحبها، فإنها ترجع إلى صاحبها. لأن المؤمنين على شروطهم. وهكذا أيضا لهذه الرواية في حديث جابر التي أخرجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، في صحيحه. قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره». لا يمنعن جار جاره أن يغرز، ومعنى يغرز أن يضع، يضع الخشب على جدار جاره، أن يغرز خشبه في جداره. ثم يقول أبو هريرة: ما اسم أبي هريرة؟ ما اسم أبي هريرة؟ هريرة، نعم يا أبا الصديق، عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وما كنيته؟ وما كنيته؟ أبو، أبو هريرة. من كناه بهذه الكنية؟ الرسول صلى الله عليه وسلم. وكما سبق معنا، أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، والمكثرون في رواية الأثر. من يكمل؟ والمكثرون في رواية الأثر، يا أبا محمد؟ أبو هريرة يليه ابن عمر، طيب، وأنس، والحبر أي ابن عباس، والخدري أي أبو سعيد، وجابر أي ابن عبد الله، وزوجة النبي، من زوجة النبيها هنا يا أبا... حديث عائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأبو هريرة ماذا جمع؟ أحاديثا لم يجمعها غيره، مع أنه لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا إلا كم؟ أين أبو النعمان؟ أسأل الله عز وجل أن يشفيه ومرضى المسلمين. نعم تفضل: خمس سنوات، من كم إلى كم؟ يعني خمس الأولى أو الأخيرة؟ الأخيرة، يا أبا محمد. أكما يقول؟ كيف يعني ليست خمس؟ أحسنت، هي أربع سنوات الأخيرة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم. فأسلم في عام خيبر، أي في السنة السادسة من الهجرة، في عام خيبر، آخر السادسة، بداية السابعة، وبقي ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا يعني ماذا نال هذا الخير كما سبق معنا لأمرين اثنين، ما هما يا أبا عبد الله؟ ما هما؟ كيف أبو هريرة حفظ وجمع ما لم يجمعه غيره، مع أنه لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا آخر أربع سنوات عاشها عليه الصلاة والسلام؟ وهذا يرجع لأمرين وسبابين اثنين: الأول، أحسن، يعني ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم. في البخاري قال أبو هريرة: يقولون، أي الناس: أكثر أبو هريرة، يعني من أين له هذه الأحاديث وهو لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا متأخرا؟ قال: والله الموعد، والله الموعد، فقد كان يشغل إخواني المهاجرين الصفقة في الأسواق، بيع وشراء، ويشغل إخواني الأنصار حدائقهم ومزارعهم. قال: وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، يعني كان يصبر على الجوع، يغمى عليه، يا إخوان، من شدة الجوع. أرأيتم صبر طلاب العلم على طلب العلم؟ يجلس أبو هريرة حتى يغمى عليه ويغشى عليه، وماذا يرتم على الأرض من شدة الجوع؟ يأتي الأعرابي الذي لا يعرفه فيضع رجله على أبي هريرة، يظن أنه ماذا؟ أنه مجنون. قال: وما بي جنون، إنما هو الجوع، إنما هو الجوع. ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا عظيما، قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لقد ظننت ألا يسألني عن هذا أحد غيرك يا أبا هريرة، لما رأيت من حرصك على العلم». في رواية: «لما رأيت من حرصك على الحديث». حرص يا إخوان، والملازمة والمصابرة، فنتيجتها النجاح والفوز ونيلوا المقصود، نيلوا المقصود. الأمر الثاني: ما هو الأمر الثاني يا أبا طاهر؟ معنا؟ نعم موجود. فضل، ذكراء الأول، بقياء الثاني. نعم، أحسنت، يعني بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة أن يحفظ الحديث فلا ينسى، يحفظ الحديث فلا ينسى. لهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: قال والحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة، ذروتهم أبو هريرة. وكم طعن فيه الطاعنون! ما سلم أبو هريرة من اللمز والغمز والطعن. طعن فيه المبتدعة، لماذا؟ لأنه روى أحاديثا تخالف بدعهم، فكيف يدافعون عن البدع إلا بالطعن في الأمانة والنقلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وآ... يختلقون حكايات وروايات عن أبي هريرة لكي يسقطوه. ومما ذكروا: قالوا لما قامت الحرب بين علي ومعاوية، تسمى معركة ماذا؟ بين علي ومعاوية، يا أبا أحمد؟ معركة صفين. قالوا: أبو هريرة كان يصلي خلف علي، وكان يأكل عند من؟ عند معاوية. فإذا التحم الجيشان جلس على الجبل ينظر ويتابع أحداث المعركة. قالوا: سئل عن ذلك، فقال: الصلاة خلف علي أتم، والطعام عند معاوية أدسم، دسم، والجلوس على الجبل أسلم. وهذا يا إخوان لا يليق بأبي هريرة، فهي من الحكايات المكذوبة التي ماذا؟ كذبت على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. نعم، قال: قال رحمه الله تعالى: قال ثم يقول أبو هريرة: «ما لأراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، بين أكتافكم». وفي لفظ: أن أبا هريرة قال: «والله لأرمين بها بين أكنافكم»، أي بي أنون بدلا من التاء، والأكناف جمع كنف، وهو الجانب، وهو الجانب. وهذا الحديث فيه بيان لأحكام تتعلق بالجوار، تتعلق بالجوار. وأن الجار إذا احتاج أن يضع خشبه على جدار، على جدار جاره، وليس هناك ضرر على الجار، فلا يجوز للجار أن يمنعه من ذلك، أن يمنعه من ذلك. ونبه بعض العلماء إلى أن لفظ «لا يمنعن» هذه ليست في الصحيحين، لا يمنعن ليست في الصحيحين، وإنما هي عند أحمد. ولفظ الصحيحين: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، في جداره. وقوله ههنا: «لا يمنعن»، هذه اللا ماذا تسمى؟ لا يمنعن، اللا ماذا تسمى؟ نعم، لا الناهية، هذه لا الناهية، وهي تجزم الفعل الذي بعدها، وما بعدها مجزوم بها. ولماذا حركوا؟ قالوا لاتصاله بنون التوكيد المثقلة، بنون التوكيد الثقيلة. قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره». والجدار هو الحائط، الحائط الذي يكون في جانب، في جانب البيت. ومعنى هذا الحديث يا إخوان: ماذا يبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه؟ أن للجار على جاره حقوقا تجب مراعاتها. جاء في الكتاب العزيز وفي السنة الأمر بالإحسان إلى الجار والحث على ذلك: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب﴾. الجار ذي القربى: قيل الجار الذي بيته قريبا من بيتك، والجار الجنب: الذي بيته بعيدا عن بيتك. وقيل: والجار ذي القربى أي الجار الذي بينك وبينه قرابة، أخوك جارك، ابن عمك جارك، ابن خالتك جارك. والجار الجنب: الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقيل: والجار ذي القربى أي الجار المسلم، والجار الجنب أي الجار الذي ليس بمسلم. انظر كيف أمر الله عز وجل بالإحسان إلى الجيران. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث ابن عمر في البخاري وغيره: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت، أي من كثرة الوصية، قال: حتى ظننت أنه سيورثه، أي سيجعله وارثا، أي سيجعله وارثا». «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، فليكرم جاره». وهكذا ماذا تجب بين الجيران؟ العشرة الحسنة، يا إخوان، العشرة الحسنة، وأن يكف كل منهما عن أذى الآخر. قال عليها الصلاة والسلام: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، يعني شروره، يعني شروره. فلا يجوز للجار أن يؤذي جاره. ومن حسن الجوار يا إخوان، ومن حق الجار على جاره أن يبذل بعضهم لبعض المنافع، كل منهم ينفع الآخر. وهذه المنافع إذا لم يكن يترتب عليها ضرر على الجانب الآخر. ومن هذه المنافع ما جاء في هذا الحديث: أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره إذا احتاج الجار أن يضع خشبه على جدار الجار. تعرفون البيوت القديمة كيف حالها؟ كل بيت ملاصق بالآخر. كانت يا إخوان صدورهم أوسع ونفوسهم أطيب. أخوه يبني بعيدا، يقول: لا، ليش تذهب بعيدا؟ تعال بجانبي. وبدلا من أنك تبني أربع جدران، ستبني كم؟ ثلاث جدران، ثلاث جدران، والرابع، الرابع جداري. هات عود سقفك وضعه على جداري.كذا كان الناس، وكان التعاون بينهم كبير. كانوا يصنعون فتحات من البيت هذا إلى البيت الثاني، بدلا من أنه يخرج من الباب إلى باب جاره، هناك فتحات، شرف، نوافذ صغيرة. ما فائدتها؟ يتبادلون الحوائج. هذا يريد ملح، قال: خذ الملح. وهذا يريد كبريت، قال: خذ كبريت. وهذا يقول: السكر انتهى علي، هات قليل سكر، يعطى سكر. فكان الجوار شأنه عظيم. اليوم لا، يا إخوان، اليوم يركن أرضيته، والجار يراقب: ها، انتبه لك، بعيد، هناك لا تقرب، لماذا خرجت؟ إلى غير ذلك. فالمصالح بين الجيران قلت، وحقوق الجوار ضعفت بين الجيران. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمنعن» أو «لا يمنعن جار جاره أن يغرز»، أن يضع خشبه على جداره، أي على حائطه، ما يمنعه. لكن بشرط يا إخوان: أن لا يكون هناك ضرر على الجار. إذا كان الجدار ضعيف، تعبان، يا الله، يحمل خشب صاحبه، فيأتي شخص ويمني، ويقول: يا فلان، لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبه على جداره. قال: انظر إلى الجدار، مشقق، ضعيف، إذا وضعت خشبك عليه سيسقط، لا أنا ولا أنت سينتفع به. فإذا كان هناك ضرر على صاحب الجدار، فلا يلزمه أن ماذا؟ أن يسمح لجاره، بأن يضع خشبه عليه. فالضرر يا إخوان لا يزال بالضرر، الضرر كما يقول العلماء لا يزال ويرفع بضرر مثله، بضرر مثله. وهكذا أيضا في هذا الحديث الحث على التعاون والتسامح بين الجيران، وأن يقوم كل منهم بحق الآخر، الآخر، وتحريم أذى الجار، وتحريم أذى الجار. وهكذا أيضا يقاس على الخشب، يقاس على الخشب غيرها من المنافع. إذا كان جارك يحتاج وأنت ليس عليك ضرر، فلا ينبغي يا إخوان أن يمنع الجار جاره ويحرمه من هذه المنفعة. اختلف العلماء في ماذا؟ أنه هنا، هل هو للتحريم أم أنه لمجرد الكراهة، لمجرد الكراهة؟ فذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا قال بقوله إسحاق وجماعة من أصحاب الحديث، إلى أنه يجب على الجار أن يبذل، أه، ماذا؟ أن يبذل لجاره هذه المنفعة، فيمكنه من أن يضع خشبه على، على جداره، إذا كان الجار يحتاج لهذا، وهكذا أمن الضرر على صاحب الجدار. قال: يجب، ولا يجوز له أن يمنعه، ولا يجوز أن يمنعه. وإذا رفض الجار صاحب الجدار، قال للسلطان أن يجبره على ذلك، أن يجبره على ذلك. وبهذا القول قال بعض المالكية، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهكذا أيضا رويا قولا لأبي حنيفة رحم الله الجميع. والمشهور في مذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي ومالك، أنهم يقولون: لا يجوز للجار أن يضع خشبه على جدار جاره إلا بإذنه، إلا بإذنه. إذا أذن له وضعه، وإذا لم يأذن له فلا يجبر على ذلك. ما الدليل؟ قالوا: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، نفسه طيبة. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، في بلدكم هذا». فقالوا: الأصل في الأموال الحرمة، ولا يجوز أن يتصرف في مال مسلم إلا ونفسه طيبة بذلك. أصحاب القول الأول أجابوا عن هذه الأدلة أنها عامة، يخصصها ماذا؟ يخصصها حديث أبي هريرة هذا. قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره». وعلى كل يا إخوان، فالذي يناسب مقام الجوار هو أنه يستحب ولا يجب على الجار أن ماذا؟ يقبل وضع الخشب على جداره، إذا لم يكن هناك مضرة تترتب عليه، وكان لجاره منفعة ومصلحة. فقول الأئمة الثلاثة ومن قال بقولهم أقرب ها هنا. وماذا؟ والحديث يحمل على الاستحباب لا على الوجوب، لا على الوجوب. وهذا الحديث وغيره وما كان في معناه كما سبق يدل على أهمية المعاملة الحسنة بين الجيران. وبوب عليه بعض العلماء وترجم له بباب أحكام الجوار. وفي كتب الفقه ماذا يترجمون للجوار وأحكامه؟ بعضهم يترجم ترجمة خاصة مستقلة لذلك، مستقلة لذلك. ثم ختم هذا الباب، ختم هذا الباب بحديث أمهات، وهي أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله تعالى عنها. قال: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين، طوقه من سبع أرضين». وهذا الحديث فيه تحريم الظلم، وهكذا فيه تحريم غصب الأرض، وأن ذلك يعتبر من أعظم الظلم. والظلم يا إخوان حقيقته وضع الشيء في غير موضعه الصحيح، في غير موضعه الصحيح. وبين عليها الصلاة والسلام أن الظلم على ثلاثة أنواع: ظلم لا يغفره الله، وظلم لا يتركه الله، وظلم أمره إلى الله عز وجل، إن شاء عفا وغفر، وإن شاء عذب وعاقب، عذب وعاقب. فما ما هو الظلم الذي لا يغفره الله؟ الشرك. ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. أي إذا مات العبد على الشرك فإن الله لا يغفره له، لكن من تاب تاب الله عليه. ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾. والظلم الذي لا يتركه الله، الذي لا يتركه الله، ما هو؟ ظلم لا يتركه الله يعني يعني مبني على المشاحة لا على المسامحة. نعم، أنت معنا يا أبا سعيد؟ معنا. فماذا؟ ليس شرك، نعم، وإنما ظلم يعني كل ظلم دون الشرك. والذي أمره إلى الله عز وجل، النوع الثالث، أين سنضعه؟ على هذا الظلم الذي لا يتركه الله، يا أبا عامر، يا أبا عامر؟ نعم، من يقول؟ أنا يا إخوان، نعم يا أبا محمد؟ نعم، الظلم الذي يكون بين الناس، ظلم الشخص لغيره، هذا يا إخوان لا يتركه الله، هذا مبني على، على المشاحة، أي عدم المسامحة، عدم المسامحة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من كان عنده لأخيه مظلمة من مال أو عرض أو شيء فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات، إنما هي الحسنات والسيئات». وهذا النوع من أنواع الظلم الذي تطرق له حديث الباب. طيب، والثالث، يا أبا عبد الرحمن، الذي أمره إلى الله عز وجل، إن شاء غفره، وإن شاء عذب وعاقب صاحبه؟ ﴿تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾. إذا ظلم النفس، وكيف يظلم الإنسان نفسه؟ بأن يوقعها في الذنوب والمعاصي: يشرب خمر، يأكل حرام، يعني مخدرات، حشيش، قات، ثم باك، مثلا يسمع غناء، ينظر إلى الصور المحرمة، إلى غير ذلك. هذا ظلم النفس. هذا يا إخوان، ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، هذا أمره إلى الله، إن شاء غفره، وإن شاء عاقب صاحبه عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ظلم قيد شبر، قيد شبر»، وقيد شبر أي قدر شبر. ما هو الشبر يا عبد الرحمن؟ الشبر ما هو الشبر يا أبا صالح؟ ما هو الشبر؟ هذا، هذا، أحسنت، ما بين طرف، ماذا؟ أصابع اليد، هذا شبر، هذا شبر. «من ظلم قيد شبر»، أي قدر شبر من الأرض، «طوقه من سبع أرضين، طوقه من سبع أرضين». فكل المسلم على المسلم حرام يا إخوان: دمه وماله وعرضه. ولاحظوا الوعيد الشديد الذي يترتب على الظلم وعلى الغصب من الأرض، وهكذا غير الأرض. ويستوي في ذلك القليل والكثير. لو ظلم شبر لأتى به يوم القيامة، فكيف إذا ظلم ذراعا أو باعا أو غيرها من المساحات الكبيرة الكثيرة؟ فيدخل في هذا القليل، وهكذا الكثير. والظلم يا إخوان حرام، قل أو كثر. وهذه فائدة ذكر الشبر: قال «قيد شبر»، لماذا؟ لكي يبين أن الظلم ولو كان قليلا فإنه حرام ويعاقب عليه صاحبه. قال الله تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلم﴾. يأتي الناس يوم القيامة يحملون الحسنات والصلوات والدرجات، ويأتي البعض يحمل المظالم: يحمل بعير سرقه، أو بقرة نهبها، أو كبشا سرقه، أو دارا اغتصبها، أو أرضا تملكها بغير حق. فالظلم، فالظلم عاقبته وخيمة. والحديث يدل على أن غصب الأرض يعتبر ماذا؟ يعتبر من الكبائر. وهكذا أيضا فيه دليل لقاعدة الجزاء من جنس العمل، فالذي يسرق الأرض كان جزاؤه أن يعذب بها. وأخيرا، اختلف العلماء في هذا التطويق، في هذا التطويق يوم القيامة: أهو حقيقة، أو كما يعبر عنهم، أو يعبر عنه بعضهم بالمجاز؟ ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح، ذكر عن الإمام الخطابي فيه وجهان: أحدهما أن معناه أن يكلف نقل ما ظلم منها في يوم القيامة إلى المحشر، ويكون كالطوق، ويكون كالطوق في عنقه، لا أنه طوق حقيقي، لا أنه طوق حقيقي. والثاني: قال معناه ماذا؟ أن يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، أي فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقا في عنقه، طوقا في عنقه. والحافظ، والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى انتصر للقول الثاني، انتصر للقول الثاني، وأنه طوق حقيقي. وهذا يا إخوان هو الأصل، وهو الذي تدل عليه الأحاديث النبوية الصحيحة، الأحاديث النبوية الصحيحة. ذكر ابن دقيق العيد في أحكام الأحكام أن بعضهم حمل «من سبع أرضين» أي على سبع أقاليم، سبع أقاليم. وهذا يعتبر بعيدا لمخالفته لظاهر نصوص القرآن والسنة. والحق أنه سبع أرضين، فالأرض سبع كما أن السماوات كذلك أيضا سبع، كما دل على ذلك صريح القرآن وصحيح السنة. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل ما يتعلق بباب اللقطة. فالحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، الذي بنعمته تتم الصالحات. وصل اللهم على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.