الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع شرح تأثير النهي على العبادات والمعاملات، حيث يوضح أن وجود قرائن مع النهي يمكن أن يحدد ما إذا كان العمل فسد أم لا. يشرح أن النهي إذا كان معه قرينة تدل على الفساد أو الصحة، فإنه لا يدخل في القاعدة العامة للنهي.
إذا تسلط النهي على ذات العبادة أو على شرط من شروطها، فإن ذلك يقتضي إفساد العبادة، مثل صلاة بغير طهارة أو استقبال قبلة. العبادة الفاسدة لا تبرأ بها الذمة وتطالب بالإعادة.
إذا أتلف شخص شيئًا بقصد دفع الأذية عنه، فلا ضمان عليه، واستدل العلماء على ذلك بأدلة من السنة النبوية. الشخص الذي يتسبب في ضرر للآخرين لا يكون مسؤولاً عن ذلك الضرر إذا دافع عن نفسه بأفضل طريقة ممكنة.
معه بقرينة، وهذه القرينة يفهم منها صحة العمل مع هذا النهي أو فساد العمل مع هذا النهي. إذا كان عندي هذه المسائل بهذه القرائن، هذه لا تدخل في القاعدة؛ لأن القرينة قد كفت ووضحت وأزالت اللبس. مثاله: إذا كان هناك قرينة تدل على فساد المنهي عنه، ما جاء في السنن عند أبي داود من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، وإن جاء صاحبه يطلب ثمنه، قال عليه الصلاة والسلام: «فاملأ كفيه بالتراب». فاملأ كفيه بالتراب؛ الكلب لا ثمن له. فإذا جاء صاحبه يوما وأراد ثمن الكلب، إملأ كفه تراب. ما معنى هذا؟ لا عوض؛ أن الكلب لا عوض له. هذا نهي عن بيع الكلب، وكذلك عن فساد البيع، وأنه لا عوض له. فقول عليه الصلاة والسلام: «نهى النبي عن ثمن الكلب»، هذا نهي؛ القرينة: «فإن جاء صاحبه فاملأ كفيه تراب»، دل على أن الفساد وأنه لا عوض له. هذه قرينة تدل على أن هذا النهي يقتضي الفساد. فعندي قرينة في الحديث، وهذا لا يدخل في القاعدة. أو ما يكون هناك قرينة تدل على النهي، ولكن على صحة العبادة وعلى صحة العمل. مثاله: ما جاء في أمر المصرى، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصروا الإبل والغنم». نهى النبي عن التصرية. فالشاة إذا كانت مصرى، أو الإبل إذا كانت مصرى، فلا يجوز أن تباع على هذه الهيئة. قال نبي: «لا تصروا الإبل والغنم»، قال: ثم إذا أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم في تمام الحديث أن صاحبها -أي الذي اشتراها رجل اشترى- فوجد أن هذه الإبل مصرى، أو أن هذه الغنم مصرى، فإن صفعنا صاحبها، جعله نبينا الخيار. قال: فهو بأحد النظرين؛ بأحد النظرين إما أنه يأخذ مع العوض، وإما أنه يترك البيع. إذا فلما جعل نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في حق المشتري أنه بالخيار، الأصل: نهي نبينا عن بيع المصرى، وهي ماذا؟ الذي يصر في ضرعها، فيحبس عنها اللبن، يحبس عنها اللبن حتى يمتلئ الضرع، فيأتي المشتري ويغتر، ويرى أن هذا الضرع الممتلئ هي عادة في هذا الحيوان، وما علم أن هذا الحيوان ماذا؟ قد أقيمت عليه عملية التصرية. فالبعض من الناس يفعل هذه -البائعة، الباعة ممن يبيع المواشي- يفعل هذه الفعلة، يصر الغنم والإبل حتى تمتلئ الضرع، ثم يعرضه للبيع. فالذي لا يعرف يغتر بهذا الضرع، فهذا لا يجوز؛ نهى النبي عن هذا: «لا تصروا الإبل والغنم». هذا النهي هل يقتضي الفساد إذا تم العقد؟ لا، بدليل أن النبي قال: «فإن صاحبه -أي الذي اشتراه- بأحد النظرين خير». نبينا المشتري من اشترى هذه الصورة، فوقع في النهي واشترى هذه الصورة، فهو بالخيار إما أن يشتريها مع العوض، وإما أن يردها. فلما كان هناك خيار في البيع والشراء، دل على ماذا؟ على أن النهي هنا لا يقتضي الفساد. لا يقتضي الفساد. إذا فهناك أي أحاديث، وهناك منهيات جاءت في الشريعة تسلطت على العبادات والمعاملات، لكن معها قرائن إما أن تدل على ثبوت النهي مع الصحة، أو ثبوت النهي مع الفساد. وهذا لا يدخل في معنى الذي نحن بصدده. نحن في هذا البيت الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا عندي عبادة، فوقع عليها نهي، ليس عندي قرينة في هذا النهي، ليس عندي قرينة. كما أني مضى في الحديث الأول، وفي الحديث الثاني لا اشكال؛ القرينة معينة على فهم الحديث: هل يقتضي الفساد أم لا يقتضي الفساد؟ لكن إذا كان عندي نهي تسلط على عبادة من العبادات، ولا قرينة عندي، هل أحكم على هذه العبادة بالفساد والبطلان، أم أحكم عليها بالصحة مع الإثم؟ هنا دب الخلاف بين الفقهاء، وهذه مسألة للعلماء فيها أقوال. والمؤلفون رحمه الله تعالى رجح التفصيل، فقال: «وإن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد وخلل». وهذه مسألة طويلة، ومن نظر إلى كتب الأصول المطولة يجد الخلاف العريض الطويل بين الفقهاء، بل حتى تعدى إلى المذاهب. فتجد أن بعض المذاهب له رأي في هذه المسألة: هل النهي يقتضي الفساد؟ منهم من قال بذلك مطلقا، ومنهم من ترك ذلك مطلقا، ومنهم من قال بالتفصيل. وهذا الراجح أن المسألة فيها تفصيل. والمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى هذا التفصيل، وهو قال: «وإن أتى التحريم في نفس العمل»؛ أي أن العبادة هي بنفسها وقع عليها النهي، إذن العبادة بهذا النهي الذي تلبس في أصل العبادة من فعلها، فإن العبادة فاسدة، فإن العبادة باطلة. ويعبر بعضهم: أن النهي إذا رجع إلى ذات العبادة، فإن النهي هنا يقتضي الفساد. يعبر العلماء مثل النهي عن صيام يوم العيدين؛ جاءت الأحاديث الكثيرة على أن أيام العيد لا تصام. فهذا النهي على ماذا؟ تسلط على الصوم؛ أصل الصوم ما يكون في هذا المحل. فمن تلبس، فمن جاء إلى يوم العيد وصام، فصومه فاسد. هل يقول أحد: أنا سأصوم يوم العيد مع أن هناك نهي، لكن إن شاء الله العمل صحيح، وأنا آثم، وقعت في النهي لكن عملي صحيح؟ يقول: لا، عملك فاسد؛ لأن النهي وقع في ذات العبادة. هذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه»، أو كان النهي تسلط إلى شرط العبادة. طبعا عندي عبادات لها شروط، العبادات لها شروط ولها أركان؛ الأركان ما كان داخل الماهية، أي داخل ماهية العبادة، والشروط ما كان خارج الماهية، أي خارج ماهية العبادة. مثل لو مثلنا بالصلاة، ومن شروط الصلاة عندي الطهارة، من شروط الصلاة عندي استقبال القبلة كما يذكر العلماء. فلو كان النهي تسلط لا على العبادة، لا على الصلاة، وإنما على شروطها، جاء النهي تسلط على الطهارة، جاء النهي تسلط على القبلة، فالنهي هنا يقتضي الفساد، فهكذا العبادة تكون فاسدة لا تصح. مثل ما لو أن رجلا صلى وهو محدث، صلى بغير طهارة، أو أن رجلا صلى وهو مستدبر القبلة، أي أنه أدى الصلاة بغير شرطها الذي أراده الله عز وجل، خالف، لم يؤدي العبادة على الوجه المطلوب. وهذا الذي لم يؤديه على وجه المطلوب في شرط من شروط العبادة، فعند المؤلف رحمه الله تعالى، بل وعند الكثير من الفقهاء: أن هذا يرجع للعبادة بالبطلان. فعندهم قاعدة: أن النهي إذا تسلط على ذات العبادة أو على شرط من شروطها، فإن ذلك يقتضي بإفساد العبادة. هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد وخلل». ما معنى ذو فساد؟ معنى ذو فساد: أي أنه لم تترتب الآثار عليه. فعندي العبادة، وعندي المعاملة؛ الفاسد في العبادة والمعاملة بمعنى أن آثاره لم تترتب عليه. أنت عندما تؤدي عبادة لابد أن العبادة حتى تكون صحيحة أن آثارها تترتب عليها. وما هو الأثر المترتب على صحة العبادة؟ إبراء الذمة؛ إبراء الذمة، ولا تطالب بعد ذلك. هذه صحة العبادة. أنت الآن صليت المغرب، ما الدلالة على أن العبادة قد صحت؟ أنك لا تطالب بالإعادة، هذا يكفيك؛ لأنك لو طالبت بالإعادة، ما دل ذلك؟ دل ذلك على أن الذمة ما برئت. إذن معنى أن العبادة لم تترتب آثارها: لم يترتب آثارها، فهذا الضابط في صحة العبادات أن آثارها تترتب، والعبادة يترتب آثارها بإبراء الذمة. ولهذا عبر المؤلف قوله رحمه الله تعالى: «وإن أتى التحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد»، بمعنى ذو فساد: أي أن آثاره لم تترتب عليه، فالعبادة لا تصح، أي لم تبرأ بها الذمة، فتطالب بالإعادة. مثل أن رجلا عليه قضاء أيام رمضان، أو عليه نذر، فإذا به صام في يوم عيد، نقول: أنت آثم للنهي، وكذلك عملك فاسد. إذا ما معنى فاسد؟ أن أثر العبادة ما ترتب، وما هو أثر العبادة؟ إبراء الذمة؛ بمعنى أن ذمتك ما برئت، إذا ماذا تطالب؟ تطالب بالإعادة. هذا إخواني في الله ملخص هذا الباب الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وإلا فهناك تفاصيل كثيرة للعلماء في هذا الباب يذكرونه حول التفصيل في شرط العبادة، في الواجبات المتعلقة بالعبادة. وهناك أشياء صرح العلماء على أنها لا تفسد العبادة، وإن كانت نهي، لكنها إذا لم تتعلق بذات العبادة، ولا بشرطها، فأنت تقع في الحرمة، لكن مع صحة العمل. يمثل العلماء مثلا بالنهي الذي ليس له تعلق لا بذات العبادة، وليس له تعلق بشرط العبادة، مثل من صلى وقد لبس خاتم ذهب. خاتم ذهب هي معصية، سواء في حق من صلى، وفي حق من لم يصل؛ هي ما لا تتعلق بالصلاة أصلا، ليس هي مختصة بالصلاة. إيها اللي هي عامة، إذا أنت مصلي فأنت في نهي، وإذا أنت نائم ولبست الخاتم فأنت في نهي، وأنت تأكل وعندك الخاتم فأنت في نهي، ففي كل إحوالك أنت متلبس بنهي. فهذا لا يختص بذات العبادة، وأيضا الخاتم ما له تعلق بشيء من شروط العبادة، لا يتعلق باستقبال القبلة، لا يتعلق بالطهارة، ما يتعلق بشيء من شروطها. فهنا يأتي السؤال: ما حكم من يصلي وقد لبس خاتم ذهب؟ فيقال: الصلاة صحيحة، ما نحكم عليها بالفساد، لكنك وقعت في حرمة؛ لأنك لبست ماذا؟ شيئا مما نهى عنه شريعة. فإن قال قائل: فعلى ما صححاء هذه العبادة، ولماذا ما أبطلتموها؟ نقول: كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن أتت تحريم في نفس العمل أو شرطه». وهنا لبس الخاتم ما دخل في ذات العبادة، ليس له ركن من أركان العبادة، وكذلك ليس من شروطها. هذا الذي أراده رحمه الله تعالى: «وإن أتت تحريم في نفس العمل أو شرطه فذو فساد وخلل». ثم قال رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». قوله رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه»: متلف مأخوذ من التلف، مأخوذ من التلف، وهو إفساد الشيء وإزهاقه، هكذا قال أهل اللغة في تعريف التلف: إفساد الشيء وإزهاقه. قال رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه»: ومتلف مؤذيه أي رجل قام بإتلاف شيء، لكن بهذا القيد: قام بإتلاف شيء يؤذيه، أوصل إليه الأذية، أوصل إليه الأذية. فقال: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن»؛ ليس عليه الضمان، ليس عليه كذلك لا قصاص إن كان نفس أزهقت، وليس كذلك عليه عوض إذا كان من ذوات الأموال، ليس عليه شيء، بل يكون هدر، يكون ما أتلفه هدر، فلا أحد يطالب هذا الذي أتلف بهذا القيد: أتلف شيئا جر عليه الأذية. قال رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». وهذا سيأتي. إذن مؤدى هذه القاعدة: وهي ما لو أن رجلا ما استطاع أن يدفع الأذية عن نفسه إلا بالتلف، وقد يكون هذا التلف إفساد الشيء برمته، أو إتلاف بعض أعضائه، إما هذا وإما هذا. فهذا الرجل بهذا المصطلح: أن يدفع عن نفسه إلا بإتلاف الذي آذاه، هنا لا يترتب عليه شيء. قال رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن»؛ أي ليس عليه الضمان. وهذا من الذي أخرج عدة صور؛ أخرج عدة من أتلف شيئا بأرض، بقصد الانتفاع منه، لا هذا عليه الضمان. هنا قيد في هذا البيت: قيد في حق المتلف؛ أتلف الشيء بغية دفع الأذية، هذا قصده. هنا يأتي الحكم الشرعي: لا ضمان عليك. خرج من خرج من لو أتلف شيئا بقصد ماذا؟ هل بقصد دفع الأذية؟ لا، بقصد الانتفاع؛ الانتفاع من هذا التلف، هذا عليه الضمان. أو أنه أتلف شيئا من باب العبث، فهذا عليه الضمان. أو أتلف شيئا من باب الاعتداء والعدوان، هذا عليه الضمان. فالمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا القيد: أن الذي أتلف شيئا بقصد دفع الأذية، فهذا لا ضمان عليه. ما الدليل على ذلك؟ استدل العلماء رحمهم الله تعالى لمثل هذه القاعدة بأدلة كثيرة. وطبعا هذه القاعدة لو تذكروا الإخوان في الله: تدخل في قواعد كثيرة، من ذلك: المحظورات تبيح المحظورات؛ لأن هذا مضطر يريد أن يدفع الأذية، فيدفعه بما يستطيع، ولو داخل في باب التلف؛ لأن هذا المحظور الذي وقع فيه من باب الضرورة. وكذلك قاعدة قد مرت معنا: تبيحها بهذه القاعدة، وهي قول الفقهاء: «الضرر يزال»؛ أي ضرر يقع على بني آدم، فإنه ينبغي أن يرفع، وأن يدفع عنه الضرر. فهذه القواعد العظيمة تؤيد هذا المعنى. زد على ذلك الأحاديث التي استدل بها العلماء. من ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث عمران بن الحسين رضي الله تعالى عنه قال: «أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فمه، فوقعت ثنيتاه». أي: رجل قام في شجار وعض يد رجل، عض يده بشدة -يعني: فيه شجار وعراك- فهذا الذي دخلت يده في فمه الذي شاجره، ما الذي رفعه؟ نزع يده، نزعها بقوة، ما الذي صار؟ سقطت ثنيتا الرجل، سقطت؛ هذا تلف، إسقاط الأعضاء. فاختصموا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية له». لماذا لا دية له؟ لأن هذا الذي عض إنما دفع الضرر عن نفسه، دفعها، ولو كان في ذلك إتلاف. وهذا التلف قد حصل بإسقاط أسنان، والثنية: الأسنان الأمامية سقطت من الرجل، ولهذا أهدر نبينا هذا الرجل، قال: «لا دية له»، لا تطالب، لا تطالب؛ أنك ماذا؟ أنت معتدي، وهذا الذي أوقع فيك الإتلاف ما أوقعه إلا من باب دفع الأذية، وهذا حق شرعي. قال رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». والأصل: أنك عندما تدفع يا عبد الله، حاول أن تدفع بالأسهل فالأشد، لا تبدأ بالأشد، لا تبدأ بالشديد، وإنما تبدأ بالأسهل فالأسهل. واستدل العلماء أيضا على هذا الشرط، وعلى هذا القيد بما جاء في الصحيح في قصة في أمر ذاك الرجل عندما سأل نبينا عليه الصلاة والسلام: «لو أن رجلا سأله أن يأخذ مالهم»، قال: «فلا تعطيه مالك». الرجل بغى عليه، قرصنه في الطرقات، وفي السبل، فطلب ماله. فقال: «لا تعطيه مالك»، فقال: «يا رسول الله، أرأيت إن قاتلني؟» قال: «قاتله، دافع عن مالك». قال: «أرأيت إن قتلني؟» قال: «أنت في الجنة». قال: «أرأيت إن قتلته؟» قال: «هو في النار». استفاد العلماء التدرج، لا أنك تدخل أول وهلة في من يطلب منك المال أنك تقتله مباشرة، لا، ما يجوز هذا، لا عليك يا عبد الله أن تسترسل في ماذا؟ في الدفع. هذا الذي أراده رحمه الله تعالى بقوله: «بعد الدفاع بالتي هي أحسن». مثل هذه القاعدة يمثل علماء رحمهم الله تعالى ما لو أنك هجم عليك حيوان، هجم عليك جمل هائج، هجم عليك هجوم، فأنت يا عبد الله، أنت شرعا لك أن تدافع عن نفسك، هذا ما يسمع علماء بدفع الصائل. لك أن تدافع بنفسك، ولو بإزهاق روح هذا الجمل، إذا كان عندك سلاح، بإمكانك أن تدفع، ادفع، لكن حاول أن يكون هذا الدفع بالتي هي أحسن، أن استطعت أن تفر من وجهه فر، وكفاك الله. إن استطعت وعندك قدرة على الفرار فر، عندك بيت، عندك ملجأ، عندك سور، عندك جبل تصعب عليه، وعندك قدرة على الصعود والفرار، افعل هذا، ولا تكثر تواجه من أول وهلة. ما استطعت على الفرار في مكان ضيق، وأنت رجل عندك قدرة على إصابته في رجله، أو على عرقلة حركته، افعل هذا، عرقل الحركة، لكن إذا ما استطعت لا لهذا ولا لذاك، ما بقي من سبيل إلا بإزهاق روحه كآخر مناص لهذا الفرار، فافعل هذا، فإن فعلت لا ضمان عليك، فهذا هدر. بل أدخل علماء كذلك: فإذا في حق من صلى إلى سترة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر المصل إلى سترة أن لا يجعل أحد يمر بينك وبين سترتك، فإن أبى، قال عليه الصلاة والسلام: «فليقاتله، فإنما هو شيطان». فذكر العلماء فائدة في هذه المسألة، كما قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال: «وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه»، ثم قال: «قال: فإن دفعه بما يجوز». إذن هذا المصلي ترك السلاح، لكن دفعه بما يجوز، بيده، وما ونحو ذلك مما أمر شرع بدرء مثل هذا المار بينك وبين السترة. قال القاضي العياض: «فإذا دفعه بما يجوز فهلك، فلا قود عليه باتفاق العلماء»، لا قود، لا قصاص عليك؛ لأنك ماذا؟ لأن هذا معتدي، وأنت دفعت بما تستطيع. مثل الرجل كما يصلي، فأحد يمر، يمر، وأنت بالتي أحسن، النبي قال: «إذا رأيت أن هذا سيمر ولا محالة فقاتله»، فدفعته بقوة، بقصد الدفع، فجاءت الضربة ها هنا في رقبته، اختنق، فمات. قال قاضي عياض: «باتفاق العلماء لا قود عليك»، لماذا؟ لأن هذا من دفع الصائل. كما قال رحمه الله تعالى: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.