الدرس في شرح الأصول الثلاثة 5، الدرس الخامس : ( اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة ... ألا إن حزب الله هم المفلحون ). ألقاها
يشرح الشيخ المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم تعلمها والعمل بها، وهي معرفة أن الله خلقنا ورزقنا وأرسل إلينا رسولا. يُبين الشيخ أهمية العلم والعمل بهذه المسائل ووجوبها على كل مسلم ومسلمة.
الله عز وجل أرسل إلينا رسولا وأمرنا بطاعته، وعلق السعادة بطاعة الرسول، ومن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. الرسول شاهد علينا كما أرسل إلى فرعون، ومن عصى الرسول كانت عاقبته شديدة.
الشرك بالله هو أعظم الذنوب ولا يغفره الله عز وجل، ويجب البراءة من أهل الشرك والكفر. لا تجوز موالاتهم لمن أطاع الرسول ووحد الله، ويجب التبرؤ منهم.
يشرح المقطع درجات معاداة الله عز وجل بحسب حال المخالفين، فمن كانت معاداته كلية كانت المعادة كلية، ومن كانت جزئية كانت المعادة بحسبها. معاداة الله لا تعتبر القرابة أو الصلة الشخصية.
تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على قول الله عز وجل: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، وقبل ذلك الكلام على المسألة الثالثة، وهي الدعوة إلى الله، وكذا المسألة الرابعة، وهي الدعوة إلى الله والصبر على الأذى. وتقدم معنا أن هذه الأمور -مسألة الدعوة إلى الله- من باب فرض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر. والصبر على الأذى تقدم الكلام عليه، وأنه على مراتب وأنه على أقسام. والكلام على سورة العصر يدل على المسائل الأربع التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى دلالة واضحة. وهذا يدلنا على ما كان عليه الشيخ رحمه الله تعالى من حسن العناية بكتاب الله عز وجل. وكذلك كان -وما زال- العلماء الراسخون المصلحون يهتمون بكلام الله عز وجل، وبالاستنباط منه والاستفادة منه في كل زمن ومكان. لذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى عقب ذلك كلام إمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو كلام عظيم يبين جلالة هذه السورة ومكانتها في الإسلام. ثم ذكر أيضا كلام الإمام البخاري رحمه الله تعالى، واستنباطه رحمه الله تعالى من قول الله عز وجل: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾، من أن الإنسان يبدأ بالعلم قبل القول والعمل. قال رحمه الله تعالى: «اعلم»... رحمك الله، الشيخ رحمه الله تعالى كما ترون كرر هذه العبارة مرة ثانية. وكما ذكرنا في الدرس السابق أو في درس سابق أن الشيخ رحمه الله تعالى يذكر أو يعبر بهذا التعبير لأهمية ما سيأتي، لأنه كما مر معنا أن «فعل الأمر» يفيد هذا المعنى، إلى جانب ما في معنى العلم من معنى الجزم. فهو رحمه الله تعالى يعبر بهذه التعابير لينتبه الطالب، ويكون حافزا له على الاهتمام بما سيأتي. وكذلك قوله: «رحمك الله» أيضا، الكلام فيه كالكلام في سابقه، وهذا أيضا فيه -كما تقدم- تلطف المعلم بالتلميذ، وكذلك -كما تقدم- فيه إشعار بأن هذا العلم مبني على الرحمة. قال رحمه الله تعالى: «أنه يجب على كل مسلم... أنه يجب على كل مسلم». وهل هاهنا الوجوب ينقسم إلى قسمين: عيني وكفائي؟ أم أنه من باب الواجب العيني؟ كذلك ننظر إلى المسائل، المسائل سيأتي معنا أنها كلها واجبة على الأعيان، أنها واجبة كلها على الأعيان. فدلنا هذا على أن الوجوب هاهنا في قوله: «أنه يجب» أن الوجوب هاهنا وجوب عيني، الوجوب وجوب عيني لا وجوب كفائي. فقوله رحمه الله تعالى: «أنه يجب على كل مسلم ومسلمة»، وقوله: «كل مسلم ومسلمة» أيضا يدل على هذا المعنى، من أنه أراد بالوجوب هاهنا الوجوب العيني. فواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث التي سيأتي الكلام عليها. قال رحمه الله تعالى: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلموا هذه الثلاث مسائل... والعمل بهن». والعمل بهن، أي بهذه المسائل، فإن العلم المجرد لا يكفي، العلم المجرد بهذه الأمور دون عمل لا يكفي، بل يجب فيها العلم والعمل. قال رحمه الله تعالى: «الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا﴾». قوله رحمه الله: «الأولى» أي أولى هذه المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها والعمل بها. قال: «أن الله خلقنا» أن نعلم أن الله خلقنا، وهذا الأمر مستقر عند المسلمين وعند غيرهم من المشركين. وكذلك «رزقنا» هذا أيضا الكل يقر بأن الله عز وجل هو الرازق وهو الخالق سبحانه وتعالى. ولئن سألتهم: «من خلق السماوات والأرض؟» لا يقولن إلا «الله». فالله عز وجل هو الخالق بإقرار هؤلاء المشركين. قال رحمه الله تعالى: «ولم يتركنا هملا» أي لم يتركنا ربنا عز وجل مهملين بغير تكاليف، لم يتركنا هكذا سدى. بل خلق الله عز وجل العباد لغاية جليلة ولأمر عظيم، هذه الغاية هي عبادته سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. لذا قال ربنا عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فالله عز وجل خلقنا جميعا -إنسا وجنا- لهذه الغاية الحميدة ولهذا الأمر العظيم ولهذا الأمر الكبير، لعبادته وحده سبحانه وتعالى. فلم يهمل، لم يهمل سبحانه وتعالى، لم يجعلنا مثل الحيوانات، الحيوانات خلقها الله عز وجل ولم يجعلها من أهل التكاليف، وإن كانت هي في الجملة ممن يعبد الله عز وجل، مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾. فالكل يسبح بحمد الله ويعبد الله عز وجل ويسجد لله عز وجل ويتقرب إلى الله عز وجل، ولكن كل بحسبه. ولكن هؤلاء -أي غير الإنس والجن- ليسوا مخاطبين، ليسوا مخاطبين بخلاف الإنس والجن، فإنهم مخاطبون وعقلاء، وجعل الله عز وجل هذا العقل والإدراك الذي فيهم جعله مناط التكليف. فالله عز وجل خلق الإنس والجن لعبادته، لذا قال رحمه الله تعالى: «ولم يتركنا هملا» كما قال ربنا عز وجل: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾. فتعالى الله الملك الحق، أي تعالى الله عز وجل وتنزه سبحانه وتعالى أن يكون خلق العباد لغير غاية ولغير أمر عظيم. ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ أيظن الناس أو بعض الناس أن الله عز وجل خلقنا هكذا عبثا؟! ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ وأنكم إلينا لا ترجعون، فالكل راجعون إلى الله عز وجل، فالكل راجعون ومجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، من عمل خيرا يلق خيرا، ومن عمل سوءا فلا يجزى إلا بعمله. والله عز وجل حكم عدل. قال رحمه الله تعالى: «بل أرسل إلينا رسولا»... و«بل» ها هنا -كما يقول العلماء- استخدمت للإضراب وفيه انتقال من شيء إلى آخر، أي أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل -أي لم يتركنا هملا- بل أرسل إلينا رسولا. فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. الله عز وجل أرسل إلينا رسولا، ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾. فالله عز وجل أرسل إلينا رسولا، وأمرنا بطاعته، الله عز وجل أرسل الرسل لتكون حجة على العباد، كما قال الله عز وجل: «رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل». فالله عز وجل أرسل الرسل حجة على العباد، رسلا مبشرين ومنذرين، مبشرين بالخير والجنان لمن أطاع الله عز وجل ولمن أطاعهم، لأن من أطاع الرسول فقد أطاع المرسل وهو الله عز وجل، ومن عصاه كذلك فقد عصى الله عز وجل. قال سبحانه: «رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون الناس على الله حجة بعد الرسل». قال رحمه الله تعالى: «فمن أطاعه دخل الجنة»... الله عز وجل علق السعادة بطاعة الرسول التي هي -كما سمعتم- من طاعة الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. فهكذا يأمر الله عز وجل في آيات كثيرة بطاعة الرسول سبحانه صلى الله عليه وسلم. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، وهذا أمر من الله عز وجل بالأخذ بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. من لم يطع الرسول فهو على خطر عظيم، إن كانت هذه الطاعة جزئية، فكيف إذا كانت كلية؟! فهو في شر والعياذ بالله. لذا قال: «فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار». وقد جاء في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قيل لهم: «يا رسول الله ومن يأبى؟» قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». وهذا الحديث هو نص كلام الشيخ رحمه الله تعالى أن من أطاع الرسول دخل الجنة وأن من عصاه دخل النار. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «والدليل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا﴾». الشاهد من كلام الشيخ أن الله عز وجل أرسل إلينا رسولا كما أرسل إلى من قبلنا، وذكر فرعون، ماذا صنع فرعون؟ قال: «فعصى فرعون الرسول»، فماذا كان عاقبته؟ قال الله عز وجل: «عاقبته قال: فأخذناه أخذا وبيلا». فهكذا من عصى الرسول كانت هذه عاقبته، لا سيما إذا كان من أهل الإعراض التام عن قبول هديه صلى الله عليه وسلم والإيمان به، كما هو حال فرعون وأتباعه. هذه هي المسألة الأولى من المسائل التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى، وأفعاله أنه يجب علينا تعلمها. قال رحمه الله تعالى: «الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل». الثانية أي المسألة الثانية من المسائل المذكورة: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لماذا؟ لأن عبادة الله عز وجل أخص الخصائص المختصة بالله عز وجل، فلا يجوز لأحد أن يشرك بهذه الخصيصة -التي هي لله عز وجل- أحدا. بل -كما ذكرنا في المسألة الأولى- أن خلق الله عز وجل للعباد لم يكن إلا لهذا الأمر، كما قال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فالله عز وجل خلقنا لهذه الغاية، فما ظنك بمن صرف هذه الغاية التي لأجلها خلق لغير الله عز وجل؟! هذا -كما سمعتم- والعياذ بالله مشرك وهو في النار، لأنه ماذا؟ لأنه أشرك بالله عز وجل غيره، مهما كان هذا الشريك، ولو كان ملكا مقربا، ولو كان نبيا مرسلا. فإذا كان هؤلاء -مع قربهم من الله عز وجل ومحبة الله عز وجل لهم- لا يرضى ربنا عز وجل بأن يكونوا معه شركاء في عبادته، فما بالك بمن أشرك بالله عز وجل في عبادة الله عز وجل دون هؤلاء، من عبد مع الله عز وجل حجرا أو شجرا أو قبرا أو ما شابه ذلك؟! كيف يكون حاله؟! يكون أشد وأشد. واضح هذا الأمر إذا كان ربنا عز وجل لا يرضى بأن يعبد معه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وهم من الأصفياء الأخيار، فما بالك بمن يعبد مع الله عز وجل حجرا من الأحجار أو شجرا من الأشجار أو قبرا من القبور، قد يكون صاحبها ليس من الصالحين، بل قد يكون من الفاسقين. وهذا يعبده ويتقرب إليه، فهذا لا يجوز، وهذا من أعظم الفراء على الله عز وجل، ومن أعظم الذنوب على الله عز وجل. الله عز وجل يقول: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. من كان هذا حاله، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، المشرك الجنة عليه حرام، بل وهو من أهل الخلود في النار. المشرك لا يغفر الله عز وجل ذنبه، ولو عمل من الأعمال التي يظنها صالحة ما عمل، ولو أبر والدين، ولو أطعم المساكين وتكفل الأيتام والأرامل وهو مشرك، لا ينفعه ذلك العمل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا. وقال ربنا عز وجل في آية أخرى: ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾. وقال الله عز وجل عن لقمان حينما أوصى ابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾. فالشرك -كما سمعتم- أعظم الذنوب