الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 155، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن القسط هو العدل في حقوق الله بأن لا تُستعان بنعمه على معصيته، وفي حقوق العباد بأداء الواجبات والمعاملة بالمثل. ويؤكد أن الدين والأمة يقومان على العلم والعدل، بينما الظلم والجهل هما مصدر الفساد.
يشدد المقطع على وجوب الشهادة بالحق والعدل لله حتى على النفس والوالدين والأقربين دون محاباة للغني أو الفقير. ويبين أن القيام بالقسط من أعظم الأعمال الدالة على دين العبد وورعه، محذراً من اتباع الهوى الذي يعمي عن الحق.
تستعرض الآية في سورة ص أمر داود عليه السلام بالحكم بالحق وعدم اتباع الهوى، مبينة أن الهوى يعيق العدل في القضاء والشهادة. وتختتم بدعوة للاستفادة والالتزام بالاستقامة في تطبيق القسط.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135]. قال رحمه الله: يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله. والقوام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط، الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده. فالقسط في حقوق الله: أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، هذا من العدل. وقال: والقسط في حقوق الآدميين: أن تؤدى جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك، فتؤدي النفقات الواجبة والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك. فهذا هو العدل. فهذا الدين قائم على العلم والعدل، وهذه الأمة قائمة على العلم والعدل، فلذا يفلح الإنسان إذا عامل الله عز وجل بعلمه وكذلك بعدله. ومن ذلك كما ذكره الله عز وجل: أن لا يصرف ولا يستعان بنعمه على معاصيه، لأن النعم منه سبحانه وتعالى تصرف في طاعته، فهذا العدل، وإلا كان ظلمًا. لهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]، ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾. فصفة الظلم وصفة الجهل هما اللتان يكون فيهما فساد بني آدم، أو هما يكون فيهما صفات بني آدم. وصفة العلم والعدل، وصفة العلم والعدل، وصفة العلم والعدل في بني آدم، وإن كانوا يكونون قوامين وكذلك أهل حق. فبالعلم والعدل قامت هذه الأمة، فلذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾. قالوا: من أعظم أنواع القسط: القسط في المقالات والقائلين. وقد ذكر رحمه الله أن في هذا العدل وهذا القسط في حقوق الله وفي حقوق الآدميين. ففي حقوق الله: أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته. وفي حقوق الآدميين: أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك، كما أنك أنت تريد حقك وتريد حقوقك، فكذلك الناس. لهذا القاعدة العظيمة التي قعدها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». مَنِيَّتُهُ: أي موته. فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، أي: ثابت على الإيمان. قال: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ النَّاسَ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ». ولهذا قال المؤلف رحمه الله: «وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك». فكما أن الناس يحترمونك فيجب أن تحترمهم، وكذلك كما أن الناس أيضًا يعاملونك بالمحبة والمودة والمكافأة، فكذلك أنت. قالوا: من أعظم أنواع القسط: القسط في المقالات والقائلين. فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما، لا يميل إلى أحد المتنازعين لأجل أنه يحبه، أو لأجل أنه من قبيلته، أو لأجل أنه من أقربائه، فإن هذا ليس من العدل. قالوا: من القسط: أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب، بل على النفس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ﴾، أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة الله، بل اشهدوا بالحق على من كان. أن الواحد يشهد بالحق، بالصدق، وبما رأى، لأن الشهادة تحتاج إلى علم، والعلم يكون بالرؤية أو بالسمع أو بالحس، يعني يكون بشيء محسوس، فيحتاج إلى أن يكون هناك في شهادتي شيء محسوس، إما سمع وإما رأى رؤية وغير ذلك، فيشهد على علم، يشهد على يقين، وإلا كانت شهادة زور. قال: ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾. قال: والقيام بالقسط من أعظم الأمور، وأدل على دين القائم به وورعه ومقامه في الإسلام. ولهذا كان لهم الدرجات العلى، أهل العدل والقسط الذين يعدلون في أحكامهم وفي أهليهم وما ولوا. قال رحمه الله: قال: والقيام بالقسط من أعظم الأمور، وأدل على دين القائم به وورعه ومقامه في الإسلام. فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نصب عينيه ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به. وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا ذكره الله عز وجل. قال: أي: ولهذا نبه ربنا جل وعلا على إزالة هذا المانع في قوله: ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ﴾. أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب ولم توفقوا للعدل. فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه. فمن سلم من هوا نفسه وفق للحق وهدي إلى صراط مستقيم. الذي يجعل هواه هو الذي يتصرف به فإنه يضله. وقال الله عز وجل: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26]. أو قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. فلذا اتباع الهوى يمنع من العدل، من العوارض والموانع، الهوى فهو يمنع من القسط والعدل بين الناس، سواء كنت حاكما أو شاهدا. طيب، إن شاء الله تعالى نتفع بهذا، ونكون في درس الله. اشتركوا في القناة.