التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 146

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 146

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 146، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رد شبهات الاستغاثة بالقبور وتناقض الطرق الصوفية

يناقش المقطع بطلان اتخاذ القبور مساجد والاستغاثة بأصحابها، مفنداً قصة مكذوبة على الإمام الشافعي. يبين أن استجابة الدعاء عند القبور ليست دليل رضى إلهي، ويكشف تناقض الطرق الصوفية في ادعاء اختصاص أوليائها بالإجابة مما يدل على بطلان مذهبهم.

بطلان التوسل بالقبور والأوثان ورد شبه المستجيبات

يبيّن المقطع أن الوثن هو ما عُبد من دون الله، ويسوق قصة بلعم بن باعوراء الذي سلبه الله الإيمان. يفنّد شبهة استجابة الدعاء عند القبور بأنها كذب أو غلط، مؤكداً أن الاستجابة الحقيقية لله وحده كما في قصة العبد الأسود مع ابن المبارك.

فرق بين دعاء المخلصين المستجاب وممارسات المقابريين

يبيّن المقطع أن دعاء المخلصين لله يُستجاب بإحدى ثلاث: تعجيل الإجابة، أو ادخار الخير، أو صرف الشر. بينما دعاء المقابريين ووسائلهم المحرمة نادراً ما يُستجاب وتضر أكثر مما تنفع، والأسباب المشروعة تجلب نفعاً خالصاً بخلاف المحرمات.

