الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع معنى كلمة 'القواعد' في اللغة العربية، حيث تأتي بمعاني الاستقرار والثبات وتطلق على الأساس أو الساس. يُوضح أيضًا أن 'قواعد' هي جمع كثرة.
يتناول هذا الفصل تعريف القاعدة الفقهية بأنها قضية كلية أو أغلبية تنطبق على الجزئيات، وتستمد من مصادر الشريعة مثل القرآن والسنة النبوية وإجماع العلماء والاجتهاد.
يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، ويعبر عن التوقير والاحترام للنبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فكما ذكرنا إخواني في الله، سيكون هذا المقام بإذن الله في كل ليلة في قراءة هذه المنظومة التي ألفها العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، والموسومة بـ«القواعد الفقهية لفهم النصوص الشرعية». وقبل الشروع، إخواني في الله، في ذكر الأبيات التي ألفها المؤلف رحمه الله تعالى، نبقى عند لفظة «القواعد»، ما المقصود بقولنا «القواعد»؟ القواعد، إخواني في الله، أو «قواعد» على وزن «فواعل»، وهذه من جموع الكثرة، وهي من جموع الكثرة. وجموع الكثرة هي الجموع التي لا منتهى لها، واختلف العلماء في بدايتها، أما النهاية فلا خلاف أن لا نهاية لها، وإنما تم الخلاف في ذكر البداية لجموع الكثرة، بكم تفتتح؟ قيل بثلاثة، وقيل بأحد عشر. وهذا ليس مقامه، لكن نفهم كوزن «قواعد» فواعل، هذه من جموع الكثرة. وأما «القواعد»، معناها في اللغة العربية، فهو تأتي على عدة معاني. من المعاني التي تأتي منها «القاعدة» أنها تأتي بمعنى الاستقرار والثبات. يقول ابن فارس رحمه الله تعالى: إن مادة القاف والعين والدال «قاعدة» هذا الأصل، يدل على الاستقرار والثبات. ومنه قعد ويقعد وقاعد، ومنه قاعدة الرجل، قاعدة الرجل أي امرأته، سميت بذلك لأنها مستقرة في بيتها. ومنه كذلك قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وهكذا أيضًا منه «ذو القعدة»، سمي «ذو القعدة» بهذا الاسم لأن العرب تقعد في بيوتها وتكف عن السفر. فتجد أن مادة القاف والعين والدال من معانيها تدل على الاستقرار والثبات. هذا معنى. وأيضًا من معاني «قاعدة»، ومنه «القاعدة» أنه يكون بمعنى الساس أو الأساس، سواء كان هذا الأساس حسيًا أو معنويًا، يطلق عليه «قواعد». مثل أساس البيت، ومنه قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، «القواعد» من البيت بمعنى الأساس. فإذا «القاعدة» تطلق أيضًا على الأساس، إذن معاني «القاعدة» تدور على هذه المعاني: بمعنى الاستقرار والثبات، وبمعنى الأساس. ولو تلاحظ الترابط بين هذه الكلمات، بل بين هذه المعاني، لأن الأساس من وصفه الثبوت والاستقرار. فهذا معنى «القاعدة» في لغة العرب. أما «القاعدة» عند اصطلاح العلماء، ممن عرفها، ما ذكره الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه «التعريفات»، عرف «القاعدة» بأنها: «قضية كلية تنطبق على جميع جزيئاتها». «القاعدة» هي قضية كلية تنطبق على جميع جزيئاتها. فمثلا نحن الآن في صدد ذكر «القواعد الفقهية»، فأتت إلى قاعدة فقهية مثل «اليقين لا يزال بالشك» أو «اليقين لا يزول بالشك»، هذه قاعدة. أو «الضرورات تبيح المحظورات»، هذه قاعدة فقهية. وغيرها من القواعد مما سيأتي ذكره. هذه «القاعدة» تجد أنها سميناها «قاعدة» لأنها قضية كلية، والذي أرشد إلى ذلك أنها كلية بأنها يتدخل فيها كثير من الحيثيات والجزئيات. فهذه «القاعدة» «اليقين لا يزال بالشك» تستخدمها في باب الطهارة، وتستخدمها في باب الصلاة، وتستخدمها في باب العبادات، وفي باب المعاملات، في أي باب يستخدم هذه «القاعدة»، في كل مكان. إذن فهي قضية كلية. إلا أن بعض العلماء نازع في ذلك، ويرى أن الأصوب في ذكر تعريف «القاعدة» بأنها قضية أغلبية، أكثرية، لا كلية. وهذا أدق. أن «القاعدة» لا نقول في تعريفها بأنها قضية كلية، بل نقول الأصوب فيها أن نقول: هي قضية أغلبية، أغلبية يعني أغلب الجزئيات تدخل فيها. والقواعد الفقهية، إخواني في الله، مصدرها ومآخذها تأخذ من كتاب الله، من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. فتجد أن من القواعد ما مصدرها السنة، مثل ستأتي قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، هذه قاعدة صريحة، وهي كذلك حديث نبوي عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فتستمد القواعد من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. وأيضًا تستمد القواعد من إجماع العلماء، يمثل الفقهاء تحت هذا البند أن القواعد الفقهية تؤخذ من إجماع العلماء. «القاعدة» التي سموها بـ«لا اجتهاد مع النص»، «لا اجتهاد مع النص»، هذه قاعدة، وهذه قاعدة مأخوذة من إجماع العلماء، فإن لا أحد هناك كائن من كان أن يعارض النص. وجعلوها قاعدة، من أين أخذت؟ من الإجماع المعتبر والمعتمد. وأيضًا المصدر الثالث من مصادر القواعد الفقهية: الاجتهاد، الاجتهاد المبني من الاستنباط. فتجد أن الفقهاء يشتهدون في ذكر الأدلة الشرعية ويستخرجون منه قواعد، مثل القاعدة الشهيرة «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، هذه قاعدة فقهية مأخوذة من اجتهاد العلماء من بعض النصوص الشرعية. فإذا ما أردنا أن نرد القواعد الفقهية والتي نحن في صدد دراستها، إما أن تكون ما ردها إلى السنة النبوية، أو ما ردها إلى إجماع العلماء، أو أن ما ردها يرجع إلى ما يسميه العلماء إلى الاجتهاد، إلى الاجتهاد والاستنباط. وهذا الباب، إخواني في الله، من الأبواب المهمة التعرف على القواعد الفقهية، من المسائل المهمة. ولا زال علماء قديمًا وحديثًا يحثون طلاب العلم خاصة على الاقتباس من هذا الفن والاهتمام به والانكباب على قواعده وعلى تعالي مسائله. قال مؤلف هذه المنظومة رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العلي الأرفق، وجامع الأشياء والمفرق. طبعًا، إخواني، هناك في مسائل أعرضنا الكلام عنها، مسائل متعلقة حول الفرق بين القاعدة وبين الضابط، كذلك الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، إلى غير ذلك من المسائل. لكن هذا ليس مآلها، وهذا يترك في الدروس الخاصة والإسهاب في ذكرها. حسبنا أن نشير إلى القواعد العامة والمسائل العامة التي تعم الجميع. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذه المنظومة وهذه الأبيات بالبسملة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. وقد مر معنا في دروس خلت أن البدء بالبسملة مما يشرع، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.