الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الإسلام الصحيح أصبح غريباً في زماننا رغم الكثرة العددية للمسلمين، مستدلاً بحديث ثوبان عن كونهم غثاء كغثاء السيل لحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت، ويضرب الشيخ الفوزان مثلاً بضعف المسلمين أمام اليهود وسيطرتهم على القدس مقارنة بقوة الصحابة القلة الذين فتحوا الأمصار بالإسلام الصحيح.
يسرد المقطع حواراً بين مسلم ويهودي يوضح أن نصر المسلمين مرهون بتمسكهم الحقيقي بدينهم وإقامة الصلاة مستشهداً بغزوة بدر، ثم ينقل وصايا الشيخ محمد بن عبد الوهاب الختامية مؤكداً على التمسك بشهادة أن لا إله إلا الله، وفهم معناها، وموالاة أهلها، والبراءة من الطاغوت، والتحذير من الشرك والبدع.
يؤكد المقطع أن كلمة «لا إله إلا الله» هي أول الدين وآخره، وأصله وأساسه ورأسه، ويوصي بالتمسك بها ودراسة معانيها وشروطها وأركانها، وعدم الملل من سماع مسائل التوحيد، مبيناً أن محبة هذه الكلمة وأهلها من شروطها، وأن معرفة معناها الصحيح ومحبة العاملين بها من أهم الواجبات على المسلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "تبين لك كيف صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل، وتبين لك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»". قال الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى عند شرحه لهذه العبارة: "الإسلام الصحيح غريب اليوم، أما الإسلام المدعى فالمسلمون اليوم يزيدون على المليار، ولكن الإسلام الصحيح غريب؛ إذ لو كان هذا المليار إسلامهم صحيحا لم يقف أمامهم أحد من العالم، وهذا هو الواقع. فانظر الآن إلى الدول الإسلامية، وانظر إلى شعبها وإلى مجتمعها، تجدهم في معزل عن الإسلام في أمور العقائد، وفي أمور المعاملات، وفي أمور كذلك الأخلاق والمناهج، وكذلك السياسة والاقتصاد، وإلى غير ذلك. فهم في شق والإسلام في شق آخر، وبسبب ضعف المسلمين تسلط الأعداء عليهم. وإن كان في الإحصائيات أن المسلمين عددهم يزيد على المليار، لكنهم غثاء، وهذا مصداق ما جاء في حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قالوا: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ». ما هو غثاء السيل؟ الذي يأتي في مقدمة السيل: الرغوة والأوساخ والقاذورات، هذه تأتي في مقدمة السيل. «وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ». قَالُوا: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»". فالآن الإسلام غريب بسبب بعد المسلمين عنه، كما تقدم في درسي البارحة. قال: "فاليهود" - قول الشيخ الفوزان حفظه الله - "قال: فاليهود الذين هم إخوان القردة والخنازير، الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة، الآن هم مسيطرون على بلاد المسلمين، وما استطاع المسلمون أن يحرروا مقدسا من مقدساتهم دنسه اليهود وسيطر عليه اليهود، ألا وهو القدس. وهذا يدل على ضعف المسلمين، وعلى تسلط إخوان القردة والخنازير على المسلمين. قال: والمسلمون الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بدر كان عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، وماذا صنعوا؟ قال: فالصحابة بالنسبة لأهل الأرض كم هم؟ ومع هذا هم فتحوا الأمصار، وأسقطوا كسرى وقيصر، وسادوا العالم كله؛ لأنهم مسلمون الإسلام الصحيح. ما هو الإسلام؟ ادعائي. فلو أن هذا العدد الكبير اليوم، عدد المسلمين، كانوا على الإسلام الصحيح، لاخافت منهم جميع الدول الكافرة. لكن لما تركوا دينهم وقعوا فيما هم فيه اليوم من الذلة، ومن كذلك الضعف. وذكر بعض أهل العلم أن مسلما جاء عند يهودي، وقال له: لا تفرحوا بما تفعلون الآن، فإننا معشر المسلمين سنقاتلكم وسنتغلب عليكم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في تلك المعركة العظيمة التي تكون بين المسلمين واليهود، حتى أن اليهودي يختبئ تحت الشجر وتحت الحجر، فينطق الله عز وجل هذه الأشجار والأحجار، وتقول: يا مسلم، تعال هذا يهودي خلفي فاقتله، إلا شجر الغردق، كما جاء في الحديث. فهذا المسلم يذكر اليهودي بهذا الحديث، فضحك اليهودي وقال له: الذي ذكروا في هذا الحديث ليس أنتم، ليس أنتم، إنما هذا سيأتون فيما بعد. قال له: كيف عرفت؟ قال: أولئك هم الذين يتمسكون بالدين، الإسلام الصحيح، هم الذين يتمسكون. قال له: إذا رأيت مساجد المسلمين مقتضة بالمصلين في صلاة الفجر، وأن حضورهم في الصلوات كحضورهم في صلاة الجمعة، فهنا يأتي تطبيق هذا الحديث. وأما وهم على هذا الحال فسنبقى مسيطرين عليهم؛ لأنهم لم يتمسكوا بدينهم، ضيعوا الصلوات، ووقعوا في المحرمات، بل ووقعوا في الشرك والبدع والخرافات، فكيف ينصرهم الله سبحانه وتعالى؟ وهذا صحيح. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة بدر كانوا قليلا، مع أن عدوهم كان أكثر من ألف، أكثر من ألف، ومعهم من العتاد، ومعهم من الإبل والسلاح ما هو أكثر وأكثر مما هو مع المسلمين. ومع هذا لما قوي إيمان الصحابة وتمسكوا بدينهم تمسكا صادقا نصرهم الله، نصرهم الله". قال: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ختام هذه الرسالة، تفسير كلمة التوحيد: "فالله الله يا إخواني، من يعرب الله الله؟ هذا أسلوب تسمعونه كثيرا. فمن يعرب: فالله الله، بنصب لفظ الجلال الأولى والثاني؟ أين أهل النحو؟ من يعرب هذا؟ نعم، اتقوا الله. وماذا يسمى هذا الأسلوب؟ هذا له تسمية في كتب النحو. ها التحذير. كيف؟ ما هو ما الذي يقابل التحذير؟ ها. نعم، ما الذي يقابل التحذير؟ ها. الحثوى، الإغراء. هذا يسمى أسلوب الإغراء. أما التحذير فهو الشيء التي تحذر منه: الشرك، الشرك هذا تحذير، البدع، البدع هذا تحذير. يعني: احذروا الشرك، احذروا البدع. فقال المؤلف: الله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم وأوله وآخره. قال: وأسه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله. وعرفوا معناها، وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، وكفروا بالطواغيت وعادوهم، وأبغضوهم، وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنه أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى. فقد كلفه الله تعالى بهم، وافترض عليه، وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانهم وأولادهم". وهذه وصايا عظيمة من المؤلف رحمه الله تعالى لأهل التوحيد خاصة، بعد أن بين وفسر كلمة التوحيد، أتى بأمور لابد أن يلتزم بها صاحب التوحيد. فأولا: نصح بالتمسك بهذا الأصل العظيم، أصل الدين هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأوله وآخره، وأوله وآخره. فأول ما دعا النبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم إلى توحيد الله، قبل الصلاة، وقبل الصيام، وقبل الصدق، بل وقبل الجهاد بالسيف والسنان، دعا إلى هذه الكلمة العظيمة: لا إله إلا الله. بل وأوصى الدعاة إلى الله عز وجل أن يبدأوا به؛ لأنه أول هذا الدين، كما أوصى معاذا لما بعثه إلى اليمن، قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله». إذن هو أول الإسلام، أو أول الدين، وآخره. من مات وهو ليس على هذه الكلمة، فختم حياته بغير التوحيد، كان في خسارة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». فإذن آخر هذا الدين أيضا هو ماذا؟ هذه الكلمة العظيمة، كلمة لا إله إلا الله. وأسه ورأسه: الشيء الذي هو بلا أساس، هل يتقوم له قائمة؟ يسقط وينهار. وهكذا رأسه: الإنسان إذا كان بدون رأس، أليستطيع أن يعيش؟ ما يستطيع، سرعان ما تنزع روحه ويكون جثة هامدة. وهكذا شهادة أن لا إله إلا الله هي أول الدين، وهي آخره، وهي أصله، وهي أسه، وهي رأسه. إذن هذه كلمة عظيمة ينبغي للمسلم أن يتمسك بها، وأن لا يهملها، وأن لا كذلك يغفل عنها، بل يتعاهدها ويدرسها ويتفقه في أمرها، في شروطها وأركانها ومقتضياتها، ولا يمل ولا يكل من سماع مسائل التوحيد، لا يمل ولا يكل؛ لأنها هي الأصل، هي الأصل. والناس يتفاوتون في العمل بهذه الكلمة، لأن هذه الكلمة تحتها معاني عظيمة. الإخلاص من أركان هذه الكلمة، هل الناس سواء في الإخلاص؟ لا، ليسوا بسواء. من تفقها في هذه الكلمة، ومن علم بهذه الكلمة، قوي إخلاصه وفاق غيره. فإذن هذه كلمة مهمة يا إخوان. ربما بعض الإخوة يمل، أو يقول: دائما التوحيد، التوحيد، التوحيد، وشرح مسائل التوحيد. لا، ما ينبغي لسلف أن يقول ذلك؛ لأنها هي الأصل. انظروا: هي أصل الدين، وهي أوله، وهي آخره، وهي أسه، وهي رأسه، هي كل شيء. فإذن ليس بخسارة، ولا بهدر للوقت، ولا بضياع، أن تفرغ الشيء الكثير من وقتك في دراسة معنى هذه الكلمة، وما تتضمن هذه الكلمة، والكتب التي تتناول دراسة هذه الكلمة، كلمة لا إله إلا الله. فهذه وصية من المؤلف رحمه الله تعالى. قال: «وعرفوا معناها» المعرفة التي عليها أهل الحق، وقد بين المؤلف معناها الصحيح، وبَيّن الطوائف الضالة التي حادت وظلت في تفسير هذه الكلمة. قال: «وأحبوها وأحبوا أهلها». تحب هذه الكلمة، ومن محبتك لهذه الكلمة كثرة ذكرها، سواء كان باللسان أو بالقلب أو بالمذاكرة، لأنه كما يقال: من أحب شيئا أكثر من ذكره. وهذا حتى في الأمور التافهة التي يحبها الناس. إنسان إذا كان يحب المال حبا جما، تجد جل كلامه في المال وفي الدنيا، إذا أحب الدنيا ودخلت إلى سويداء قلبه. وهكذا ربما العاشق الذي قد عشق امرأة، ما يكثر من ذكرها. وهكذا الناس في هذا لهم مذاهب، ولهم كذلك طرق في هذه المسائل. فإذا من محبة هذه الكلمة كثرة ذكرها، وكثرة مدارستها، وكثرة الاعتناء بها، وكذلك تحب أهلها العاملين بها، أهل التوحيد الذين يدعون إلى هذه الكلمة ويحذرون مما يخالفها، تحبهم. فهذا من مقتضى ومن أركان وشروط هذه الكلمة. فإن من شروط لا إله إلا الله المحبة لهذه الكلمة ولأهلها العاملين بها. وهذه نصائح عظيمة، نترك الكلام على البقية في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر