الدرس في شرح الهدايا والتحف في التعليق على منظومة طرفة الطرف 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
زيادة الثقة في الحديث تفرد الراوي بزيادة، وتقبل أو ترد بناءً على حفظ الراوي وعدده. اختلف العلماء في حكمها على ثلاثة أقوال.
يناقش تعارض الروايات في الإسناد وطرق ترجيحها بالنظر إلى القرائن، مثل تعارض الوصل مع الإرسال والرفع مع الوقف.
يُعرَّف الشذوذ بأنه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، ويُعتبر الشاذ مردودًا بينما المحفوظ مقبولًا.
الشذوذ يؤثر على قبول الحديث، فإذا حكم على حديث بالشذوذ فإنه يرد ولا يقبل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الناظم رحمه الله في منظومته المسماة «مطلب الطرف في مصطلح أهل الحديث»: «قال زيادة الثقة مما قبل إن لم يخالف عددا أو أعدلا». قال المعلق وفقه الله: زيادة الثقة تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم. تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة يعني الذين يروون هذا الحديث جماعة، يتفرد راوي بزيادة عن بقية الرواة في روايته من هذا الحديث، وكلهم يروون عن شيخ واحد. هذا معنى زيادة الثقة تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم. قال: أين تقع الزيادة؟ قال: تقع الزيادة في السند وفي المتن. أما في المتن، فتكون بزيادة جملة أو كلمة، يعني تفرد الراوي بذكر كلمة أو جملة لم يذكرها بقية الرواة في روايتهم من هذا الحديث عن هذا الشيخ. قال: أما في الإسناد، وتكون برفع موقوف أو وصل مرسل، يعني يروي بعضهم الحديث موقوفا، ويرويه الآخر مرفوعا أو العكس، أو يروى موصولا، ويرويه مرسلا أو العكس، فتقع الزيادة في المتن، وقد تقع في الإسناد. قال: ما حكم الزيادة في المتن؟ اختلف العلماء في حكمها على أقوال. فمنهم من قبلها مطلقا، منهم من قبلها مطلقا، يعني يقبل الزيادة من غير تفصيل، يجعلها مقبولة. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والمحدثين، كما نسبه السيوطي رحمه الله إليهم في «التقريب». الثاني: منهم من ردها مطلقا، وهو قول جماعة من أهل الحديث، يعني يردوا زيادة الثقة، لم يقبلوها. ومنهم من فصل، وهو الصحيح، هو التفصيل كما سيأتي. وهذا هو يعني عمل الأئمة، كما يعني أشرنا في الحاجة فيما ذكروا الحاوى من الأحكام، من أنهم لا يقبلون الزيادة مطلقا، ولا يردونها مطلقا، فيقبلونها أحيانا، ويردونها أحيانا. قال: فإن كان الذي زادها أحفظ أو أكثر عددا ممن لم يزدها، قبلت زيادته. إن كان الذي زادها أحفظ أو أكثر عددا ممن لم يزدها، قبلت زيادته. وإن كان الذي لم يزدها أحفظ أو أكثر عددا ممن زادها، ردت الزيادة، وحكم عليها بالشذوذ. والقول بالتفصيل هو الذي أشار إليه الناظم بقوله: «زيادة الثقة مما قبل إن لم يخالف عددا أو أعدلا». عددا: أي من الرواة، بأن يكونوا أكثر منه، كأن يتفرد الراوي بهذه الزيادة، ويخالف ثلاثة أو أربعة أو خمسة، هؤلاء الآن أكثر منه، وهم ثقات مثله، فروايتهم هي المقبولة، تكون المحفوظة، ويحكم على روايته بالشذوذ، لأن وقوع الخطأ من الواحد ماذا أقوى من وقوعه من الجماعة. أعدل: أي أعدل منه في الحفظ والضبط، كأن يكون مثلا هو صدوق، تفرد بهذه الرواية، والثقات لم يذكروها، وهم أوثق منه وأضبط منه، فحينئذ يحكم على روايته بالشذوذ. إذن الضابط في قبول زيادة الثقة، أن يكون الذي زادها أحفظ أو أعدل أو أكثر عددا ممن لم يزدها، فإذا كان كذلك قبلت. وأما إذا كان الذين لم يذكروا هذه الزيادة هم الأكثر، وهم الأعدل، إذن رواية هذا المتفرد تكون شاذة، تكون رواية المتفرد شاذة. قال: مثال الزيادة في المتن ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه في زيادة كلمة «فليرقه» في حديث الولوغ، وهي في مسلم. قال: ولم يذكرها سائر الحفاظ من أصحاب الأعمش، وإنما رووه هكذا: «إذا بلغ الكلب إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات». إذن رواية «فليرقه» تفرد بها علي بن مسهر. قال: فتكون هذه الزيادة «فليرقه» غير محفوظة لتفرد علي بن مسهر بها، ومخالفته لمن هو أحفظ وأكثر عددا، كما قال ذلك الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني، كما نقله عنه الحافظ المزي في «تحفة الأشراف». نعم، إذن هذه الزيادة يحكم عليها بالشذوذ، لماذا؟ لأنه تفرد به علي بن مسهر، وإن كان ثقة، لكن لم يذكر هذه الرواية وهذه اللفظة بقية الثقات، وهم أكثر منه عددا، وكذلك أحفظ منه، إذن يحكم على هذه الرواية بأنها شاذة. قال: حكم الزيادة في الإسناد. قال: أما الزيادة في الإسناد، فتنصب على مسألتين رئيسيتين يكثر وقوعهما، وهما تعارض الوصل مع الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف. ما يتعلق بالإسناد يعني يحصل التعارض بين رواية الحديث موصولا وبين روايته مرسلا، أو بين روايته مرفوعا وبين روايته موقوفا، فتكون زيادة الثقة في الإسناد إما بأن يرويه مرفوعا ويخالف الثقات أو الأكثر منه الذين رووه موصولا، أو يرويه مرفوعا وهم يروونه موقوفا أو كذلك العكس. قال: اختلف العلماء في قبول الزيادة وردها على أربعة أقوال. القول الأول: الحكم لمن وصله ورفعه مطلقا، وهو قول جمهور الفقهاء والأصوليين، يعني جعلوا الحكم لمن رفع الحديث أو وصله، هذا حكم مطلق، يجعلون الصواب في جانب من رفع الحديث أو وصله، ويقولون زيادة الثقة، ويقولون زيادة الثقة كما مر معناها، يقبلون زيادة الثقة مطلقا، سواء كان في المتن أو في الإسناد. الثاني: الحكم لمن أرسله أو وقفه، هذا عكس قول الأول، يجعلون الحكم لمن أرسله، أي حكم عليه بالإرسال، يعني الراوي الذي أرسل الحديث، يجعلون قوله والصواب قوله، أو من أوقفه، أي رواه موقوفا، أي رد الزيادة، وهو قول أكثر أصحاب الحديث، أنهم يحكمون على الزيادة بالشذوذ. الثالث: الحكم للأكثر، وهو قول بعض أصحاب الحديث. والرابع: الحكم للأحفظ، وهو قول بعض أصحاب الحديث. والراجح هو اعتبار القرائن كما ذكرنا في المتن، فينظر الأحفظ والأكثر عددا، فإن كان الذي رفع الحديث هم أكثر عددا أو كذلك أعدل، قبل الرفع. وإن كان العكس، من روى الحديث موقوفا هم الأكثر والأحفظ، حكم على رواية المرفوع بالشذوذ، وكانت رواية الموقوف وهكذا يقال في الوصل والإرسال، لا يحكم لا بحكم عام بالقبول ولا بحكم عام بالرد، وإنما ينظر إلى القرائن. قالوا: مثال الحديث «لا نكاح إلا بولي»، فقد رواه يونس بن أبي إسحاق السبيعي وابنه إسرائيل وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق مسندا متصلا، ورواه سفيان الثوري وشعب بن الحجاج عن أبي إسحاق مرسلا. وهنا رجحت رواية الوصل، رجحت رواية الوصل. عندكم في الحاشية ذكر عن الإمام الخطيب رحمه الله في كتاب «الكفاية» ترجيح رواية يونس ومن معه، وهم ستة على رواية شعب وسفيان، لأمور منها أن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، يعني أنهم سمعوا منه هذا الحديث ليس في مجلس سن واحد، بل في مجالس مختلفة، فقد يكون مرة ذكره يعني موصولا، ومرة غير ذلك. كذلك أن إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من غيره، فإسرائيل من أثبت الناس في أبي إسحاق، وهو قد رواه عنه موصولا، فتكون روايته هي المقدمة، فكان الصحيح ثبوت هذا الحديث. قال الناظم رحمه الله: «قال الراجح المحفوظ والمقابل يبنى له من لفظ شذ فاعل». قال المعلق: فقه الله، من لفظ شذ فاعل، أي اسم فاعل من شذ، وهو شاذ، ويقابله المحفوظ، وهو الراجح، يعني يريد بهذا البيت أن يبين أن الرواية التي ترجحت، لو رجحنا مثلا رواية الرفع، فتكون هي المحفوظة، والتي تقابلها رواية الوقف تكون شاذة، وهكذا إذا رجحنا الوصل، فتكون هي المحفوظة، ورواية الإرسال شاذة، وهكذا العكس، لو رجحنا رواية الوقف، فنقول المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف، وتكون رواية الرفع شاذة. وإذا رجحنا رواية الإرسال، تكون هي المحفوظة، ورواية الوصل تكون شاذة. قال: ذكر في هذا البيت المقابل حديث الشاذ والمحفوظ. فالشاذ لغة: اسمه فاعل من شذ، بمعنى فرد. فالشاذ بمعنى المنفرد عن الجمهور، يقال: فلان شذ عن الجماعة، يعني فرد عنهم، فهو الانفراد عن الجمهور، يعني عن جماعة الناس. قال: واصطلاحا: ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه. شرح التعريف: المقبول هو العدل الذي تم ضبطه، أو العدل الذي خف ضبطه. ليش قلنا «ما رواه المقبول»؟ ما قلنا «ما رواه الثقة»، لأن إذا قلنا «ما رواه الثقة» قد يفهم أن مخالفة المقبول يعني من دون الثقة، من يقبل حديثه، ومن كان حسن الحديث، من قيل فيه صدوق، أو لم يس به، أن هذا لا يحكم على حديثه بالشذوذ. واضح، فاتينا بلفظ عام يشمل الثقة ومن دون الثقة، «ما رواه المقبول» يعني من يقبل حديثه، فيشمل ذلك الثقة، ويشمل ذلك من دونه ممن هو حسن الحديث. فإذا خالف من يقبل حديثه من هو أكثر منه عددا أو حفظا وضبطا، فإنه يحكم على روايته بالشذوذ. قال: مخالفة «ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه» يعني بالحفظ والضبط أو بالعدد والكثرة. قال: أو العدل الذي خف ضبطه، والذي هو أولى منه هو الراوي الذي يكون أرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات. نعم، إذا هذا هو الشاذ «ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه»، إما ضبطا وحفظا وإما كثرة وعددا، يتفرد راوي ويخالف ثلاثة أو أربعة أو خمسة، هو يرويه يروي الحديث مرفوعا، والذي هو أولئك، أولئك الثقات يرويه موقوفا، فهنا يحكم على روايته بالشذوذ، أنها شاذة، شاذة برفع الحديث، فيقال: روايته شاذة، ورواية المخالفين له يقال لها ماذا؟ رواية المحفوظة، يقال: المحفوظ بهذا الحديث هو الوقف. قال: أين يقع الشذوذ؟ قال: يقع الشذوذ في السند كما يقع في المتن. مثال الشذوذ في السند ما رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس: أن رجلا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ ميراثه. وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفه محمد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس. ولذا قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة. هنا الإمام أبو حاتم رجح رواية ابن عيينة. قال: فمحمد بن زيد من أهل العدالة والضبط، مع ذلك فقد رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه، لأن ابن عيينة تابعه ابن جريج، عبد الملك بن جريج هو ثقة، وإن كان مدلسا لكنه ثقة. فالآن ابن عيينة وابن جريج رواياهما الحديث رواياهما موصولا موصولا، ومحمد بن زيد يعني رواه مرسلا، لم يذكر ابن عباس. محمد بن زيد رواه مرسلا، وابن عيينة وابن جريج رواه موصولا، فرجح أبو حاتم رواية ابن عيينة، لأنه تابعه، هم اثنان رواه موصولا، وتفرد محمد بن زيد فرواه مرسلا، فرجح رواية الوصل، لماذا؟ لأنهم أكثر من وصله، أكثر عددا ممن أرسله. هذا مثال في وقوع الشذوذ في السند، يعني تعتبر رواية محمد شاذة، رواية الإرسال. قال: مثال الشذوذ في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا صلى أحدكم الفجر فليتجع على يمينه». قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﷺ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ. إذا رواية عبد الواحد أيش حكمها؟ شاذة، لأنه خالف أيش؟ من هو أكثر منه عددا وأحفظ منه. الرواية المحفوظة في هذا الحديث هي أن الاتجاع بعد صلاة ركعتي الفجر هو من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: المحفوظ. قال: وهذا يقابل الشاذ المحفوظ، وهو ما رواه الأوثق مخالفا لرواية الثقة. ومثاله هو المثالان المذكوران في نوع الشاذ، لكن من طريق الأوثق. أي الرواية الراجحة تسمى المحفوظ. في المثال الأول رواية ابن عيينة وابن جريج تسمى المحفوظة، نعم. والمثال الثاني رواية من خالف عبد الواحد تسمى المحفوظة، عبد الواحد روايته شاذة، والتي تقابلها رواية الذين أكثر منه تسمى المحفوظة. إذن الرواية الراجحة تسمى المحفوظة، والرواية المرجوحة تسمى الشاذة، تسمى الشاذة. قال: حكم الشاذ والمحفوظ. من المعلوم أن الشاذ حديث مردود، وأما المحفوظ فهو حديث مقبول، يعني إذا حكم على حديث بالشذوذ فهو من قسم الضعيف، من قسم الضعيف. وإذا قيل فيه محفوظ وصح سنده فهو من قسم الصحيح. ولهذا مر معنا في شروط الحديث الصحيح أن يكون ماذا؟ أن لا يكون شاذا، أن يسلم من الشذوذ. فإذا حكم عليه بالشذوذ فإنه يرد، فإنه يرد ولا يقبل. نعم، طيب واضح ما يتعلق بالشاذ المحفوظ. طيب إلى هنا. صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، آل وصحبه أجمعين.