تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 60

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 60

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم البخل عقب بيان الحقوق المالية الواجبة

بعد تعداد الحقوق العشر الواجبة للإنفاق على الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين، يبين العلامة سعد أن الله ذم المانعين لهذه الحقوق وأمرهم بالبخل مفصلاً النفقة الواجبة والمستحبة. يقارن ذلك بطبع البخل المنسوب لليهود مستدلاً بآيات وأحاديث تحث على الإنفاق وتعد بمضاعفة الأجر.

ذم البخل بالمال والعلم وصفات الكافرين

يشرح المقطع أن البخل بما آتاه الله من مال أو علم أو خلق صفة ذميمة ومن صفات الكافرين مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يؤكد أن المسلم لا يجوز له كتمان العلم ولا منع الحقوق الواجبة، وأن من بخل بما أعطاه الله فهو آثم ومستحق للعذاب المهين.

خطر الشح والبخل وعواقبهما على الفرد والأمة

يحذر النص من الشح والأنانية مبيناً أنه سبب للهلاك كما أهلك الأمم السابقة، وأن البخل يدفع إلى الفجور والقطيعة والقتل. يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن فتنة هذه الأمة هي المال الذي يوقع الناس في التقاطع والتدابر والاقتتال حتى لو ظهرت كنوز الأرض.

