الدرس في شرح الأصول الثلاثة 20، الدرس العشرون : ( والهجرة ... ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ). ألقاها
الهجرة هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي واجبة على المسلم الذي لا يستطيع إظهار دينه أو يخشى على دينه. تختلف أحكام الهجرة بحسب حالة المسلم في بلد الكفر.
الهجرة من بلاد الكفر واجبة لمن يستطيع إظهار دينه، ولها شروط ثلاثة: اليقين بدينه، العلم لدفع الشبهات، والحاجة للبقاء. الهجرة باقية إلى قيام الساعة وهي فريضة على الأمة.
الهجرة قسمان: قلبية وبدنية، وتتمثل مصالحها في طاعة الله وحفظ الدين وإظهار شعائر الإسلام. كما أنها سبب لتكثير المسلمين وتمكينهم من الجهاد.
المقطع الأخير يتضمن ذكر الله والاستغفار والتوبة، حيث يتم تسبيح الله وتمجيده والاعتراف بتوحيده، ثم طلب المغفرة والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. قوله رحمه الله تعالى: والهجرة، الهجرة في اللغة الترك، وكذا يأتي بمعنى القطع. وشرعًا ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، وهو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وهناك تعريف آخر كذلك ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الهجرة تقسمان: عامة أو عام، وخاصة. أما العام، فهي هجرة المعاصي بشتى أنواعها، وهذا واجب على كل مسلم. دليلها حديث عبد الله بن عمر بن العاص، وبنحوه جاء حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». فقوله: «ما نهى الله عنه» يدخل فيه كل المعاصي، النهي عن كل المعاصي، وهجر كل المعاصي. وهجرة خاصة وهي المذكورة هاهنا التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى، وعرفها بقوله: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. ويدل على أن الهجرة هجرتان أيضًا، إلى جانب ما تقدم، حديث معاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام أحمد، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله». وإسناده حسن. قوله رحمه الله تعالى: والهجرة الانتقال من بلد الشرك، ومراده بلد الكفر إلى بلد الإسلام. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وتكون فريضة إذا لم يستطع المسلم أن يظهر دينه، أو خشي على دينه من الزوال أو النقصان، أو خشي الفتنة عمومًا. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن حكم الهجرة بحسب المقيم في بلد الكفر، فذكروا ثلاث حالات. الحالة الأولى: من كان في بلد الكفر ولا يستطيع أن يظهر دينه، أي شعائر دينه، والمراد الواجبات كإقام الصلاة، والجمع، والجماعات، وإظهار الصيام، والزكاة، والحج، وما شابه ذلك، أو خشي على نفسه الفتنة في البقاء هناك، أو على دينه الزوال أو النقص، فهذا واجب في حقه الهجرة، وبقاؤه في بلد الكفر على هذه الحالة محرم بإجماع. الحالة الثانية: من كان كذلك، ولكنه ضعيف أو غير قادر أو مستطيع للهجرة، كأن يكون عاجزًا، ما عنده مال، ولا عنده من يعينه على الهجرة، أو طفل صغير، لا نقول طفل صغير يعني غلام، لكنه صغير، أو امرأة، أو ما شابه ذلك. فكما سمعتم، إن لم يكن قادرًا أو مستطيعًا على الهجرة، فهذا لا شيء عليه، أي لا يكون آثمًا، ولكن يجب عليه أن يحدث نفسه بالهجرة متى قدر على ذلك واستطاع لها. الحالة الثالثة: من كان في بلاد الكفر ويستطيع إظهار دينه، وأيضًا يستطيع الحفاظ على دينه، فهذا اختلف أهل العلم في حقه، هل الهجرة في حقه واجبة أو مستحبة؟ والأظهر أنها مستحبة على قول جماعة من المحققين. وللإقامة في بلد الكفر شروط ثلاثة ذكرها العلماء: الشرط الأول أن يكون عنده من الدين والإيمان واليقين ما يمنعه من الشهوات، أن يقين أن ما هو عليه من الإسلام والإيمان خير ويمنعه من الشهوات. وكذلك الشرط الثاني أن يكون عنده علم يدفع به شبهات أهل الكفر. الثالث: أن يكون محتاجًا للبقاء في بلد الكفر. فإن اختل شرط من هذه الشروط وجب عليه الهجرة؛ لأنه يكون سببًا لزوال أو نقصان دينه، وتعرضه للفتن سواء كانت فتن الشبهات أو فتن الشهوات. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. قلنا: هذا يحمل على الحالة الأولى. واضح هذا الأمر أم لا؟ قوله: «وهي باقية إلى أن تقوم الساعة»، أي الهجرة باقية مستمرة إلى أن تقوم الساعة، لا تنقطع الهجرة. قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. الآية كما ترون، آيات صريحة في وجوب الهجرة، وأن من لم يهاجر فقد كان أو قد وقع في سبب من أسباب العذاب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فأنظروا إلى حال هؤلاء، ما لهم؟ لماذا حصل؟ قالوا: «كنا مستضعفين»، فقال: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها»، فدل على أن من كان قادرًا على الهجرة ووقع منه ما وقع، فواجب عليه الهجرة، فإن لم يهجر فكما سمعتم، فهو آثم، ووقع في حرام بإجماع. نقل هذا الإجماع ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية من تفسيره. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله». بمعنى أن من كان مخالطًا لأهل الشرك وأهل الكفر، لا بد أن يتأثر بهم، لا بد أن يقع منه تأثر بهؤلاء الكفرة وهؤلاء المشركين. لذا كانت الهجرة كما قال العلماء رحمهم الله تعالى، في الهجرة مصالح عظيمة. منها: أنها طاعة لله عز وجل، ثانيًا: فيها حفاظًا على الدين من الزوال أو النقصان، ثالثًا: فرارًا بالدين من الفتن، ورابعًا: إظهارًا لشعائر الإسلام أي في دار الإسلام، وعدم إظهاره في بلد الكفر. ومن المصالح في الهجرة: أن الإنسان إذا هاجر إلى بلد الإسلام، كان سببًا لتكثير سواد المسلمين، ولقوتهم وعزتهم، وكذا للجهاد معهم. بخلاف ما إذا كان في بلاد الكفر، فإنه يكثر سواد الكافرين، ولا يستطيع الجهاد، بل ربما أخرجوه معهم، كما حصل من مشركي قريش حينما أخرجوا بعض المسلمين المستضعفين معهم في غزوة بدر. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الهجرة على قسمين: هجرة قلبية، وهجرة بدنية. والقسمان هما بمعنى القسمين السابقين. فالهجرة القلبية هي هجر المعاصي بشتى أنواعها. والهجرة البدنية هي: هجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كالهجرة من مكة إلى المدينة في أول الإسلام. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. قال البغوي رحمه الله تعالى: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان. فالحاصل أن الآية أولها يبينها، فقال الله عز وجل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. بمعنى أن من لم يهاجر وخشي على دينه ولم يظهر دينه، وعنده القدرة والاستطاعة، فهو واقع في كبيرة من الكبائر، ولكنه ليس بكافر، بل هو مؤمن، مادام محافظًا على إيمانه. قال رحمه الله تعالى: والدليل على الهجرة من السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الإمام أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث معاوية بن أبي سفيان، وفيه أبو هند البجلي مجهول. ولكن رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى من طريق أخرى بإسناد حسن عن معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والحديث صحيح، فالحديث ماذا؟ الحديث بهذا اللفظ حسن لغيره. وجاء ما يدل عليه بإسناد حسن آخر، وهو نص في المسألة من أن الهجرة لا تنقطع، لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. فهذا كما سمعتم حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نص في المسألة من أن الهجرة مستمرة إلى قيام الساعة. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عائشة: «لا هجرة بعد الفتح»، فالمراد به: لا هجرة من مكة إلى المدينة، من مكة وما حولها إلى المدينة؛ إذ الكل صار بلاد إسلام. وليس معناه أنه لا هجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما يدل عليه هذا الحديث: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.