الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 227، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في قيام الليل ويقول 'اللهم لك الحمد' ويطلب من الله نورا في قلبه وسمعه وبصره. هذا الدعاء يدل على أهمية الثناء على الله في بداية الصلاة.
المقطع يشرح معاني الحمد والثناء والربوبية، ويبين الفرق بين الحمد والثناء، ويشرح بعض أسماء الله الحسنى مثل نور السماوات والأرض ورب السماوات والأرض. هذه الشروحات تعين على فهم الدعاء بشكل أعمق.
الدعاء المذكور يعبر عن الإيمان بالجنة والنار والقيامة، ويتضمن التسليم لله والتوكل عليه، وطلب المغفرة من الله عن الذنوب. هذا الدعاء يعكس الخضوع الكامل لله والاعتماد عليه في جميع الأمور.
دعاء 'أنت إلهي لا إله إلا أنت' يعبر عن إفراد الله بالعبادة ونفي الألوهية عن غيره، وكان النبي يداوم عليه في صلاة الليل. يُشجع المسلم على المداومة على هذا الدعاء في صلاته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا عبد العزيز عن عبد الله، قال: حدثني عبد العزيز عن محمد، عن عبد المجيد، عن سهيل، عن عبد الرحمن، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل فصلى فقضى صلاته، يثني على الله بما هو أهله، ثم يكون من آخر كلامه: «اللهم اجعل لي نورا في قلبي، واجعل لي نورا في سمعي، واجعل لي نورا في بصري، واجعل لي نورا عن يميني، ونورا عن شمالي، واجعل لي نورا من بين يدي، ونورا من خلفي، وزدني نورا، وزدني نورا، وزدني نورا». الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقد تكلمنا على معنى هذا الحديث في الحديث الذي قبله. قال: حدثني مالك عن أبي الزبير، عن طاووس اليماني، عن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل، قال: «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيام السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وأخرت، وأسررت وأعلنت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت». وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء في قيام الليل. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: «اللهم لك الحمد»، فهو من أدعية استفتاح صلاة الليل. «اللهم لك الحمد» أي كل المحامد فهي لك، فالحمد الثناء على الله سبحانه وتعالى مع المحبة والتعظيم، فهذا هو الحمد. وإذا خلا عن المحبة والتعظيم فهو مدح، الثناء من غير محبة وتعظيم مدح، ومع المحبة والتعظيم فهو حمد. وأل فيه للاستغراق، أي كل المحامد فهي لك. وتقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص والحصر، تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص. «اللهم لك الحمد» أي كل المحامد فهي لك وحدك، فأنت المستحق للحمد. والله جل وعلا يحمد لكماله ولفضل إنعامه. «أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن»، فالله جل وعلا نور السماوات والأرض، قيل: زينة السماوات والأرض، كما يقال: فلان نور البلد، أي زينتها. وقيل: نور السماوات والأرض، أي الله عز وجل منورها، منورها النور الحسي والمعنوي، فالحسي بما يكون فيها من إضاءة الشمس وكذا إضاءة القمر، أو كذلك المعنوي، وهو نور الهداية والإيمان. قال: «ولك الحمد، أنت قيام السماوات والأرض»، أي أنت القائم بنفسك المدبر للأمور، وهكذا المقيم لغيرك، فالله جل وعلا قائم بنفسه، وهو المقيم لغيرهم يا الخلق، المدبر لشؤونهم، وكذلك المتصرف فيهم. «ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن»، فالله جل وعلا هو الرب الذي له صفات ربوبية، فهو المتفرد بالخلق والملك والتدبير. «أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن»، وهو جل وعلا المستحق للعبادة وحده، فإن الإيمان بالربوبية يستلزم الإيمان بالألوهية، فالذي اتصف بالصفات الكمال وتفرد بالخلق والملك والتدبير، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده. قال: «أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق». «أنت الحق» أي أنت الإله الحق الموجود الذي يستحق أن يعبد، لا شك في ذلك ولا ريب. «ووعدك الحق» أي ما أخبر الله سبحانه وتعالى به ووعد، فهو حق، ومن أصدق من الله قيل: ومن أصدق من الله حديثا. «ولقاءك الحق» أي لقاؤك حق إلى الموت، وقيل: ما يكون بعد الموت من البعث والنشور والوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وإتضمن كذلك أمور الآخرة. «والجنة حق، والنار حق»، أي أن الجنة موجودة أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، والنار كذلك حق، خلقها الله عز وجل وأوجدها لعباده الكافرين والمجرمين، وهما موجودتان مخلوقتان كما أخبر الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿فِي الجَنَّةِ عُدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وفي النار: ﴿عُدَّةٌ لِلْكَافِرِينَ﴾، خلافا لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم الذين أنكروا وجود الجنة والنار. قال: «والساعة حق»، أي القيامة التي أخبر الله سبحانه وتعالى بها، فهي حق، ولا يعلم متى تأتي إلا الله سبحانه وتعالى. «اللهم لك أسلمت وبك آمنت»، «لك أسلمت» أي انقاد وخضع لك، فالإسلام هو الانقياد لله سبحانه وتعالى، الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص والبراءة من الشرك وأهله. «لك أسلمت وبك آمنت» أي صدقت. «وعليك توكلت» أي اعتمدت وفوضت أموري إليك، فلا أعتمد إلا على الله سبحانه وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب الشرعية. قال: «وإليك أنبت»، «إليك أنبت» أي رجعت، وكذلك خضعت لله سبحانه وتعالى. «وبك خاصمت وإليك حاكمت» أي خاصمت من خاصمت من الكفار بالله سبحانه وتعالى بما آتيتني من علم وهدى وإيمان، وإليك حاكمت. «وإليك حاكمت» أي عند حصول الأمور التي تحتاج إلى حكم، أو كذلك عند الأخذ بالأمور، فالتحاكم هو إليك، «إليك حاكمت»، لا أتحاكم إلى أحد من الخلق أو إلى أحكام الجاهلية، بل أتحاكم إلى الله سبحانه وتعالى بما أمر الله عز وجل في كتابه، وأمر به النبي عليه الصلاة والسلام في سنته. «فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وأسررت وأعلنت»، هذا سؤال من الله عز وجل المغفرة. «ما قدمت» أي مما مضى، «وما أخرت» أي ما سيقع في المستقبل، «وأسررت وأعلنت» أي ما أظهرت وما أخفيت، فأنت تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك جميع ذنوبك، ما قد مضى منها وما سيقع منها في المستقبل، مما علمه الله سبحانه وتعالى، وهكذا ما أظهرت وأعلنت وما أسررت وأخفيت، فكل ذلك يعلمه الله، فإنك تستغفر الله عز وجل حتى يغفر لك. «أنت إلهي لا إله إلا أنت» أي أنت المستحق للعبادة وحدك، لا إله إلا أنت، لا مستحق للعبادة إلا أنت، وما عبد غيرك من آلهة فهي آلهة باطل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. فهذا الدعاء كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الليل، فينبغي أن يحافظ عليه المسلم إذا قام لصلاة الليل يدعو بهذا الدعاء.