بكاء عمر رضي الله عنه عند رؤية كنوز كسرى

عندما أُحضرت كنوز كسرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى تأثراً وخشية من الفتنة بالدنيا. فسأله من حضر عن سبب بكائه في يوم عز فيه الله المسلمين، فكان بكاؤه تعبيراً عن الورع والخوف من زينة الحياة الدنيا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾. قال رحمه الله: فذكر بعدما ذكر حقوق الحقوق العشر والوصايا العشر التي يجب على الإنسان أن يؤديها، وأعظم ذلك خاصة من ذكرهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل وما ملكت أيمانكم وغيرهم. هؤلاء يحتاجون إلى المال، غالبة الإحسان يكون عليهم بالمال، فلهذا ذكر بعد ذلك البخل. ومن يبخل على هذه النفقة الواجبة؟ قالوا: لهذا ذمهم بقوله: ﴿الذين يبخلون﴾، أن يمنعون ما عليهم من الحقوق الواجبة، ومن ذلك النفقة على الوالدين، وعلى الزوجة، وعلى الأبناء، وعلى كذلك أيضا الزكاة للفقراء والمساكين وغيرهم. فهذه الحقوق واجبة يجب على المرء أن يؤديها، وأن يدفع من ماله، ولا يجوز له أن يبخل ويمنع حق الله عز وجل في هذا المال الذي أعطاه الله عز وجل إياه خوله. وقال: ﴿ويأمرون الناس بالبخل﴾، أي بأقوالهم وفعلهم، كأنهم يحسنون للناس البخل. وهذا الوصف قد أطلقه الله عز وجل على اليهود، بمعنى أنهم يشحون بأموالهم، بل يأمرون الناس بذلك. ولهذا تجد أنهم ينشرون إلى الآن، ينشرون مثل هذه الأفعال، وأن الإنسان يكون بنفسه لا علاقة له بالآخرين، ولا أيضا يتدخل في نفقة الآخرين، كل يقيم نفسه بنفسه. وهذا كله من البخل الذي طبعوا عليه، هذا من البخل الذي طبعوا عليه، ولهذا فهم يأمرون الناس بالبخل، ويزينون لهم هذه الأفعال، وأنها حفاظ وحرص على المال، وأن الإنسان في هذه الحياة يحرص على ماله ولا يعطيه غيره. لكن الله عز وجل أمر بإعطاء النفقة الواجبة، وهناك نفقة مستحبة كالصدقة، وأيضا الهدية وغيرها وغيرها مما يكون من العطاء يعتبر من النفقة المستحبة. وقد جاء في الحديث، بل في الآيات، الحث على الإنفاق، كما قال الله عز وجل: ﴿الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء﴾. الله عز وجل يضاعف، فإن الله عز وجل يربي صدقة العبد كما يربي أحدكم فلوة حتى تصير مثل الجبل. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك». وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة، وأن المال لا يقص من الصدقة: «ما نقص مال من صدقة»، بل جاء في رواية: «بل يزيد». فهناك نفقة واجبة ونفقة مستحبة، وكلها تدخل في هذا الفضل. هذا الفضل: قول معروف وصدقة، خير، أو قال: قول معروف ومغفرة، خير من صدقة يتبعها أذى. فإذا كان لا يستطيع الإنسان أن يتصدق، فيقول المعروف، أو أنه إذا أراد أن يتصدق ويمن على الناس، فإن قول المعروف أفضل. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». فالكلمة الطيبة صدقة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يدل من لم يكن عنده مال على الأعمال والأفعال التي تقوم مقام هذه الصدقة، كما في حديث: «ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، ولا نتصدق». فلهذا فالذي يبخل بما أعطاه الله عز وجل من المال، وخاصة النفقة الواجبة، فهو آثم، وخاصة إذا أيضا زين هذا الأمر. وهذا ليس من أفعال أهل الإسلام، وليس من أفعال أهل الإسلام، وإنما هو من أفعال أهل الكفر، من اليهود والنصارى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾. وقال: ﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾، أي من العلم الذي يهتدي به الضالون، ويسترشد به الجاهلون. معنى يريد الشيخ رحمه الله أن الآية عامة، وإن كان السياق أنها في المال، لكن البخل بما أعطى الله عز وجل يشمل كل ما أعطاه الله عز وجل لعبده، فيبخل به. ومن أعظم ذلك العلم، فلا يجوز للمسلم أن يبخل بما أعطاه الله عز وجل من العلم، لا يعلمه، ولا أيضا يعمل به. فإن هذا ليس من صفات أهل الإيمان، وإنما من صفات المغضوب عليهم والضالين. وقال: ﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾، من العلم الذي يهتدي به الضالون، ويستدل به الجاهلون. فيكتمونه عنهم، ويظهرون لهم من الباطل ما يحول بينهم وبين الحق. فجمعوا بين البخل بالمال والبخل بالعلم. وهذا أيضا من صفات اليهود، أنهم يحتكرون العلم، ولكنهم يبخلون به، وبين السعي في خسارة أنفسهم وخسارة غيرهم. وهذه من صفات، وهذه صفات الكافرين. فلهذا قال تعالى: ﴿وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾، أي كما تكبروا على عباد الله، ومنعوا حقوقه، وتسببوا في منع غيرهم من البخل وعدم الاهتداء، أهانهم بالعذاب الأليم والخزي الدائم. فيعياذا بك اللهم من كل سوء، آمين. وهذا يدلنا على أن البخل صفة ذميمة، صفة ذميمة، سواء كانت البخل في العطاء بالمال، أو بالعلم، أو كذلك إعطاء الأخلاق الفاضلة، وغير هذه الأمور، وغيرها من الأمور المستحبة التي ينبغي للمسلم أن يتعاطاها مع غيره من المسلمين. فإن هذه الأشياء لا يجوز للمسلم أن يبخل بها، ولا أيضا أن يشح بها. فمن لم يكن من هؤلاء من المبذلين، فهو من الكافرين. فمن لم تبذل نفسه، لم تبذل، فهو ليس من المفلحين أبدا، لأن الله عز وجل يقول في موضعين من كتابه جل وعلا: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. فالذي لا يوقى شح نفسه، أي أنانيتها، الشح معنى الأنانية والطمع. من لم يتوقَ من هذا الأنانية والطمع، فإنه ما سيفلح، لأن هذا البخل سيؤديه إلى أمور عظيمة. وقد جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم». اتقوا الشح، إن قد يرى الإنسان أن البخل أو الأنانية هذا والطمع الذي يجده في نفسه أنه لا يؤثر على دينه، بل يؤثر، يؤثر على دينه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم». اليهود أكثر الناس شحا بالمال أو بغيره، عندهم طمع وأنانية عظيمة، فلهذا هذه صارت من صفاتهم، وكذلك النصارى. لكن النصارى أفضل من اليهود في هذا الباب. والمهم أن هذه من صفات الكفار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالقتل فقتلوا»، كما جاء في الحديث. فمن الذي جعلهم يفعلون هذا؟ حرصا على هذا المال، وشحا بهذا المال. ولهذا جاء في الحديث الذي يخرجه مسلم، حديث أبي هريرة، أن في آخر الزمان يخرج نهر دجلة أو الفرات كنوزا، معنى تخرج كنوزهما، أو قال: أقصد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تخرج الأرض كنوزها كالسواري، وتخرج فلذات أكبادها كالسواري»، معنى الذهب والفضة وغيره من المال يخرج أمام الناس، فيجتمع الناس في ذلك المكان، فيقول أحدهم: لأجل هذا قتلت، ويقول أحدهم: لأجل هذا قطعت، ويقول أحدهم: لأجل هذا فجرت، أو كذا. ثم يتركونه ويولون، لا ما يأخذ أحدهم منه شيء، لأنهم علموا أن هذا بسببه هو الذي حصلت هذه القطيعة، حصل هذا الفجور، وحصل هذا القتل وغيره. فقاصّ النبي عليه الصلاة والسلام حذر هذه الأمة من هذا المال، قال: «فتنة أمتي المال، فتنة أمتي المال». فلهذا يفتن الناس بالمال حتى يتقاطعوا، ويتقاتلوا، ويتدابروا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي عبد الرحمن الحبل عن عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم إن فتحت عليكم فارس والروم، ماذا أنتم فاعلون؟» قال: «لو فتحت عليكم هذه الكنوز العظيمة، فارس والروم، ماذا أنتم فاعلون؟» فقال عبد الرحمن بن عوف: «نقول كما قال الله عز وجل»، أي نشكر الله ونحمده. قال: «غير ذلك، بل تتقاطعون، ثم تتدابرون، ثم تذهبون إلى فقراء المهاجرين، ويقتل بعضكم بعضا»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. إن هذا بسبب هذا المال، بسبب هذا المال. لهذا لما جاءت كنوز كسرى عند عمر، رآها عنده، بكى، بكى عمر رضي الله عنه. فقال له بعض من كان عنده: يا أمير المؤمنين، كيف تبكي في يوم أعز الله عز وجل فيه هذا