تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 157

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 157

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 157، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير أمر المؤمنين بالإيمان: الفرق بين الدخول والتكميل

يشرح العلامة السعدي أن الأمر بالإيمان في الآية يوجه للمؤمنين لا لدخولهم في الإيمان بل لتصحيحه وتكميله بالإخلاص وتجنب المفسدات، بينما يوجه لغير المؤمنين لدخولهم في الدين. ويميز بين أمة الدعوة (الكفار) الذين يُدعون للإيمان، وأمة الإجابة (المؤمنين) الذين يحتاجون لتقوية إيمانهم وتصفيته.

الحاجة إلى تجديد الإيمان وتقويته بالعلم والعمل

يبيّن المقطع أن المؤمنين مأمورون بتجديد إيمانهم وصيانته عبر الإخلاص، والعلم بالعقيدة، وتجنب المفسدات، والتوبة، والأعمال الصالحة. فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويستلزم الثبات عليه حتى الممات كما دلّت الآيات وأجمع السلف.

ترابط أركان الإيمان الستة وحكم الكفر بواحد منها

يبيّن المقطع أن الإيمان الواجب يشمل التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وأن هذه الأركان متشابكة تلازمًا؛ فمن كفر بواحد منها فقد كفر بها جميعًا لتكذيبه لله وللرسالة كلها. مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وبقصة قوم نوح.

خاتمة تفسير الآية والاكتفاء بالبيان المذكور

يختتم المتحدث شرح الآية الكريمة بالإشارة إلى أن ما ذُكر هو ما أورده المؤلف رحمه الله في تفسيرها، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر من البيان. ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]. قال رحمه الله: «اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمرًا له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: 47] الآية. وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد. ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات». معنا هذا الآن يقول: قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾، يعني: لماذا يقول لأهل الإيمان: آمنوا؟ هم أهل إيمان أصلًا، لماذا يقول لهم: آمنوا؟ فقال المؤلف رحمه الله: إن الأمر بالإيمان على... أو الأمر عندما يوجه يوجه على طريقتين: إما يوجه لمن لم يدخل في الشيء ولم يتصف بالشيء منه، فيقال له: افعل كذا، مثل ما ذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾ [النساء: 47]، لأنهم ليسوا أهل الإيمان، فيأمرهم الله عز وجل بالإيمان، أي: بالدخول في الإيمان. والطريقة الثانية: يوجه إلى من هو داخل في الشيء، مثل الآن الدعوة؛ الدعوة تكون لأمة الإجابة ولأمة الدعوة. هناك أمة يسمونها أمة الدعوة، وهي من لم يؤمن بالله ورسوله: الكفار، اليهود، النصارى، الملحدون، وغيرهم. هؤلاء أهل دعوة من هذه الأمة، لكنهم أمة دعوة يسمونها، أي: يدعون إلى الدخول في الإسلام. وهناك أمة إجابة: الذين استجابوا للإسلام. هؤلاء يحتاجون إلى ماذا؟ يحتاجون إلى تقوية إيمانهم وتصفيته من الشوائب. فهؤلاء قيل لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي: احفظوا هذا الإيمان، وراعوا هذا الإيمان، وصونوا هذا الإيمان. كما قلنا: أهل الدعوة أو أهل الإجابة يحتاجون إلى دعوة أيضًا، يحتاجون إلى دعوة إلى تقوية إيمانهم، تصفية إيمانهم. فالدعوة... فالدين يحتاج إلى تجديد، يحتاج إلى صيانة، يحتاج إلى حفظ، يحتاج كذلك إلى تقوية. كل ذلك يحتاجه الإيمان. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾، فيحتاج كما قلنا المؤمن إلى مثل هذه الأمور. قال: «فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي أيضًا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله؛ فإنه كل ما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده، فإن ذلك من الإيمان المأمور به». وهذا يحتاج إلى علم: يتعلم أمور العقيدة ثم يؤمن ويعتقد بهذه العقيدة التي تعلمها من الكتاب والسنة. يحتاج إلى إيمانيّات يزيد في إيمانه، يحتاج إلى معرفة الأسماء والصفات، معرفة ربوبية الله جل وعلا وفعاله، وهكذا. قال: «فإنه كل ما قُلنا... كذلك سير الأعمال الظاهرة والباطنة كلها من الإيمان، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة». معنا: كل ما يحتاج أيضًا إلى عمل الإيمان، يحتاج إلى عمل. ولهذا ربنا جل وعلا دائمًا يقرنه بالعمل، يقرن الإيمان بالعمل؛ لأنه يحتاج إلى عمل، والذي يزيد الإيمان هو العمل. فهو يحتاج إلى إيمان وإلى عمل، تقوية الإيمان بالأعمال الصالحة. قال: «كلها من الإيمان كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة على أن الإيمان يزيد وينقص». فالمؤمن يحتاج إلى إيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، وأيضًا: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. قال: «ثم الاستمرار على ذلك، الثبات عليه إلى الممات»، أي: الثبات على الإيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، أي: أنتم ثابتون على ذلك الإسلام، على ذلك الإيمان. قال: «وأمر هنا بالإيمان به وبرسله وبالقرآن وبالكتب المتقدمة، على الكتب التي أنزلها الله عز وجل من التوراة والإنجيل والزبور وغيره». قالوا: برسله وبالكتب المتقدمة. فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنًا إلا به إجمالًا فيما لم يصل إليه تفصيله. فعمّن الذي لا يصل إليه تفصيله لا يجب عليه الإيمان بشيء لا يعرف، لكن يؤمن بما يعرف من الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر. كل ذلك يؤمن بمجمله وبمفصله إذا علمه. فكل ما علم شيئًا من تفاصيل الإيمان آمن بها: علم صفات من صفات الله يؤمن بها، علم أيضًا كذلك فعلًا من أفعال الله يؤمن به، وهكذا. قال رحمه الله: «فمن آمن هذا الإيمان المأمور به فقد اهتدى وأنجح». ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. قال: «وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك الهدى المستقيم وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟». قال: «وعلم أن الكفر بشيء من هذه الأمور المذكورة كالكفر بجميعها». معنى: لو كفر باليوم الآخر، بالبعث مثلًا، معنى: ليس كل اليوم الآخر، لو كفر بالبعث يعتبر أنه كفر بهذه الأشياء كلها. كفر بالله لأنه يكذب الله جل وعلا. لو كفر بالملائكة أيضًا كذلك، وهو تكذيب لله جل وعلا، وهو كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ومن هذا أيضًا: أن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل جميعًا. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]، مع أنهم ما كذبوا إلا نوحًا، لكن تكذيبهم لنوح معناه تكذيبهم للرسالة كلها وللمرسلين كلهم. فأيضًا كذلك هذه القوائم العظيمة والأركان الستة: من كفر بواحد منها كفر بالجميع، قال: «للتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض». فمن كفر بالكتب ولم يؤمن بكتب الله فهو كافر بالرسل، كافر بالله وملائكته، وهكذا. من لم يؤمن بالجنة والنار فهو كافر أيضًا بالله وملائكته وكتبه ورسله. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أنا حتى لو كفر بواحد من عادي الأشياء فهو كافر بها جميعًا. طيب، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر