الدرس في شرح الأرجوزة الميئية 6، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا المحور أحداث غزوة الأحزاب حيث تحالفت قريش وغطفان ويهود لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف حفر المسلمون الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه. كما يبرز معجزة كسر الصخرة وبشائر الفتوح، ونقض بني قريظة للعهد، وتدبير نعيم بن مسعود لتفريق الأحزاب حتى انصرفوا بالريح والبرد.
يستعرض المحور حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بعد حصارهم، وموته الذي اهتز له عرش الرحمن، مع تأكيد أهمية تدوين المغازي النبوية. ثم ينتقل إلى أحداث غزوة ذات الرقاع ونزول تشريع صلاة الخوف والتيمم، وقصة المشرك الذي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله.
يغطي هذا المحور أحداث السنتين الرابعة والخامسة للهجرة، بدءاً من بركة حادثة ضياع عقد عائشة التي كانت سبباً لنزول آية التيمم والرد على شبهات الروافض. كما يذكر رجم النبي لليهوديين الزانيين، ومولد السبط الحسين، وتفاصيل حديث الإفك في غزوة بني المصطلق وبراءة عائشة الواردة في سورة النور.
يختتم الشيخ الدرس بالإعلان عن انتهائه بسبب دخول وقت الصلاة، على أن يكمل الأبيات المتبقية في درس الظهر غداً. ويشير إلى أن درس الغد سيكون آخر درس في تكملة المنظومة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في أرجوزته المئوية في ذكر حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام: قال رحمه الله تعالى: «وبنت جحش ثم بدر الموعدي، وبنت جحش ثم بدر الموعدي، وبعدها الأحزاب فاسمعوا عددي». أي أن بعد بدر الأخرى وهي الثالثة، الذي حصل فيها تواعد بين النبي عليه الصلاة والسلام والمشركين، والتقوا ولم يحصل قتال، ورجع المشركون ولم يقاتلوا. وقع بعدها غزوة الأحزاب، ويقال لها غزوة الخندق. وقال لها غزوة الأحزاب لأن الأحزاب اجتمعت، تجمعت واجتمعت على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد ألبّ اليهود كفار قريش وغطفان على قتال النبي عليه الصلاة والسلام، فاجتمعت هذه الأحزاب، فقيل لها غزوة الأحزاب. وخرج المشركون في عشرة آلاف مقاتل، وكانت القيادة لهذا الجيش لأبي سفيان بن حرب، وكان على غطفان عيينة بن حصن، والمسلمون والصحابة عددهم ثلاث آلاف. وتسمى هذه الغزوة بغزوة الخندق لأن المسلمين حفروا الخندق باستشارة سلمان الفارسي، وهي مكيدة ما كانت العرب تعرفها. فأشار سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه للنبي عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق حول المدينة كي يمنع المشركين. فحفر المسلمون وأصحابه الخندق، وقد شاركهم عليه الصلاة والسلام في حفر الخندق. وقد لاقوا صخرة عظيمة ما استطاعوا كسرها، فأخبروا النبي بذلك، فجاء عليه الصلاة والسلام بمعوله وكبر وضربها، الضربة الأولى قال: «رأيت كنوز كسرى»، وفي الضربة الثانية قال: «رأيت كنوز قيصر»، وفي الثالثة قال: «رأيت صنعاء اليمن»، فكسرها النبي عليه الصلاة والسلام. وكان عليه الصلاة والسلام يحمل على ظهره التراب، وكان يعمل مع أصحابه عليه الصلاة والسلام ويحفر معهم صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. وهذه الغزوة، غزوة الأحزاب، رأى الله عز وجل فيها المؤمنين بلاء عظيما من الابتلاء: كثرة عدد المشركين، هم أحزاب، هي حزب واحد، وإنما أحزاب تجمعت، عددهم كثير، عشرة آلاف مقاتل. وأيضا كما قال جل وعلا: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ ﴾ [الأحزاب: 10]. هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. فابتلاهم الله عز وجل ابتلاء عظيما، ورد