شرح كتاب التوحيد 238

شرح كتاب التوحيد 238

الدرس في شرح كتاب التوحيد 238، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تحريم سب الدهر

يبدأ الشرح ببيان معنى سب الدهر وسبب تحريمه، حيث يعتبر سب الدهر أذية لله تعالى. يُوضح أن الدهر ليس له تأثير حقيقي.

خطورة سب الدهر وعلاقته بأذية الله تعالى

يشرح هذا الفصل خطورة سب الدهر وعلاقته بأذية الله، حيث يُبين أن الله هو الفاعل الحقيقي وراء الأحداث. يُوضح أن سب الدهر قد يصل إلى درجة الكفر أو التحريم.

التفريق بين الأذى والضرر في حق الله تعالى

يتناول هذا الفصل الفرق بين الأذى والضرر، موضحًا أن الأذى يمكن أن يلحق بالله من العباد بينما الضرر لا يمكن أن يلحق به. يُعرّف الأذى والضرر ويوضح الفروق بينهما.

ختام الدرس والدعاء

يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في نيل رضا الله تعالى والتأكيد على علم الله الشامل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله. هذا الباب من التبويبات الجديدة التي بوّب عليها المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة، ألا وهي كتاب التوحيد، فقال رحمه الله: باب من سب الدهر فقد آذى الله. وقبل الشروع في بيان مسائل هذا التبويب، ينبغي الإشارة إلى ما يتعلق بعلاقة هذا الباب بالذي قبله. العلاقة بينهما أن ما كان من الأبواب السابقة إنما جارت مجرى تعظيم الله جل في علاه، وذلك بقول القائل: ما شاء الله ثم شئت، أو ما شاء الله وحده. قد تم تقرير ذلك في الأبواب السابقة، كل ذلك يدور على مسألة تعظيم الله جل في علاه. أما هذا الباب، فكما تلاحظ: باب من سب الدهر فقد آذى الله، فيه ما يتعلق بالاحتراز من أذية الله، أن لا يقع من قولك ولا من لفظك ولا من سلوكك ما يكون فيه أذية لله جل في علاه. فهذا علاقة الباب بالذي مضى، ولهذا ناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا بعد ذلك. فقوله رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله، هذا أسلوب الشرط، أسلوب الشرط وقد مضى معنا أن أسلوب الشرط يفيد العموم، فمن تشمل كل أحد، فهذا الحكم يشمل جميع الصغير والكبير والذكر والأنثى والعظيم والحقير، فينبغي على أهل الإسلام جميعًا أن يتأملوا في هذا الحكم، الذكر والأنثى، المسلم والمسلمة. وكم نحن بحاجة إلى هذا الباب، إلى تفقهه وتدبره، كما سيأتي معنا. لا تظن أن هذا الباب من أول وهلة أنه باب قد بلي، لا يا عبد الله، بل هذا الباب قائم ولا يزال. كم من الناس من لا يزال من ألفاظهم ما يكون فيه أذية لله جل في علاه. فقال رحمه الله تعالى: باب من سب. السب يأتي بمعنى الذنب، ويأتي بمعنى الشتم، ويأتي بمعنى اللعن، كل ذلك من أنواع السب. وحقيقة السب ما فيه تنقص، هذه حقيقة السب تنقص. فالذي يسبك تنقصك، والذي شتمك تنقصك. فباب من سب فيدخل في باب السب نسبة النقائص لله، ويدخل في باب السب نسبة الشر إلى الله، كل ذلك نوع من أنواع السب لله جل وعلا، فينبغي أن نعلم ذلك. أن السب يدخل فيه الذنب، يدخل فيه الشتم، يدخل فيه اللعن، يدخل فيه نسبة النقائص، يدخل فيه نسبة الشر لله، كل ذلك من أنواع الأذى، وكل ذلك من أنواع السب لله جل في علاه. قال: باب من سب الدهر. الدهر يطلق على الزمن، يطلق على الزمن ويشمل ذلكم كافة الأزمنة، يدخل في ذلكم اليوم، يدخل في ذلكم الساعة، يدخل في ذلكم الأسبوع أو الشهر أو السنة أو العام أو الأزمان بشكل عام، كل ذلكم يعد من الأزمان. فكون أن الإنسان يسب الدهر هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. لماذا لا يجوز؟ لأن الدهر وهي الأزمان، سواء كان ساعات أو أيام أو أعوام، هي في الحقيقة مفعولة لا فاعلة. لماذا تسبها؟ ما الذي جرى منها حتى تسبها؟ هل هي تسببت في شيء؟ هي ليست متسببة، هي ليست فاعلة حتى تحملها أشياء فتقوم بسبها. الذي يسب الذي يزم هو الذي تسبب لك في شيء، وهل الأزمان سببت لك في شيء؟ لا، الأزمان مفعولة، إنما تفعل فيها الأشياء، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى، الفاعل هو الله سبحانه وتعالى. أما الزمان ما يملك لنفسه شيئًا، لا يملك لغيره ضرًا، فعلى ما تتطاول على الزمان بالسب والشتم واللعن والذم؟ هذا لا يجوز. وهذا كما قلنا من البلايا العظيمة التي تورط فيها كثير من الناس، منهم من لربما تورط تحت ذريعة الشعر، فبعض الشعراء إذا أتى بأبيات شعرية ويتكلم عن أحوال الأزمان، لربما طاش به القلم فسب الدهر، فسب الزمن، ولعن وشتم. ومنما نسمع في مثل هذه الأزمان، تجد بعض الناس يأتي باللعن الصراح: الله يلعن، ثم يأتي اليوم أو يأتي بالعام، يحدد هذه الفترة الزمنية ويخصها بالسب والشتم واللعن، هذا لا يجوز. وسيأتي معنى أن سب الزمان وسب الدهر قد يصل بفاعل صاحبه إلى الكفر، قد يصل إلى الكفر، وقد يصل إلى دون ذلك من التحريم إلى التحريم. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر، أي الزمن بمطلق الزمن أو بخصوصه، فقد آذى الله. فكيف آذى الله؟ سيأتي معنى آذى الله، لأن الله سبحانه وتعالى هو الفاعل حقيقة، هو الفاعل حقيقة للزمان، الزمان ما يفعل شيئًا، لا يقدم ولا يؤخر. فما هو إلا خلق من خلق الله، يوقع الله فيه الأحداث، ما جعله الله جل وعلا سببًا في أداء الأحداث. ولهذا من سب الدهر حقيقة أمره أنه سب الله. ومن هنا إخواني، فلا نعلم لماذا أدخل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، باب من سب الدهر فقد آذى الله. أدخله من عدة أنحاء، هذا الباب باب من سب الدهر فقد آذى الله، أدخله المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد لعدة أمور. أولاً: أن هذه من الألفاظ المشينة المسيئة في جنب الله عز وجل. وقد مضى ذلك، معنى أن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل عدد لنا الألفاظ التي ما ينبغي أن يتلفظ بها الموحد: لولا الله، لولا فلان، ما شاء الله وشاء فلان، كل ذلك من فضل الله وفضل فلان، وهكذا من هذه الألفاظ سب الدهر. فالمؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل الأخير إنما يعدد لنا الألفاظ المنهية، وهذا منها. زد على ذلكم أن في هذا الباب، باب من سب الدهر، فيه بيان لعقيدة خاطئة عند بعض الناس، من اعتقد أن الأزمان هي التي تسبب، بدليل أنه يسبها ويتطاول عليها بالشتم، ما كان هذا من إلا لما اعتقد بأن الزمن يفعل، وليس كذلكم. والأمر الثالث: أن المؤلف أدخل هذا الباب في هذا الكتاب في بيان على أن سب الدهر وحقيقته سب لله، وهذه أعظم من قص في حق الله جل وعلا، علم صاحبه أو لم يعلم. فهذا الباب من الأبواب المهمة التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله. آذى الله، الأذية ما هي الأذية؟ الأذية عرف جماعة من أهل العلم، كالخطاب وغيره، بأنه ما خفي أمره وضعف أثره من الشر والمكروه. هذا تعريف الأذى في لسان اللغة، الأذى هو ما خفي أمره وضعف أثره من الشر والمكروه، فهو مكروه وهو شر، لكن درجته ضعيفة، درجته ضعيفة. قال: يا أخي، هذا الشوكة آذتني، آذتني أذية أذيته خفيفة، لكن فيها شيء من السوء تسوءني، لكن ما كان من السوء والشر منها قليل. في هذا يعبر الناس بكلمة الأذية عما ضعف أثره من الشر والمكروه، فلان يؤذيني، فلان هذا شيء يؤذيني، ونحو ذلك. فالأذية تطلق على ما ضعف أثره من الشر والمكروه، بخلاف الضرر، الضرر أكبر، وهو ما قوي أثره، هذا المضر، المضرة. ولماذا نحتاج هاهنا إلى التفريق بين الأذى والضر؟ لأن هنا يقع اللبس عند بعض الناس، عندما يسمع بعض الناس هذا الباب: باب من سب الدهر فقد آذى الله، وما سيأتي معنا في الأحاديث: يؤذيني ابن آدم. قد يقول: قال وهل أحد يؤذي الله عز وجل؟ ألم يقل ربنا عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، ألم يقل ربنا ذلك؟ ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، شيئًا نكرة في سياق النفي، التعميم، ما هناك أحد يضر الله عز وجل. بل جاء في صحيح مسلم: «يا ابن آدم، إنك يا ابن عبد، إنك لن تبلغوا ضري فتضروني، عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني»، أي من هذا الذي يصل به المقام إلى أن يوصل الضرر إلى الله؟ ما هناك أحد، ما هناك أحد. فأمام هذه الأمثلة والآيات والأحاديث التي فيها أن ما هناك أحد يضر الله، قد يشكل هذا مع هذا الباب: فقد آذى الله، قد يقول: قال وكيف هذا؟ الله ينفي أن أحدًا لن يضره، وهنا أثبتنا أن هناك من آذى الله، لا، هنا الفرق، هنا الفرق بين الأذية والضرر. الأذية نعم هو مكروه، لكنه يسير، لكنه يسير، كما عرفه الخطاب وجماعة، هو ما ضعف خفي أمره وضعف أثره من الشر والمكروه، هذا قد يقع من الناس أنهم يؤذون الله بعباراتهم، بسلوكياتهم، بأفعالهم، لكن أن يكون الأذية تصل إلى درجة الضر، هذا ما تصل، ولم يمكن لأحد من خلق الله أن يضر رب الأرض والسماء جل في علاه. هذا والتفريق بين الأذى والضر، فالأذى قد يحصل من العباد لله، أما الضر فلا يحصل، فلن يحصل، ولا ما حصل، ولن يحصل: ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. ولهذا بعض العلماء يعرّب تعريفًا آخر، فيقول: أن الأذى أقل درجات الضر، بعضهم يعرّف يقول: أن الأذى أقل درجات الضر، بدليل ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾، لن يضروكم إلا أذى، إن كان من ضرر من الكفار إليكم، لن يصل ضررهم إلا إلى مستوى الأذى، لن يضروكم إلا أذى، شيء يسير يتحمل، يتحمله المسلم. فبعضهم يرى أن الأذى درجة ضعيفة وهي من أقل درجات الضر. فالحاصل إخواني في الله، في هذا الباب: باب من سب الدهر فقد آذى الله، سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب ما يتعلق بالآيات والأحاديث والأدلة على أن هذا الفعل، وهو سب الدهر، أن هذا حرام، وأنه لا يجوز، بل يصل أمره إلى درجة الكفر في بعض المقامات. ولأن حقيقته أنك تنسب الأفعال للزمان، والزمان ليس بفاعل للحوادث، إنما الفاعل هو الله جل وعلا فعلاً. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.