التعليقات على كتاب الأدب المفرد 195

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 195، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الاستعاذة بالله من جهنم

يبدأ الحديث حول أهمية الاستعاذة بالله من جهنم، وهي النار التي لها أسماء متعددة، ويشرح معنى طلب اللجوء والاعتصام بالله لدفع هذا الشر.

عذاب القبر وفتنة المسيح الدجال كأمور تستحق الاستعاذة

يتطرق إلى عذاب القبر الذي يحدث بعد الموت مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما يتحدث عن فتنة المسيح الدجال كعلامة من علامات الساعة الكبرى.

الاستعاذة من الفتن في الصلاة

يتناول كيفية الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال وفتنة المحيا والممات بعد التشهد الأخير في الصلاة، ويبين اختلاف العلماء حول وجوب أو استحباب هذه الاستعاذة.

ختام في أهمية الاستعاذة بالله

يؤكد على أهمية عدم التفريط في الاستعاذة بالله من الفتن، ويحث المسلمين على اللجوء إلى الله ليقيهم من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المسيح الدجال وفتنة المحيا والممات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا ابن سلام، وهو محمد ابن سلام البيكندي. قال: حدثنا أبو معاوية، وهو أبو معاوية الضرير، محمد ابن خازم التميمي، قيل له الضرير لأنه عمي وهو صغير، قيل ابن أربع سنين، وقيل ابن ثمان سنين، ومع ذلك فقد كان من الثقات ومن الحفاظ، وهو أثبت الناس في الأعمش بعد سفيان وشعبة. قال عن الأعمش، وهو سليمان المهران، كان يلقب بالمصحف لشدة حفظه قوته، عن أبي صالح، وهو ذكوان السمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعيذوا بالله من جهنم، استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، استعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات». هذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم، وفيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإتيان به في التشهد الأخير بعد التشهد، إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأمور الأربع. ففي هذا الحديث استحباب الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من هذه الأمور الأربع. قال: «استعيذوا بالله من جهنم»، والاستعاذة هي طلب العوذ، بمعنى اللجوء والاعتصام، أي تلجأ وتعتصم بالله سبحانه وتعالى حتى يعيذك ويبعدك عن هذه الأشياء. فالاستعاذة تكون لدفع الشر، واللوذ أو اللياذ يكون لطلب الخير. كما قال المتنبي: «يا من ألوذ فيه فيما أؤمله، ومن أعوذ به مما أحاذره، لا يجبر الناس كسرا عظما أن تكاسره، ولا يهيضون عظما أن تجابره». هذه الأبيات قالها في ملك من الملوك، وقد كفره بعض أهل العلم بسبب هذه الأبيات، لأن هذه لا تقال إلا في حق الله سبحانه وتعالى. لكن شاهدنا أن اللوذ يكون في طلب الخير، وفيما يؤمله الإنسان ويرجوه، والعوذ في طلب دفع الشر ومما يحذره الإنسان. فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من جهنم، أي من النار، وجهنم اسم من أسماء النار. فالله عز وجل قد ذكر لها أسماء كثيرة: جهنم، وسقر، والحطمة، ولظى، وغير ذلك من الأسماء، ومن طبقات ودركات جهنم. فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من جهنم، أي يعيذك الله سبحانه وتعالى منها ومن عذابها، وأن لا تكون من أهلها. فتقول: أعوذ بالله من جهنم. وهكذا تستعيذ بالله من عذاب القبر، فالعبد إذا مات من هذه الدنيا وانتقل إلى القبر، وهو أول مرحلة ومنزلة من منازل الآخرة، فإنه إما أن ينعم وإما أن يعذب، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. فقوله جل وعلا: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشية﴾ يعني في البرزخ، هذا عذاب القبر قبل قيام الساعة. فاستدل العلماء بهذه الآية على إثبات عذاب القبر. وهكذا أيضا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة بثبوت عذاب القبر، ومن أحاديث البراء الطويل الذي في السنن: أبي داود وغيره، في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما يحصل للعبد المؤمن والفاجر في قبره من سؤال الملكين له، وهكذا تمثل عمله له بصورة الرجل الطيب إن كان من أهل الإيمان، وبصورة الرجل الخبيث إذا كان من أهل الفجور والكفر. وهكذا ما يحصل له في قبره من تضييقه حتى تختلف أضلاعه، ومن ضربه كذلك بالمرزبة، وهي المطرقة، لو ضرب بها جبل لصار ترابا، إلى آخر ذلك من مخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من عذاب القبر، أن يعيذك الله عز وجل من عذاب القبر وينجيك منه. فإن الذي بيده ذلك هو الله سبحانه وتعالى. قال: «استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال»، كذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من فتنة المسيح الدجال، وهي من أعظم الفتن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس هناك شيء أعظم من بين خلق آدم إلى قيام الساعة من المسيح أو من فتنة المسيح الدجال». فتنته فتنة عظيمة، ولذلك أنذر النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وحذرهم من فتنته، وأخبر أنه ما من نبي إلا وأنذر أمته الأعور الكذاب وفتنته. كما أخبر ربي النبي عليه الصلاة والسلام أنه فتنة عظيمة، أنه يبعث قبل قيام الساعة، وهي من علامات الساعة الكبرى، معه جنة ونار، فجنته نار وناره جنة، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويمر على الخريبة -يعني المكان الخرب- فيأمر أن تخرج كنوزها، فتتبعه كنوزها كيعسيب النحل. وهكذا من آمن به أمر السماء فأمطرت والأرض فأنبتت، فتصبح ماشيتهم على أحسن حال، ومن كفر به وكذبه فإنه تمسك عنهم المطر وتجذب الأرض وتهلك ماشيتهم. وهكذا يقتل الرجل ثم يحييه، كل ذلك مما جعله الله سبحانه وتعالى على يده فتنة وامتحان. فتنة وامتحان للناس، فيدعي الربوبية والألوهية، فلذلك لعظم هذه الفتنة التي تكون بيده حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر بالاستعاذ بالله من فتنته. وسمي المسيح الدجال بالمسيح، قيل لأنه ممسوح من الخير والبركة، وقيل لأنه ممسوح العين، إذ أنه أعور، أي العين اليمنى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وسمي بالدجال لأنه كذاب، لأنه كثير الدجل والكذب، فهو كما سمعنا يدعي الألوهية ويزعم أنه هو الرب، وهو كاذب، فلذلك سمي بالدجال. وكذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بظهور المسيح الدجال، وما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من فتنته، بخلاف أهل البدع من المعتزلة، فإنهم أنكروا خروج المسيح الدجال، وقالوا: لم يثبت ذلك إلا في أحاديث آحاد، لا تثبت بمثلها العقيدة، وهذا من ضلالهم. قال: «استعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات»، وهكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من فتنة المحيا والممات، وهذا يشمل كل ما يحصل للإنسان في حال حياته. فتنة المحيا -يعني الحياة- تدخل فيها جميع الفتن: فتنة الدنيا، وفتنة المال، وفتنة النساء، وفتنة الأولاد والأهل، وهكذا فتنة جميع الشبهات والشهوات. فكلها من فتن الحياة التي تعرض للإنسان في حال حياته، فإنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى منها، ومنها كذلك فتنة المسيح الدجال، فهي داخلة في فتنة الحياة، فيكون ذكرها -أي الاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات- من ذكر العام بعد الخاص. فأنت تستعيذ بالله عز وجل من جميع فتن الحياة أن ينجيك الله سبحانه وتعالى منها. وهكذا أيضا فتنة الممات، ما يحصل للإنسان عند موته واحتضاره، وتثبيت الله سبحانه وتعالى له عند الموت، وما يكون كذلك بعد الموت من عذاب القبر، وهكذا سائر ما يكون بعد ذلك. فإنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من فتنة الممات. فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الدعاء، أن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من هذه الأمور الأربع، ويتأكد ذلك بعد التشهد الأخير، لأن المسلم أمر به بعد التشهد الأخير، قال: «من تشهد فليستعذ بالله من أربع»، ثم ذكرها عليه الصلاة والسلام. على أن جمهور أهل العلم على أن هذا الأمر للاستحباب، يعني يستحب الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من هذه الأمور الأربع بعد التشهد. وذهب بعض أهل العلم للوجوب، كالظاهرية، وطاووس، وغيرهم، ذهبوا إلى وجوب الاستعاذة بالله من هذه الأمور الأربع، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، والأصل في الأمر أنه للوجوب. فينبغي للمسلم أن لا يفرط في ذلك، يعني في ترك الاستعاذة بالله عز وجل من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم منها.