الله عز وجل كيد المشركين، أرسل الريح التي دمرت خيامهم. نعم، وقد أخفرت بنو قريظة عهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم. ومع المشركين لأن بعض من أسلم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام من غطفان، وأخبر نبي الله بإسلامه، وطلب نبي الله أن يجعله يكتم إسلامه، وطلب منه أن يعمل شيئا، فأن نبي الله طلب منه أن يفعل ما فيه النصرة للإسلام والمسلمين. فذهب إلى بني قريظة، بني قريظة كانوا على عهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك استصعب على المشركين دخول المدينة من جهة بني قريظة لحصولهم التي تمنعهم من الدخول. وأما الجهات الأخرى فكان حولها الخندق الذي حفروه ويمنع المشركين. لكن نقض بني قريظة العهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتحوا حصونهم للمشركين. حتى وصل الخبر للنبي عليه الصلاة والسلام، فجاء هذا الصحابي الذي أسلم إلى بني قريظة وقال لهم: «يا بني قريظة، إن هؤلاء الأحزاب من قريش وغطفان إذا تظهروا على محمد فروا إلى بلادهم وإلى ديارهم، أما أنتم فستكونون لقمة سهلة لمحمد وأصحابه، أين ستذهبون؟ أنتم هنا عند محمد في المدينة». فقالوا: «فما رأيك؟» قال لهم: «الرأي أن تطلبوا من المشركين رهينة، يعني رهائن تكون عندكم حتى لا يتخلوا عنكم». فقالوا: «نعم الرأي». ثم ذهب إلى المشركين، ذهب إلى قريش وغطفان، وقال لهم: «إني ناصح لكم، إن بني قريظة قد علموا خطأ ما فعلوه من نقضهم العهد مع محمد، ولذلك اعتذروا إلى محمد، وقالوا: اطلب منا ما تريد لكي تعلم أننا قد صدقناك». قال: «فطلب منهم أن يأتوا منكم، أن تأخذوا رهائن، أن يقولوا لكم: أعطونا رهائن ليسلموهم إلى محمد ليقتلهم». فذهب بعض كفار قريش إلى بني قريظة وقالوا: «يا بني قريظة، ليس المقام بمقام، قوموا بنا لنقاتل محمدا وأصحابه، إلى متى ننتظر؟» فقالوا: «إن اليوم يوم سبت». وقال: «أتوا يوم سبت». ويوم السبت اليهود عندهم عيد وعطل، لا يعملون. قالوا: «إن هذا يوم السبت، ونحن لا نعمل فيه شيئا، ثم إنا لا نقاتل معكم، لن نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم». فقال بعض كفار: «قد صدقنا أبو مسعود، أو نعيم، نعيم بن مسعود، قد صدقنا نعيم بن مسعود». هذا الذي أصله من غطفان، رضي الله عنه، الصحابي، قد صدقنا نعيم بن مسعود. فذهبوا إلى قومهم مشرقين، قالوا: «صدق، واليهود قالوا: صدق، صدق نعيم بن مسعود، والله لا نقاتل معهم حتى يعطونا رهائن». وهذا ذهب، يعني من جاء من طرف المشركين إلى قومهم قالوا: «صدقنا نعيم بن مسعود، والله لا نعطيهم رهائن». فلذلك بقوا حتى جاءت الريح ودمرتهم، وكانت شدة البرد، حتى أعلن أبو سفيان: «إني مرتحل، إني مرتحل». فارتحلوا، فارتحلوا بعد أن هدمت الريح خيامهم، فلا توقد لهم نار، والبرد شديد، فرجعوا مقهورين مذلولين. فرجع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم السلاح والصحابة، فجاءه جبريل وقال له: «يا محمد، قد وضعت السلاح، فإن الملائكة لم تضع السلاح بعد، اخرج إلى بني قريظة لأنهم نقضوا العهد». فدعا النبي كما جاء بخال مسلم، كما جاء عبدالله بن عمر: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». فخرجوا، فمنهم من صلى في الطريق لأنه قال: «لا يمكن أن ندرك العصر في بني قريظة». اختلفوا، فمنهم من صلى في الطريق، ومنهم من صلى في بني قريظة بعد خروج الوقت، وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك لأنهم اجتهدوا. ولا شك أن من أصاب من صلى في الطريق، لأن قصد النبي عليه الصلاة والسلام الإسراع في المشي، يعني: إن تمكنتم أن تصلوا العصر في بني قريظة للإسراع فنعم. فلما وصلوا بني