مطلقا. فكل ذنب دون الشرك والكفر بالله عز وجل فهو تحت مشيئة الله عز وجل، إن شاء الله عز وجل عفا عنه بفضله وكرمه وعظيم إحسانه، وإن شاء ربنا عز وجل عاقب ذلك العبد بعدله سبحانه وتعالى وحكمته، ثم مآله إلى الجنة، ما لم يكن هذا الذنب شركا أو كفرا. وأما الكفر وأما الشرك، فإن الله عز وجل لا يغفره، وإن كان صاحبه عنده من الأعمال ما كانت، فإنها لا تنفعه. قال رحمه الله تعالى: «والدليل قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾». الشاهد من الآية لكلام الشيخ رحمه الله تعالى أنه قال: «أن المساجد لله»، المساجد لله ما بنيت إلا لعبادة الله عز وجل ولطاعة الله عز وجل وللتقرب إلى الله عز وجل. قال: «فلا تدعو مع الله أحدا». وهنا -كما يقول العلماء علماء المعاني والبلاغة- نفي أو نكرة في سياق النفي، عند الأصوليين يقولون: تفيد العموم. «فلا تدعو مع الله أحدا» كائنا من كان، ولو كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا، فلا يجوز أن يدعى مع الله. والدعاء ها هنا أعم، مجرد الدعاء المعروف عندنا أن الإنسان يدعو بلسانه، بل الدعاء قد يراد به «دعاء العبادة» أو «دعاء المسألة»، وهما متلازمان. وهنا في هذه الآية: ﴿أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾ يحتمل هذا ويحتمل هذا. فإذا كان الدعاء ها هنا «دعاء عبادة»، ودعاء العبادة -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- ضابطه هو: دعاء الله عز وجل خوفا وطمعا، هو التقرب إلى الله عز وجل خوفا وطمعا. ودعاء المسألة هو: دعاء الله عز وجل لجلب نفع أو لدفع ضر. وكما سمعتم: «دعاء العبادة» مستلزم لـ«دعاء المسألة»، وكذا «دعاء المسألة» مستلزم لـ«دعاء العبادة»، لاسيما عند المؤمنين الموحدين. فالله عز وجل يقول: ﴿أن المساجد لله فلا تدعو سواء كان دعاء مسألة﴾، أي تدعو مع الله لأجل جلب نفع أو لدفع ضر أحدا، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا. وقد يكون المراد به «دعاء العبادة»، أي: لا تدعو مع الله أحدا خوفا وطمعا، ولو كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا. وهذا الشاهد من الآية في كلام الشيخ رحمه الله تعالى، الشاهد واضح. قال رحمه الله تعالى: «المسألة الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز لهم موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾». المسألة الثالثة، قوله الشيخ رحمه الله: «أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب». الموالاة لا تجوز له موالاة، أصل الولاية معنى الحب. وأيضا تأتي الولاية بمعنى النصرة، بمعنى النصرة والتأييد. فيقول الشيخ من باب الإجمال: لا يجوز لمن أطاع الرسول ووحد الله أن يوالي من حاد الله ورسوله، لماذا؟ لأن التوحيد حقيقة التوحيد هو إفراد الله عز وجل بالعبادة والخلوص من الشرك والبراءة من الشرك وأهله. وقولنا -أو قول أهل العلم- «والبراءة من الشرك وأهله» تدل على هذا المعنى، تدل على ماذا؟ على وجوب معادات من حاد الله ورسوله. من حاد الله ورسوله، ومعنى «حاد»: «حاد الطريق» أي خالف الطريق. والمخالفة قد تكون جزئية وقد تكون كلية، وعلى حسب أو بحسب المحادة تكون البراءة من ذلك الشخص. فمن حاد الله ورسوله محادة تامة، كان من أهل الكفر والشرك والطغيان، وجب البراءة منه، براءة مطلقة. وأما من كانت محادته لله عز وجل جزئية -كحال بعض المسلمين من أهل البدع والأهواء- فهؤلاء يعادون على ما فيهم من المحادة، فيكون كل بحسبه. فيكون الكلي للكلي، المعادة كلية للكلي، والجزئية للجزئيين. لذا قال الشيخ: «ولو كان أقرب قريب»، ولو كان أبوك أو ولدك أو أخوك أو عشيرته، كما تدل عليها الآية المذكورة. ونكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله ما تعلق بهذا في الدرس السابق. والله أعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.