الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن اعتراف المشركين بربوبية الله مع دعائهم الصالحين للاستغاثة والشفاعة هو عين شرك أبي جهل وأبي لهب. اتخاذ الوسائط بين العبد وربه شرك في الألوهية لأن الله قريب مجيب الدعاء بلا واسطة، وهذا ما يفعله عباد القبور اليوم.
يبيّن المقطع أن كثرة العبادة والزهد والبكاء لا تنفع صاحبها إذا اقترنت بالشرك بالله، كما في حال رهبان النصارى وعباد القبور. العبرة ليست بالمظاهر الخادعة من صلاة وصيام وزهد، بل بإخلاص التوحيد لله وحده، ومن أشرك حبط عمله وصار هباء منثوراً مخلداً في النار.
يشرح المقطع مفهوم غربة الإسلام الوارد في حديث «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً»، مبيناً أن حقيقة الإسلام هي إخلاص العبادة لله وحده. يستعرض كيف كان التوحيد غريباً في مكة ثم انتشر، ثم عاد غريباً في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفي زماننا، مع تفاوت درجة الغربة باختلاف انتشار العلم والدعوة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "تفسير كلمة التوحيد": قال: "فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكن هؤلاء الصالحون مقربون، ونحن ندعوهم وننذر لهم وندعو عليهم ونستغيث بهم، ونريد بذلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق الرازق المدبر". فقل: أيها الموحد، أيها السني، فقل: كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله. قال الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: قال الشيخ يخاطب العلماء والعوام، ومعنى "ينخاه" في العامية: يستنجد به، وهذا تقدم. قال: يُقال لمن ينفي أن دعاء الصالحين شرك، ويقول: المراد به التوسل بهم إلى الله، يُقال له: كلامك هذا هو مذهب أبي جهل وأبي لهب وأمثالهم، وهم من صناديد الكفر. قال: لأنهم يقولون: لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يدبر إلا الله، ونحن نتخذ هذه الآلهة لتقربنا إلى الله زلفى، كما قال الله عنهم: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾. هذه هي شبهة المشركين: يقولون نحن نعترف ونقر بأن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو المدبر لهذا الكون، وإنما ندعو هؤلاء الصالحين ونستغيث بهم ونذبح لهم وننذر لهم حتى يكونوا لنا واسطة؛ لأن لهم وجاهة، أو وجاهة، ولهم مكانة عند الله عز وجل، فنحن لذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا، هؤلاء الصالحون نتقرب إليهم، فإن رضوا عنا شفعوا لنا عند الله وتوسطوا لنا عند الله، فرضي الله عنا. هذه هي شبهتهم. فمن يقول ذلك يُقال له: لو كان هذا الذي ذكرته مبررا وعذرا لك ولأمثالك، لعذر بذلك أبو جهل وأبو لهب؛ فإنهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو المدبر إلى غير ذلك، وما عبدوا ودعوا غير الله إلا لاعتقادهم أن هؤلاء شفعاؤهم عند الله لما عندهم من الوجاهة والمكانة. فإذا لماذا لم يُعذروا بهذا؟ لأن هذا شرك في الألوهية، وهذا من فرط جهلهم؛ لأنهم بهذا شبهوا الخالق بالمخلوق. فالله سبحانه وتعالى الكريم الرحيم الغفور سبحانه وتعالى لا يحتاج من أي عبد من عباده إلى واسطة، ولا إلى جاه؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾. فالله سبحانه وتعالى يستجيب لعباده. فمن اتخذ غير الله عز وجل واسطة بينه وبين الله فقد وقع في الشرك؛ لأنه دعا غير الله وعظم غير الله. وهذا في الحقيقة هو ما يعتقده أصحاب القبور وعباد القبور في هذا الزمان. ما يتقربون إلى أصحاب القبور بالخوف والتعظيم والذبح والنذر والاستغاثة وغيرها إلا لاعتقادهم هذا: أن هؤلاء أصحاب القبور أناس صالحون، فهم يقربونهم إلى الله. وهذا في الحقيقة كما ذكر الشيخ هو مذهب أبي جهل، ومذهب أبي لهب، ومذهب أمثالهم من مشركي العرب. فهم الذين يقولون هذه المقولة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: قال: "فإنهم يدعون عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء، يريدون بذلك كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾، يعني: واسطة لمكانتهم ووجاهتهم، فنحن نتخذهم أولياء يقربون إلى الله". وقال تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾، يعني: الذين يعبدون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، يشفعون لنا عند الله، واسطة بيننا وبين الله. فهم يعبدونهم من دون الله سبحانه وتعالى. قال الشيخ الفوزان حفظه الله: قال المشركون الأولون يريدون ممن يعبدونهم مع الله التوسط لهم فقط، لا يقولون إنهم يخلقون ويرزقون، وإنما يقولون: إن هؤلاء شفعاء لنا عند الله، يقولون: إن هذا تعظيم لله. وهذا شرك بالله سبحانه وتعالى كما تقدم. فلو أن هذه المقولة صحيحة، لعذر مشركو العرب كأبي جهل وأبي لهب وأمثالهم أو أمثالهما. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإذا تأملت هذا تأملا جيدا، وعرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية، وهو تفرده بالخلق والرزق والتدبير، وهم ينخون عيسى والملائكة، يعني: يستنجدون بهم كما تقدم، وهم ينخون عيسى والملائكة والأولياء، يقصدون أنهم يقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده. وعرفت أن من الكفار، خصوصا النصارى، منهم من يعبد الله الليل والنهار، ويزهد في الدنيا، ويتصدق بما دخل عليه منها، معتزلا في صومعة عن الناس، وهو مع هذا كافر عدو لله مخلد في النار". إلى آخر ما ذكر. قال الشارح الفوزان حفظه الله: قال: الرهبان من النصارى يتعبدون الليل والنهار، ويبكون، ولكن يقولون: المسيح ابن الله، أو إن الله هو المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة. وهم يبكون ويتعبدون ولا ينفعهم ذلك؛ لأنهم ما أخلصوا العبادة لله عز وجل. فمثلهم عباد القبور اليوم. فالعبرة ليس بالبكاء، وليس بالزهد، وليس بالانقطاع عن الدنيا فحسب، هذا أمر مطلوب، لكن لا بد أن يكون مع هذا الإخلاص لله سبحانه وتعالى وتجريد التوحيد له سبحانه وتعالى. فانظر إلى بعض النصارى، ربما انقطع عن الدنيا وصار من الرهبان في الصوامع، وربما يقوم الليل ويصوم النهار، ومع هذا فهو كافر بالله، عدو لله عز وجل، خالد مخلد في نار جهنم. ما نفعته هذه العبادة؟ لأنه أشرك بالله وعبد غير الله. فالعبرة ليس بهذا فحسب، وإنما بالإخلاص لله سبحانه وتعالى. فلا تغتر بعض الناس، يتأثرون بالمظاهر، يتأثرون بالمظاهر، ولا يهتمون بأمر الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فبمجرد أن يرى ذلكم النصراني، أو ذلكم الصوفي الذي ربما عنده من الزهد، وعنده من العبادة، وعنده من الخشوع، وعنده من البكاء، فإنه يتأثر بذلك، ويقول: هؤلاء الذين هم على الحق؛ لأن هذا ظاهر عليهم. وإن دعوا غير الله، وإن ذبحوا لغير الله، وإن استغاثوا بغير الله. وهذا باطل، وهذا باطل، وهذا موجود في أوساط أولئك القوم، ربما. وهذا قد وقع معي شخصيا: أنكرنا على بعض هؤلاء عباد القبور الذين يعقدون بعض الزيارات الشركية لبعض من يدعون أنهم أولياؤهم، فقالوا: من أنت حتى تنكر هذا، وحتى تحذر من هذا؟ هل تعرف سيرة هذا الذي يزوره الناس؟ إنه كان ذا عبادة، وبدأ يعدد: إنه كان ذا خشوع، إنه كان يتنقل في الصحارى والقفار زاهدا في الدنيا، وكذا وكذا. وبدأ يعدد ما يزعم أنها مناقب، أنها مناقب. فهم اغتروا بهذا، وظنوا أن هذا الفعل يدل على صحة ما عليه أولئك القوم. وهذا من الخطأ، ومن الضلال، والعياذ بالله. فلا تغتر بالمظاهر الخادعة. قال عنهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم»، تحقرون لما هم عليه من كثرة الصلاة وكثرة قراءة القرآن، «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، حيث ما لقيتموهم فاقتلوهم». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويخبر الصحابة أن من رآهم يصلون فإنه يحقر صلاته مع صلاتهم، يقول: أنا ما أصلي شيئا في مقابل ما يصلي أولئك القوم من كثرة الصلاة، ومن إطالة الصلاة، ربما من الخشوع في الصلاة. ومع هذا يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فالعبرة ليس بالمظاهر، وليس بالشكليات، وإنما العبرة بإخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى. فهذا هو قصد الشيخ رحمه الله. قال: "ويزهد في الدنيا، ويتصدق بما دخل عليه منها"، ربما تأتيه الأموال، فما أن يصبح الصباح إلا وقد أنفقها كلها. ومع هذا فهو من أهل النار؛ لأنه لم يخلص العبادة لله عز وجل، ولم يجرد التوحيد لله سبحانه وتعالى وحده. قال: "معتزلا في صومعة عن الناس، وهو مع هذا كافر عدو لله مخلد في النار"، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾، فجعلناه هباء منثورا. لماذا؟ لشركهم بالله سبحانه وتعالى. قال: "وهو مع هذا كافر عدو لله مخلد في النار، بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه أو يذبح له أو ينذر له". تبين لك، يعني: إذا علمت هذا، تبين لك كيف تبين لك كيف صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أي: أن من أصل الإسلام إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. قال: "وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل"، لأنه رحمه الله تعالى عاش في مجتمع قد انتشر فيه الشرك. الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى مجدد لهذا الدين، وجد في عصر طغى عليه الشرك، غالب بلاد الإسلام، ووجد في الجزيرة وهي تعج بالشرك الصراح. فالقباب قد بنيت، والقبور قد جصصت، والمشاهد قد جعلت لها الزيارات، وإلى غير تلكم المظاهر من مظاهر الشرك. فتجد الناس في معزل عن الإسلام الحق؛ لأنهم يدعون غير الله، وكذلك يذبحون لغير الله، ويستغيثون بغير الله. فهو يبين حقيقة التوحيد. فإذا علمت أن مشركي العرب مع إقرارهم بتوحيد الربوبية إلا أنهم كفروا، وصاروا من أهل الكفر والشرك؛ لأنهم لم يخلصوا العبادة لله عز وجل، فهكذا من فعل فعلهم وحذا حذوهم فإن حكمه حكمهم. قال: "وتبين لك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»". وهذا الحديث حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد، وجاءت له شواهد كثيرة من حديث سعد بن أبي وقاص، يتقوى بها إلى الحسن أو الصحة. «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ». انظر بداية الإسلام: بداية الإسلام كانت مكة، عج بالشرك، فيها ثلاثمائة وستون صنما تعبد من دون الله، تعبد من دون الله. فأنعم الله عز وجل على أهل الجزيرة ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فدعا إلى التوحيد، وصار الإسلام غريبا. فابتلي أتباع النبي عليه الصلاة والسلام في ذاك الزمان ابتلاء عظيما: فمنهم من قتل كأبوي عمار، ومنهم من عذب كبلال، ومنهم من شرد: الهجرة الأولى إلى الحبشة، والهجرة الثانية إلى الحبشة، ثم هاجر الصحابة إلى المدينة. بدأ الإسلام غريبا. وهكذا تقوى الإسلام، وانتشر التوحيد، وانتشر ذلكم الإسلام بانتشار دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ودخول الناس في دين الله أفواجا. وهكذا في عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، حتى جاءت أزمان وعاد الإسلام فيها غريبا. فأصبح أهل التوحيد قليلين، أصبح أهل التوحيد قليلين، وأصبح التوحيد غريبا، كما هو في عصر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، بل وفي عصرنا هذا ربما في بعض البلاد. لقوة الدعوة ووجود أهل التوحيد ووجود الدعاة إلى الله عز وجل، تجد التوحيد منتشرا، وتجد أتباع أهل التوحيد كثيرين. لكن رأينا بعض القرى وبعض المناطق تستشعر هذا الحديث: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ». ما تستطيع تقوم في مسجد من مساجدهم وتدعو إلى التوحيد. إذا قمت وقلت لهم: ما يفعله الناس من الطواف، أو من دعاء غير الله، أو من الزيارات، ربما قتلوك، وضربوك ضربا شديدا، وربما سجنوك وآذوك. هذا موجود إلى الآن في بعض القرى التي تسلط عليها دعاة الشرك، دعاة الشرك. ولكن ولله الحمد هذه القرى قليلة، والتوحيد ولله الحمد، خصوصا في البلاد اليمنية، قد انتشر، وقد كذلك عرفه كثير من أهل هذه البلاد. «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»، سواء كان في التوحيد، أو في التمسك بالسنة، أو في الصلاة. فالمسلم الحق غريب في توحيده لله عز وجل، غريب في عبادته لله سبحانه وتعالى. ربما إذا رفع إصبعه في التشهد من أول التشهد أنكر عليه بعض العوام، أنكر عليه بعض العوام. وربما إذا صلى صلاة خاشعة، صلاة فيها الطمأنينة وفيها السكينة، قالوا: أنت طولت الصلاة، وأنت أكثرت على الناس، وإلى غير ذلك. غريب في صلاته. هكذا المسلم السلفي السني غريب في أخلاقه ومعاملاته. ربما إذا ما قبل الرشوة أنكر عليه، أو ما قبل الاختلاط أنكر عليه، أو أنكر كذلك بعض المعاصي التي استسهلها كثير من الناس، أنكر عليه. غريب في مجتمعه. وهكذا الغربة تكون بين قلة وكثرة، على حسب المناطق، وعلى حسب انتشار العلم، وانتشار الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. حسنا، حسنا، نكتفي بهذا إلى هنا. معاته ترجمة نانسي، ومعاته خطوة، ومعاته، ومعاته، ومعاته، اشتركوا في القناة.