قريظة حاصروهم، حاصر النبي عليه السلام وأصحابه بني قريظة. وقد أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه في أكحله بسهم، جاء في الأكحل وعرق في اليد، ونزف ومرض رضي الله عنه، حتى قال في دعائه: «اللهم إن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبين قريش فاقبضني إليك، وإن كنت لم تضع الحرب فأبقني، فأبقني». فحاصر النبي عليه السلام وأصحابه بني قريظة، وبني قريظة في حصونهم. ثم بعثوا إلى النبي عليه السلام أن يتصالحوا معه، يكون بينه وبين نبي الله الصلح، وأن يحكم فيهم من شاء. فحكم النبي عليه السلام فيهم سعد بن معاذ، سيد الأنصار، سيد الأنصار، حتى قال سعد: «قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، قبل أن يحكم». قال: «أشار هذه الجهة»، قال: «رضي هؤلاء بالحكم؟» قالوا: «نعم». وهؤلاء؟ قالوا: «نعم». قال: «هؤلاء؟» ولم يلتفت لأن في الجهة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قالوا: «هؤلاء». قالوا: «نعم». قال: «أرى أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم ونساؤهم». فقال النبي عليه السلام: «قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، حكمت فيهم بحكم الله». ولذلك أمر النبي عليه السلام بالكشف عن عورات الأولاد، فمن رأوه قد نبت الشعر في عانته يقتل، لأنها علامة بلوغ. وأخذها العلم علامات البلوغ: إنبات شعر العانة، إذا نبت شعر العانة هذه علامات البلوغ، إضافة إلى بلوغ خمسة عشر سنة، أو خروج المني. فمن وجده قد أنبت قتل، ومن لم ينبت لم يقتل. وكان منهم عطية القرظي رضي الله عنه، قالوا: «كنت ممن لم ينبت»، وأسلم رضي الله عنه. فهكذا حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، ثم توفي سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، حتى قال: «بزل، اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ». ولما ناحت أمه كانوا يسكتونها، فقال: «كل نائحة تكل، إلا نائحة سعد». نعم، وذلك لشأن سعد بن معاذ، هو سيد الأنصار، رضي الله تعالى عنه، عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين. قد قال هنا المؤلف رحمه الله تعالى: «وبعدها الأحزاب فاسمعوا عددي»، يعني: اسمع هذا واعدد، يعني بالعدد والتاريخ. قيد هذا لأن المغازي هذه مآثر، مغازي أسلافنا من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، هذه مآثر للمسلمين يجب أن تدون وأن تكتب وأن تحفظ. كان السلف الصالح يقولون: «هذه مآثر أسلافكم فاحفظوها». بل قال بعض السلف: «كان يعلموننا غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كما يعلمون السورة من القرآن». كان يعلمون غزوات النبي عليه الصلاة والسلام كما يعلمون السورة من القرآن. هذا يدل على حرص السلف، لأن المسلمين، الكثير من المسلمين، لمن رحم الله، جهلوا عز المسلمين، تلك الفتوحات العظيمة، فتحها للإسلام، فتحوا فارس، فتحوا كسرى وقيصر، وأسبانيا اليوم تسمى بأسبانيا كانت الأندلس، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، كانوا أسيادا. هذه مآثر عظيمة دونها السلف، يجب أن تحفظ وأن تنشر وأن تكتب وأن يتحدث فيها ليعلم المسلمون حقا سبب اعتزاز الأولين وسبب رفعتهم. اليوم صار يمجدون الكفار وما هم عليه الكفار من قتل، ومن غزوات، غزو أمريكا على الجهة الفلانية، الحرب العالمية الثانية، والحرب العالمية الأولى، هذا يكثر الكلام فيه، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. طيب، وأين الحروب قبل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية؟ أين حروب خالد بن الوليد؟ نعم، أين حروب هؤلاء الصحابة؟ فتحوا فارس وقيصر. نعم، مآثر عظيمة، المسلمون اليوم يجهلون مثل هذه، فعليهم أن يتعلموا مآثر سلفهم الصالح وأسلافهم السابقين. وذاك يقول: «فاسمعوا عددي». قال: «ثم بني قريظة وفيهما، ثم بني قريظة وفيهما خلف، في ذات الرقاع، علم كيف صلاة الخوف والقصر، نمي، وآية الحجاب والتيمم». ثم بني قريظة، كما تقدم، بعد الأحزاب كانت غزوة بني قريظة لأنهم نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. «وفيهما خلف» يعني في السنة التي وقعت. «وفي ذات الرقاع» هذه غزوة يقال لها ذات الرقاع، سميت ذات الرقاع لأن الصحابة من كثرة مشيهم تخرقت أقدامهم من المشي، تخرقت أقدامهم من المشي، فعصبوا عليها الخرق والرقاع، سميت ذات الرقاع. وهذه الغزوة كما جاء ذكرها في البخاري قبل نجد، قبل نجد، كما جاء عن جابر بن عبدالله. وفي رجوعهم حصلت تلك القصة العظيمة والحادثة العظيمة، حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم، استظل تحت تلك الشجرة، والصحابة تفرقوا عند الشجر، الشجر، وجاء رجل من المشركين، وأخذ سيف النبي عليه السلام الذي علقه، وقال: «من يمنعك مني؟» فقال: «الله». فسقط السيف من يد ذلك المشرك، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «من يمنعك مني؟» قال: «يا محمد، كن خير آخذ». قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟» قال: «لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتل، ولا أقاتل القوم الذين يقاتلونك». فخلى النبي عليه السلام سبيله، وقد نادى في أصحابه وقص لهم هذه القصة. رجع هذا الرجل المشرك إلى قومه، قال لهم: «جئتكم من عند خير الناس، جئتكم من عند خير الناس». فذات الرقاع كانت هذه الغزوة لقتال بني محارب وبني ثعلبة، لقتال بني محارب وبني ثعلبة من قبائل الغطفان، من قبائل الغطفان، جهة نجد، جهة نجد. نعم. وذات الرقاع هذه كما سمعتم فيها بيان ما عاناه الصحابة من التعب في المشي وتخريق الأقدام وغير ذلك، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وفي غزوة ذات الرقاع نزلت الآيات في صلاة الخوف. في غزوة الأحزاب النبي عليه السلام لم يستطع أن يصلي صلاة العصر، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «ملأ الله قبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر». لماذا؟ لأنه كان في أول الأمر الصلاة تصلى في وقتها، لا بد أن تصلى الصلاة كما هي. لكن في غزوة ذات الرقاع أنزلت صلاة الخوف، يعني تصلى على أي هيئة، تصلي وأنت راكب، تصلي وأنت قاعد، تصلي وأنت تقاتل، رجالا أو ركبانا، صلاة الخوف. ولذلك جاءت صلوات، عندما سلم في صلاة الخوف، كما جاء في السنة النبوية، وهي صلاة تختلف بحسب اختلاف الجيش في أي جهة، فربما يكون الجيش في جهة القبلة فهذه لها صلاة تخصها، وربما يكون الجيش في غير جهة القبلة، فلذلك كانت الصلوات بحسب المصلحة. وأنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بأصحابه، بخلاف غزوة الأحزاب ما استطاعوا يصلوا لأن صلاة الخوف لم تشرع بعد. ولذلك قال هنا: «علم كيف صلاة الخوف والقصر، نمي». القصر نمي يعني رفع، رفع. «وآية الحجاب والتيمم» كذلك نزلت الآيات في الحجاب وفي التيمم. والآية نزلت في التيمم بسبب ضياع عقد عائشة رضي الله تعالى عنها، أضعت عقدا استعارته من أختها أسماء، فبحثوا عنه، فجاء وقت الصلاة ولا ماء، فجاء الناس إلى أبي بكر، ضل عنه، قالوا له: «أما علمت ما فعلت عائشة؟ أخرت الرسول عليه الصلاة والسلام بسبب أنها أضعت عقدها، ودخل وقت الصلاة ولا ماء». فجاء أبو بكر إلى عائشة، وكان النبي عليه الصلاة نائما في حضنها، فكان يوخزها، وقالت: «فلا أتحرك لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان على رجلي». نعم، كان يؤدبها: «لماذا فعلت هذا؟ وضعت الأمر». فما لبث إلا أن نزل الوحي بآية التيمم: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43، المائدة: 6]. فجاء الناس، جاء الناس إلى أبي بكر، جاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، قالوا: «ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر». يعني عائشة رضي الله عنها كانت سببا في نزول هذه الآية، التيمم، التي فيها السعة. إنسان اليوم إذا ما يستطيع أن يتوضأ، عنده جروح، عنده يتيمم، من السبب في هذا؟ عائشة رضي الله عنها، لما ضاعت العقد، قد وجد العقد بعد ذلك عند البعير، لما قام فإذا بالعقد تحت البعير. فقالوا لأبي بكر: «ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر». يعني أنتم خير وبركة على الناس، لأنه ينزل بسببكم الخير، لأن عائشة كانت سببا لنزول هذا الخير. والروافض يعكسون الأمر، الروافض يعكسون الأمر، لزيغ قلوبهم ولحقدهم على عائشة، يقولون: «هذه عائشة أخرت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وضاعت عقدها». يا مغفلين، انظروا ماذا حصل بعد هذا؟ حصل خير، نزلت آية التيمم التي فيها السعة، لمن لم يجد الماء، أو من كان مريضا، كان بسبب عائشة رضي الله عنها، وكانت تفتخر بذلك، هذه منقبة لها، رضي الله تعالى، رضي الله تعالى عنها. ثم بعد ذلك قال رحمه الله تعالى: «قيل ورجمه اليهوديين، مولد السبط الرضى الحسين». «وقيل» أي في هذه السنة، السنة الرابعة من الهجرة، من الحوادث: رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين، كما جاء في البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر، أن رجلا يهوديا زنى بامرأة يهودية، فجئ بهما إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فسألهما النبي السلام: «ماذا تجدون في التوراة في من فعل هذا؟» فقالا للنبي عليه الصلاة والسلام: «من يفعل هذا إذا زنى الرجل بالمرأة، نسود وجهه، نسود وجههما، نسود وجه الرجل ونسود وجه المرأة، ونجعلهما على الراحلة، نعم، كل واحد إلى جهة، هذا إلى الجهة وهذه إلى الجهة، نفرق بينهما، ونطوف بهم». قال: «هذا في كتاب من التوراة؟» قال: «نعم». فقال: «فأتوا بالتوراة». فأتي بالتوراة، فقال اليهودي: «اقرأ». فقرأ اليهودي، فلما جاء على آية الرجم، حتى في التوراة، الرجل، وضع القارئ يده على آية الرجم، فقال عبدالله بن سلام، وهو من علماء اليهود، رضي الله عنهم، قد أسلم: «يا رسول الله، مره ليرفع يده، مره ليرفع يده». فرفع يده، فإذا هي آية الرجم، فأمر نبي السلام بهما فرجيما. وقال عبدالله بن عمر: «وكنا من رجم». وكان أي الرجل يقي، يقيها، يعني يقي هذه المرأة التي زنا بها، يقيها من الحجارة، حتى مع الرجم، انظروا الشيطان كيف حمية، كان يدافع، ما يريد ثلثة الحجارة أن تصيبها. قال: «وكان يقيها» يعني من الحجارة. فهذا أيضا من حوادث السنة الرابعة. «ومولد السبط الرضى الحسيني»، أي الحسين بن علي، نظر الله عنه، ولد أيضا في السنة الرابعة من الهجرة. قال: «وكان في الخامسة، اسمع وثقي، الإفك في غزوة بني المصطلق». سيذكر الآن حوادث السنة الخامسة من الهجرة، منها حديث الإفك التي كانت في غزوة بني المصطلق، بعد غزوة بني المصطلق، حديث الإفك التي افترى فيها على عائشة رضي الله عنها. فعائشة خرجت مع النبي عليه الصلاة في هذه الغزوة، وعند قدوم النبي عليه الصلاة من الغزوة، كانت عائشة في الهودج، الهودج بناء، نعم، وكانت خفيفة رضي الله عنها، فاحتاجت تذهب لقضاء حاجتها، فخرجت من الهودج، وأمرنا رسول الله بالرحيل، فجاء الذين يحملون الهودج، حملوه، ولخفة عائشة ما ما استنكروا، ما ظنوا أنها داخل، وكانت خفيفة، وهم جمعها، فحمل الهودج على البعير ومشوا. فلما عادت عائشة من قضاء حاجتها فلم تجد أحدا، فجلست رضي الله عنها. وكان صفوان بن المعطل يعرس في آخر الجيش، يكون في آخر الجيش، وينأى، ويأتي آخر الجيش، لعلّه يجد شيئا قد نسيه أحد فيأخذه، فكان هكذا يكون آخر الجيش. فلما جاء صفوان المعطل، فإذا بعائشة، وكان يعرفها قبل نزول الحجاب، فكان يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله، زوجة رسول الله عليه الصلاة». لا حول ولا قوة. قالت عائشة: «والله ما سمعت منه أكثر من ذلك، لا حول ولا قوة». فأناخ لها البعير، وركبت عائشة رضي الله عنها، وكان أمامها يقود لها المطيّة. قالت: «ولا تكلم»، تقول عائشة: «ولا تكلم معي بكلمة، وإنما يمشي حتى وصل للمدينة». عبدالله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين، فأشاع في الناس أن صفوان قد فعل الفاحشة، وتكلم بعض الصحابة، كمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت، وذلك جلدوا الحد، وأبو بكر منع نفقته من مسطح، وكان قريبا، بسبب تكلمه، ثم عادها عليه بقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: 22]. فعاد النفقة، قال: «بلى، أحب أن يغفر الله لي». ومكثت عائشة في هذه الفترة، في وقت صاب فيه الهم والغم، صلى الله عليه وسلم، ما كانت ترى منه ذلك الود الذي كانت تراه، حتى نزلت براءتها رضي الله عنها في سورة النور، التي ستتلى آياتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في سورة النور، براءة عائشة رضي الله عنها. ومع هذا يأبى الروافض إلا الطعن في عائشة رضي الله تعالى عنها، ويقولون كذا وكذا. ورحم الله بعض السلف، حين دخل على بعض النصارى، وأراد النصارى أن ينالوا من هذا المسلم، فقال له: «ماذا قيل في زوجة نبيكم؟» يريد عائشة، «ما قيل في زوجة نبيكم؟» فقال له هذا المسلم: «امرأتان افترى عليهما»، يقول للنصراني: «امرأتان افترى عليهما، مريم وعائشة». وهو نصراني، النصارى يعظمون مريم بنت عمران، يعظمونها، يعظمون عيسى. فقال: «المرأتان افترى عليهما، مريم وعائشة، أما مريم فقد جاءت بولد وليس لها زوج، وأما عائشة لم تأت بولد ولها زوج». كأنه يقول له: هل تقبلون الطعن في مريم، افترى عليها مع أنها جاءت بولد؟ وكيف تقبلون الافتراء في عائشة؟ أين الولد؟ أين ولد الزنا؟ أين ولد الزنا؟ كلام قوي. يعني يا أيها النصراني، تطعن في عائشة، تطعن في مريم، لأن كما افترى على عائشة افترى على مريم بنت عمران، برأها الله عز وجل، وبرأ الله عز وجل عائشة. وهل الروافض يتجرؤون على الافتراء على مريم؟ لماذا؟ الله برأها، فلماذا يفترون على عائشة؟ لحقد قلوبهم والهوى والزيغ، والعياذ بالله. ثم بعد ذلك ذكر رحمه الله تعالى غزوة بني المصطلق، ويقال لها غزوة المريسيع، لأنها كانت بجمع عين ماء يقال له المريسيع، كما جاء في البخاري: «أغار عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم غافلون، سبايا ذراريهم». نعم. وكان منهم جويرية بنت الحارث، زوجها النبي عليه الصلاة والسلام، الحارث هو سيد بني المصطلق، والمصطلق جدهم، المصطلق جدهم، وهم من غطفان، أو من خزاعة، نعم، من خزاعة، بطن من خزاعة. فسميت بغزوة بني المصطلق، بني المصطلق، لأن نسبة هؤلاء إلى جدهم المصطلق، ويقال لها غزوة المريسيع لأنها كانت عند هذا الموضع، عين ماء يقال له المريسيع، يقال له المريسيع. نعم. جاءت الصلاة، طيب، إن شاء الله نواصل بعد الصلاة، نأخذ بعض الأبيات، ليبقى معنا بعض الأبيات الأخرى التي نبقيها لدرس الظهر في الغد، الذي سيكون آخر درس في تكملة هذه المنظومة، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.