الدرس في شرح كتاب التوحيد 236، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع الأول يشرح حديثًا نبويًا يتعلق بعبارة "ما شاء الله وشئت" ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكرها لأنها تشير إلى الندية لله تعالى. يوضح الصيغ الصحيحة البديلة مثل "ما شاء الله وحده".
يناقش المقطع الثاني أهمية تقييد التعظيم بالشرع وعدم إطلاق العبارات الكبيرة دون ضابط شرعي، ويبين أن الغلو محرم ويستدل بحديث ينكر فيه النبي على رجل قال "ما شاء الله وشئت". المخالفات العقدية يجب أن تنكر بشدة.
المقطعان الثالث والرابع يحذران من جعل الأنداد مع الله في العبادة أو في الأقوال، ويبينان أن ذلك يعتبر شركًا وكفرًا، ويشيران إلى أمثلة من الأقوال التي لا تجوز مثل 'ما شاء الله وشئت' و 'توكلت على الله وعليك'.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده. هذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، قول: ما شاء الله وشئت، وذكر لنا حديث ابن عباس، والذي رواه الإمام النسائي رحمه الله تعالى بإسناد صحيح، كما أورده العلامة الألباني في الصحيحة. وفي هذا الحديث أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، خاطب بهذه العبارة نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن هل ارتضى نبينا هذا الكلام؟ الجواب: لا، كما أشرنا لما ذلك من المخالفة العقائدية العظيمة التي تكنها هذه الكلمات وهذه العبارات. فغضب عليه نبينا صلى الله عليه وسلم منكرًا، قال: أجعلتني لله ندًا؟ أجعلتني لله ندًا؟ وفي ذلكم إشارة إلى أن هذه العبارة وهي: ما شاء الله وشئت، يعد نوعًا من أنواع التنديد. فلا تجعلوا لله أندادًا، وأن الندية لله سبحانه وتعالى قد تكون في عدة صور، قد تكون بالألفاظ كقولك: ما شاء الله وشئت، فجعلت لله ندًا، فلما سمع نبينا هذه العبارة غضب، وقال: أجعلتني لله ندًا؟ فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بأن يغير هذه العبارة، و"ند" بمعنى النظير والمساوي والموازي، هذا معنى الند. ومر معنى كذلكم أن التنديد ينقسم إلى قسمين: إلى تنديد أكبر وهو مخرج من الدين والملة، والذي يكون فيه الاعتقاد، وهناك تنديد أصغر وهو الذي لا يكون بالاعتقاد، وإنما حسبك بألفاظ تصدر من اللسان، هذا يعد من التنديد لكنه أصغر لا يخرج عن الدين والملة كحال هذا الحديث الذي بين أيدينا. فهذا الرجل إنما خاطب نبينا بهذه العبارة: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، فغضب عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وأسمعه هذا الإنكار: أجعلتني لله ندًا؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: بل ما شاء الله وحده، بل ما شاء الله وحده، في إشارة إلى أن الإنسان إذا غير المنكر ينبغي أن يبين وجه الصواب. فإذا كانت هذه العبارة خطأ، فالصواب أن تقول: ما شاء الله وحده، وهنا مسألة إخواني في الله، وهي التي قد تكررت معنا في أحاديث سبقت، جاءت معنا أن في بعض الأحاديث أن النبي أنكر على عبارة: ما شاء الله وشئت، وأن تغير بـ: ما شاء الله ثم شئت، وهذا الحديث الذي بين أيدينا أمر نبينا أن تغير هذه العبارة إلى: ما شاء الله وحده. إذن ما الذي ينبغي أن يفعله المسلم في هذا الباب؟ هل يقول: ما شاء الله وحده، أو ما شاء الله ثم شاء فلان، أو ثم شئت؟ هنا قال العلماء: الأفضل والأكمل والأحسن أن تقول: ما شاء الله وحده، هذا الأفضل، وإذا قلت: ما شاء الله ثم شئت، هذا لا بأس به، وهو من الأمور الجائزة. إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه هذا، إخواني في الله، معنى هذا الحديث، وهنا تأتي مسائل تستفاد من هذا الحديث. بشكل عام من أولى هذه الفوائد إخواني في الله: فيه أن مقام التعظيم ينبغي أن يقيد بالشرع، هذا الإنسان وهو هذا الرجل في هذا الحديث إنما خاطب نبينا بألفاظ أراد فيها أن يظهر إجلاله واحترامه لرسول الله، فوجد أن من ألفاظ الإجلال وأن من ألفاظ الاحترام أن قال لرسول الله: يا رسول الله، ما شاء الله وشئت، لكن هل النبي وافق؟ الجواب: لا. معنى إنما أراد التبجيل، إنما أراد التكريم، فدل ذلكم على أن مقام التكريم، مقام التعظيم لا يعود إلى أنفسنا بأن تجتهد يا عبد الله، وأن تتزاحم بذكر ما تريد من الألفاظ والعبارات وتبرر ذلكم أنك إنما أردت الإجلال والاحترام، فكل ذلك منهي عنه. فالإنسان ولو كنت يا عبد الله معظمًا لرسول الله أو معظمًا لمعالم الدين أو معظمًا لشريعة الإيمان أو معظمًا لكل ما يمت لهذا الدين بصلة، ليس معنى هذا التعظيم أن تجعل لنفسك وتطلق لنفسك العنان بأن تأتي بأي خطاب وكلام. وهذا الرجل عندما أراد أن يعظم رسول الله فقال له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، أنكر عليه نبينا، وبهذا نعلم إخواني في الله أن ما نسمعه من كثير من الناس من العامة وخاصة مما ابتلي به بعض المبتدعة أنهم يطلقون العبارات الكبيرة العظيمة التي ما يجل أن تطلق على أحد، لكن يبررون ذلكم أنما إنما أردنا المحبة والإجلال والتكريم والتوقير لرسول الله، يقال: لا يا عبد الله، هذا كله لا يجوز، التعظيم يحد بالشرع فلا نتجاوز ذلك. فإن المجاوزة يدخلنا في باب الغلو وهو محرم، وفي هذا الحديث كذلك من الفوائد: فيه التغليظ في من وقع في مخالفة من مخالفات التوحيد، هذا الخطأ يحسن في أي قسم؟ يحسن في قسم التوحيد، عبارات تمس بتوحيد الله، عبارات تمس بالعقيدة، فحينها كان الإنكار من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكارًا عظيمًا حتى قال فيه: أجعلتني لله ندًا؟ أجعلتني لله ندًا؟ لماذا نبينا صلى الله عليه وسلم هنا أغلظ الوعيد وأغلظ الزجر والتهديد؟ لأن المقام مقام عقيدة وتوحيد، مقام عقيدة وتوحيد، والمخالفات العقدية والمخالفات في التوحيد سواء كانت في القلوب أو في الجنان أو في الألفاظ أو في التصرفات والأفعال ولو كانت على حسن نية، حسن معتقد، ينبغي أن تنكر ولو يشد على فاعلها. وليعلم فداحة ما صنع، وهذا أمر للأسف خفي على كثير من الناس، كما أسلفنا في مجالس سابقة، الناس في هذه الأزمان على عكس ما ينبغي، لربما الواحد منا يرعد ويزبد ويشدد في العبارة ويغلط في الكلام إذا وقع الناس في معصية، لكن بالمقابل إذا وقعوا فيما هو من الكفر والشرك لربما رأيت التماوت، رأيت التماوت ورأيت التساهل. وهذا من فعل الأفهام المعكوسة والآراء المنكوسة التي ما تربت على العلم الصحيح والعقيدة الصحيحة، فها هو نبينا صلى الله عليه وسلم شدد العبارة في رجل ما أراد إلا حسن معاملة، لكن لما كان هذا يمس بالعقيدة والتوحيد غضب عليه نبينا وقال له: أجعلتني لله ندًا؟ وفي هذا الحديث من الفوائد فائدة وهي مستفاد من هذا استفهام الإنكاري عندما قال نبينا لهذا الرجل: أجعلتني لله ندًا؟ ما هو الجواب؟ إن كان جواب ما هو الجواب؟ لا، الجواب: لا، إن كان من جواب سيدلي به نبينا والجواب حاضر أصلا وهو أني لست ندًا لله، أنا لست ندًا لله، فما أنا إلا عبد لله رسول من قبل الله، فلست ندًا لله، لست بنظير ولا مثيل لله هكذا سيكون العبارة. لكن للأسف نجد أن من الناس ما فهموا هذا، إذ من الناس من لربما جعلوا رسول الله ندًا لله، ندًا لله في موازاة الرب جل وعلا، حتى أن من الناس من قال: أنا أعبد الله وأعبد محمد، أليس هذا هو التنديد؟ ألم يقل نبينا: أجعلتني لله ندًا؟ ما الذي سيقوله نبينا في حق من يقول بهذه العبارات؟ أنا أعبد الله وأعبد محمد، جعل أن الكل في مقام واحد، رب الأرباب ونبينا عليه الصلاة والسلام، الكل يتقرب إليه بالعبودية، هذا من الشرك الصراح والكفر البواح الذي ما بعده الكفر. عندما تعتقد بأن النبي يتقرب إليه بالعبادات كما يتقرب به إلى الله، وهكذا قس من يدعي أن رسول الله يعلم الغيب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم من جوده الدنيا والآخرة، ومن علومه علم اللوح والقلم، إذا ما الذي ترك لله؟ إذن الله عنه علم اللوح والقلم، ومن ملك الله الدنيا والآخرة ونبينا بمثله، ومن جودك الدنيا والآخرة، ومن علومك يا محمد علم اللوح والقلم، أليس هذا جعل رسول الله ندًا لله؟ بل والله جعله ندًا لله، ونبينا يقول: أجعلتني لله ندًا؟ أبدًا ما يكون هذا. فكيف بمن هو أعظم من ذلكم من أتى إلى من هو دون الرسول عليه الصلاة والسلام وجعله ندًا مع الله، كحال من عظم الأولياء ومن عظم الأضرحة ومن عظم الكثير من السادات الذين يعبدونهم ويتوجهون إليهم وجعلوهم في مصاف الرب، وهكذا قس الفرق الضالة كالرافضة، ذاك الرافض الذي غلا في علي حتى جعل علي في منزلة الله، فقال في شعره يمدحه: وأنت السميع وأنت البصير وأنت على كل شيء قدير، ولولاك ما كان نجم يسير، ولولاك ما دار الفلك. هذا من؟ هذا علي، أنت السميع وأنت البصير وأنت على كل شيء قدير، ولولاك ولولاك ما كان نجم يسير، ولولاك ما دار الفلك، كم وكم نسمع من كثير من الناس من أهل البدع والأهواء والضلال من جعلوا أندادًا مع الله، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو من هو صلوات ربي وسلامه عليه يقول: أجعلتني لله ندًا؟ ما هناك ند لله سبحانه وتعالى، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلًا أن يكون وليًا وصالحًا. وهكذا أخواني في الله من فوائد هذا الحديث: في هذا الحديث مما يستفاد به إذا كانت عبارة: ما شاء الله وشئت فيها التنديد فيها التنديد لله جل وعلا، دل ذلكم على أن ما كان في معناها أو ما كان أشد منها يدخل في الحكم، فليس العبارة مخصوصة محدودة بهذه الكلمات فقط، وإنما يلحق بها ما كان على سمتها. فمن جعل مال الله يساوي مع غير الله، فهذا قد جعل مع الله ندًا، مثاله مثال هذه العبارة: ما شاء الله وشئت، قول القائل: توكلت على الله وعليك، هي بالمثل لا تجوز، أو قول فلان من الناس: حسبي الله وأنت، أو قول طائفة من الناس: ما لي إلا الله وأنت، أو قول القائل: لولى الله وأنت، فهي بالمثل، أو قول القائل: هذه من بركات الله ومن بركاتك، أو قول القائل: الله لي في السماء وأنت لي في الأرض، كل هذه العبارات تصب في هذا المصب، كلها لا تجوز لأنها بمثل: ما شاء الله وشئت، بل أفحش كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله، هذه أفحش وأغلب. وينبغي أن يزجر من فعلها ومن تلفظ بها، سواء أراد حسن النية أو بسوء نية، ينبغي الجميع أن يخاطب الناس بما أمر الله بالخطاب به، لا تجعل مع الله شريك ولا ند ولا تنديد، لا في الألفاظ ولا في الاعتقادات، اجعل لله لله وما لخلقه هو الدون، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، وهكذا ما مر من تلكم العبارات ينبغي أن تصحح، فلا تجعل ما مع الله مساويًا مع ما غيره. هذا إخواني في الله ما يذكر في هذا المقام من مسائل وفوائد وأحكام، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.