رد اعتقاد تأثير الكواكب في الحوادث الكونية

ينفي النص صحة اعتقاد تأثير الكواكب في وقوع الزلازل والرياح، مؤكداً أن علم الغيب وملكوت الأمور لله وحده. يبين أن منهج الأنبياء ركز على توجيه الخلق لما يصلحهم لا على الخوض في أسباب الكائنات كما يفعل الفلاسفة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. وبعد: طيب، ذكر المعلِّف رحمه الله بعض الأمور المهمة التي تضبط ضابط اتباع الشرع، وخاصة بعدما ذكر مسألة اتخاذ القبور مساجد، ثم ذكر أن العلة هي ما جاءت في الشرع؛ حتى لا تتخذ أوثانًا تُعبد. ثم ذكر أن المتبع في إثبات أحكام الله: كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسبيل السابقين الأولين. هذه أصول ثلاثة: الكتاب، والسنة، والسلف الصالح. على سبيل هؤلاء السلف من السابقين الأولين. قال: لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًّا واستنباطًا بحال، سواء كان من باب النص أو من باب الاستنباط، فهو من هذه الأصول الثلاثة: كتاب، وسنة، وإجماع السلف، أو طريقة السلف التي كانوا عليها. ثم لما ذكر بعض الأشياء التي يذكرها أهل الكذب والفجور، يذكرون قصصًا كاذبة: أن هناك من يفعل كذا، ذكروا عن الشافعي -كما ذكر المؤلف- أنه قال: «إذا أنزلت بي شدة أتيت فأدعو عند قبر أبي حنيفة». هذا كلام باطل وكذب، فكذبه المؤلف: أولاً من ناحية إسناده، ذكره رجل ممن كذب، ذكر هذه القصة. ثم أيضًا من ناحية المتن، قال شيخ الإسلام: إن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر يُنتاب للدعاء عنده البتة، ليس هناك قبر، لا أبي حنيفة ولا غيره، بل ولم يكن على عهد الشافعي معروفًا. وإنما مسألة تعظيم القبور أحدثت بعد في عهد العبيديين، فهم الذين شيدوا القبور وبنوها. وقد ذكر الشافعي رحمه الله في «الأم» أنه يكره -أي: مراد به كراهة تحريم- يكره تعظيم هذه القبور، يكره تعظيم مثل هذه القبور، وذكر أنه قال: «أكره تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها». ثم ذكر رحمه الله أجوبة على هؤلاء الذين يقيسون أعمالهم على الأمم السابقة أو غيرهم. قال: «أما المجمل فالنقل، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير». يذكرون حكايات: أن فلانًا فعل كذا، موجود حتى عند اليهود والنصارى. يقول الشيخ: بل المشركون الذين بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانًا. لأن بعض هؤلاء القبورية يقولون: أن يأتي الإنسان وهو يريد أن يرد على القولة التي اشتهرت عندهم: «قبر معروف ترياق مجرب». مجرد هذه القولة أو العبارة التي اشتهرت عند القبورية يقولون: «قبر معروف ترياق مجرب». أي: قبر عُرف، وهذا القبر عُرف بأنه ترياق، ترياق: معنى علاج، علاج مجرب. عُرف أنه مثلا مجرب بكذا، إذا دُعي عنده الإنسان استجيب له. هكذا يذكرون قصصًا من هذا الباب. فذكر الشيخ أن الرد على هؤلاء على وجهين: مجمل ومفصل. فأولًا: الجواب المجمل: أن اليهود والنصارى أيضًا عندهم من هذه الحكايات أنهم من دعا عنده فلان يستجاب له. بل قال: المشركون الذين بُعث فيهم رسول الله كانوا يدعون عند أوثانهم فاستجاب لهم أحيانًا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانًا. وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة. فإن كان هذا وحده دليلًا على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض. اسمعوا: «فليطرد الدليل» معناها: إذا كان دليلكم على أنه يستجاب عند القبر الفلاني، إذا دعوت عند القبر الفلاني يستجاب لكم، وقد استجيب لفلان واستجيب لفلان واستجيب لفلان. يقول الشيخ: إن هذه مثل هذه القصص موجودة حتى عند اليهود والنصارى، بل عند المشركين الذين بُعث فيهم رسول الله كانوا يدعون عند أوثانهم، وقد ذكروا قصصًا كثيرة من هذا القبيل: يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم، يستجاب لهم أحيانًا. فإن كان هذا الاستجابة دليلًا على محبة الله عز وجل ورضا الله بهذا الفعل، فمعناه أن الله عز وجل يرضى عن أفعال اليهود والنصارى، وهذا تناقض وكفر أيضًا. إذا قال مثل هذا الشخص: إن الله عز وجل يرضى عن النصارى وعن أفعالهم، فهذا يعتبر كفرًا؛ لأن الله عز وجل قد كفرهم، فكيف يحبهم وهم كفار، والله لا يحب الكافرين. قال: ثم إنك تجد كثيرًا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنًا، أحسن به الظن وأساء الظن بآخر. معنى تجد أنهم يتناقضون. يقول الشيخ: عالَ هؤلاء، مثلاً الفرقة الفلانية تقول: عند قبر فلان يستجاب لك، لكن عند قبر فلان لا، ما يستجاب له. والفرقة هذه يقولون: عند القبر هذا يستجاب، لا تذهب إلى قبر آخر. وخاصة هذه في الشام، وقد عايشهم الشيخ، لأن الشام خاصة في سوريا في أشياء فيها فرق كثيرة: عن القادرية، وأيضًا الرفاعية وغيرهم من الفرق. والآن مثلاً تجد أيضًا الحبشية أصحاب عبد الله بن الهراري، وأيضًا غيرهم من الفرق. فتجد هذه الفرقة تذم هذه الفرقة، وتلك الفرقة تذم تلك الفرقة الأخرى. معنى ما يتفقون. فيقول الشيخ: عالَ ثم إنك تجد كثيرًا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنًا، أحسن به الظن وأساء الظن بآخر. وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره. على هذه الفرقة يقولون: يستجاب عند عبد القادر الجيلاني. القادرية والأحمدية أصحاب أحمد الرفاعي يقولون: يستجاب الدعاء عند أحمد الرفاعي فقط. وهكذا النقشبندية، والسهرواردية، وغيرهم من الفرق الضالة، فرق التصوف. كل يدعي أن وليه استجاب عنده الدعاء. وهذا مما يدل على تناقض هؤلاء. وأيضًا أن هذه القصص التي يذكرونها غالبًا كذب، أو أنها حصلت لكن من باب الاستدراج. قال: «فمن المحال صَحَّتْهم جميعًا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعًا جمع بين الأضداد». لا يستطيع أحد أن يدين الله عز وجل بكل الفرق، حتى الصوفية الذي يدعي أنه صوفي ويقول: سأعبد الله عز وجل على جميع الفرق: على القادلية، والأحمدية، والنقشبندية، والعلوية عندنا في حضرموت هنا، وأيضًا كذلك الهاشمية في عدن وغيرهم. فتجد أنه يتناقض، وسيكفر نفسه؛ لأن عند هؤلاء أشياء يكفرون الآخرين، وعند هؤلاء أيضًا يكفرون. عندنا الآن في الطريقة العلوية تجد أنهم يكفر بعضهم بعضًا: جهمية يقولون: إن الله في كل مكان، وبعضهم أشاعرة يقولون: إن الله ليس له مكان. وهذه فقط مسألة اعتقادية، وإلا فالمسائل عندهم حتى في مسألة التصوف... كان رجل يقال له مشهور، هذا مشهور معناه يعتبر من كبارهم. هذا الرجل كان ينكر على الطريقة الجديدة التي جاء بها بالحفيظ وغيره، ينكرون عليهم لماذا؟ لأنهم غيروا الطريقة الأولى. بل كانوا يقولون: هم يخالفون السلف. يريدون من السلف: سلف عبائهم. وهذا لأجل أن تعرف أن حتى الطريقة الواحدة ما تتفق. الطريقة الواحدة من طرق التصوف ما تتفق، فكيف تتفق الطرق المختلفة؟ ولهذا يقول الشيخ: ما يستطيع أحد أن يتدين بدينهم جميعًا، وإلا كان متناقضًا. قال: «فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم». ما يسميه وثنًا سواء كان قبرًا أو غيره، لأن الوثن هو ما عُبد من دون الله عز وجل، سواء كان على شكل صورة أو على غير صورة، والصنم ما كان على شكل صورة. قال: «وموافقتهم جميعًا فيما يثبتونه دون ما ينفونه بضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن بالظن بواحد دون آخر». وهذه كل من خصائص الأوثان. معنى ما يستطيع أن يحسن الظن بهم جميعًا، لا بد أن يحسن الظن بواحد. قال: «ثم قد استجيب لبلعم بن باعوراء». بلعم بن باعوراء، ويقال ابن باعور، وهو رجل من الكنعانيين، ويقال أنه من اليمن. وجاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 175-176] إلى آخر الآية. فهذه الآية نزلت في هذا الرجل: بلعم بن باعوراء، وهو من قوم موسى، من أهل الإيمان، لكن سلبه الله الإيمان. هذا الرجل ذكر بعضهم بالإسرائيليات أنه كان يدعو فيستجاب له، لكن الله عز وجل لم يستجب له في موسى، وهو يعلم أنه نبي الله، فأمره قومه أن يدعو على موسى، فلم يستجب الله عز وجل له. لكن كان الله عز وجل استجاب له في أشياء، فلذلك سلبه الله عز وجل الإيمان لما دعا على نبي الله موسى، ومثَّل به وجعله كالكلب. معنى: يريد الدنيا فقط، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. معنى: في كل الحالتين يلهث، لماذا؟ لأنه ما يريد إلا الدنيا، وهذا الكلب يريد أن يأكل أو أن يشرب أو يأكل دائمًا. قال: «والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون، حتى قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام». فهذا جواب مجمل على أنها هذه القصص التي يذكرونها: أولاً غالبًا تكون قصصًا باطلة، وإن صحت فليست دليلًا على محبة الله عز وجل ورضاه. ليس الدليل على محبة الله ورضاه عنه أنه يستجاب لبعضهم عند قبر فلان، وعند قبر فلان. وأيضًا هذا تجد أنهم يختلفون: هذا يقول فلان عنده استجيب الدعاء، وهذا فلان عنده استجيب الدعاء. والعجيب أيضًا أنهم يوزعون هؤلاء الأولياء. الآن مثلاً من يذهب إلى بعض زيارات للمشاهدة، أو كان مثلاً يذهب قبل أن يتوب إلى زيارات مثل هؤلاء، تجد أنهم يوزعون المهام: هذا القبر إذا تريد مثلاً ولد تريد كذا، عند هذا القبر إذا تريد عمل تريد مال، عند هذا القبر تريد كذا، عند هذا القبر. يوزعون المهام، فعن الطلبات يوزعونها، هذا بحسب ما يعتقدون. وهذا ما يدلك على تناقضهم وأنهم أهل باطل، وإلا من أين لهم أن هذا يستجيب لهذه الأشياء وهذا يستجيب لتلك الأشياء؟ قالوا: هذا بالتجربة. عُرف هناك في منطقة التي يسمونها منطقة هود، وفيها القبر هناك في بئر، بئر معطلة قديمة. إذا جاء وقت الزيارة يضعون الطين، طين رطبة هكذا عليها، والذي يريد شيء يضعون حبالًا، يعني حبال كثيرة موجودة، يأخذ حبلًا صغيرًا ويضعه في فيه ويرمي به. إن لصق هذا الحبل معناه: خلص، تحقق المطلوب. وإن ما لصق، ما في معناه: يذهب عنك المطلوب. فلهذا تجد هذا المكان كله حبال. وخاصة أنا متخصص في مثلة: حمل المرأة ووضعها وكذا، مع أنه ما في أحد موجود، لكن بئر فقط. لكن يجعلون الناس يعتقدون في مثل هذه الأشياء. سبحان الله، يريدون يبعدون عن الله، ما في لا قبر ولا شيء، القبر بعيد، هذه بئر فقط. لكن يصنفون يقولون: هذا معناه إذا وضعت الحبل هذا خلاص، إذا مسك معناه مطلوبك تحقق. سبحان من أضل هذه العقول. طيب. ثم قال: «والجواب المفصل: فنقول مدار هذه الشبه على أصلين: منقول، وهو ما يُحكى من فعل هذا الدعاء عن بعض الأعيان، ومعقول، وهو ما يُعتقد من منفعته بالتجارب والقياسات». معناه: إما أن يقال: كيف عرفتم أن هذا القبر ترياق مجرب؟ إما أنهم يقولون: أن فلان دعا وفلان دعا واستجيب له، معناه: يثبتون بهذه الحكايات. أو أنهم يعتقدون منفعته على أساس أنه بالتجارب والقياسات، معناه: أنه جرب عنده كذا فحصل، جرب عنده كذا فحصل. قال: «فأما النقل في ذلك فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عن من يُقتدى به بخلاف ذلك». قال: «وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما استجيب لهم في النادر، ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب للواحد بعد الواحد». وهذا حتى في دعاء الله عز وجل، ربنا جل وعلا له الحكمة البالغة، قد يدعو أصحاب المسجد كلهم وما يستجيب الله عز وجل إلا الواحد أحيانًا. يخرج الناس جميعًا مجموعة منهم يخرجون لأجل الدعاء، ما يستجيب الله عز وجل. وتلك الحكاية التي ذكرها عبد الله بن المبارك، وهي جاءت عند ابن عويمر، وإسنادها صحيح في «الحلية»، عندما رأى عبدًا أو أن الوالي خرج، خرجوا يستسقون، يستسقون، يستسقون، وما في مطر. قال: ثم عبد الله بن المبارك قال: دخلت المسجد فرأيت رجلًا عبدًا أسود جالسًا يدعو، وكنت متجعًا في المسجد، قال: فسمعت يقول: «يا رب، إن الناس قد استسقوا فلم تسقهم، يا رب اسقهم الساعة، الساعة، الساعة». قال: فتعجبت من هذا الكلام، كيف هذا يدعو بهذه الجرأة وهذا الجذب؟ قال: فلما نظرت إلى السماء فإذا السماء تمطر. فأنظر: استجاب الله عز وجل لواحد، أولئك جماعة كلهم خرجوا يدعون ولم يستجب الله عز وجل. معناه: الله عز وجل قد يستجيب لهم لكن يؤخر هذه الاستجابة لأمر عنده سبحانه وتعالى. لكن هذا لما دعا استجاب الله عز وجل له في الحال. فهذا ليس معناه أن مثلاً استجابته... كما قال الشيخ: قد يستجيب الله عز وجل لواحد بعد واحد، أو قد يستجيب للجماعة، يستجيب لواحد وهكذا، سوى كانت الدعوة واحدة أو كل واحد بدعوته، فهذا شيء مجرد. قالوا: «أين هذا من الذين يتحرون الدعاء وقاتل أسحار، ويدعون الله في سجودهم وأجبار صلاتهم، وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابريين لم تكت تسقط لهم دعوة إلا لمعنى». يقول الشيخ: أن الإنسان إذا كان اعتقاده كاعتقاد هؤلاء، لأنهم يدعون وهم يعتقدون أن هذا القبر سيستجيب له، حتى أنهم إذا كانوا يدعون الله لكن إذا كانوا يدعون الله عند صاحب هذا القبر يقولون: خلاص مستجاب، مستجاب الدعاء. فهذا اعتقاد المقابريين. يقول الشيخ: أن الإنسان المؤمن إذا دعا الله عز وجل وكان اعتقاده في الله كاعتقاد هؤلاء المقابريين في المقبورين، لاستجاب الله عز وجل له. ولهذا تجد أن الله عز وجل جعل ناسًا ما يدعون إلا ويستجاب لهم، مثل ما ذكرنا في قصة ابن المبارك. وقد ألف الإمام ابن القيم كتابًا سماه «كتاب المستجاب»، المستجاب الدعوة، مستجاب الدعوة: أي الذين يستجيب الله عز وجل لهم دعاء. من الصحابة كثير منهم: سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. من التابعين أيضًا: سعيد بن المسيب، كان ما يدعو إلا ويستجيب الله، حتى أنه دعا على ديك، ما أراد أن يدعو عليه لكن تأخر في الصياح حتى أصبح، فأذن الفجر ولم يقم الليل، فقال: «ما له، قطع الله صوته»، فلم يسمع له صوت بعد ذلك. فقالت له أمه: لا تدعو يا بني على أحد. فالمهم أن هناك من ناس من يستجيب الله عز وجل لهم في دعائهم. بل بعضهمحيانًا يستجيب الله عز وجل يستجيب الله عز وجل لهم في معناه في كل دعاء لهم، ما يدعون إلا واستجاب الله لهم. حتى الإمام أبو الأعور سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه لما دعا لتلك المرأة استجاب الله عز وجل لدعوته كلها. أيضًا سعد بن أبي وقاص لما دعا لذلك الرجل استجاب الله عز وجل لدعوته كلها: ثلاث الدعوات كلها التي دعا عليك، استجاب الله عز وجل: «اللهم أطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن». فأطال الله عز وجل عمره، وأطال فقره، كان يتعرض للناس، بل حتى قال: عرضه للفتن، كان مفتونًا، رجل مفتون يتعرض للجواري في الطريق، رجل شائب كبير قد سقط، وما قال عبد الملك بن عمير: قد سقط حاجبه على عينيه، هذا ما يسقط إلا رجل كبير جدًا، وهو يتعرض للنساء. فإذا نصح يقول: رجل مفتون، أصابتني دعوة سعد. فلذلك فالله عز وجل استجاب لهؤلاء، مثل هؤلاء الذين أخلصوا لله جل وعلا. قال: «بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون» -وهذا اللفظ صحيح: المقابري، فأنا أفضل من القبور، المقابري هي اللفظ الصحيح، الذين يتبعون أو الذين يعتقدون في المقبورين يقال: مقابري-. قال: «إذا فعله المخلصون لم يُرد المخلصون إلا نادرًا، ولم يستجب للمقابريين إلا نادرًا». والمخلصون... والمخلصون كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، قال: إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها». ومعنى: دعوة العبد المسلم ليست ضائعة، ما يدعو إلا ويتحصل على إحدى الثلاث: إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها. وجاء في رواية: «أو يصرف عنه من البلاء مثلها». وجاء أيضًا في رواية: «أو يدخر له يوم القيامة أنها تكون له أجر عند الله». قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر؟ قال: «فإذا نكثر، معنا إذا كان هكذا نكثر من الدعاء». قال: «الله أكثر». قال: «فهم في دعائهم لا يزالون بخير». وهذا الحديث حديث صحيح، أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد، وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث عبادة بن الصامت، وجاء أيضًا عن ابن عباس وعن غيرهم من الصحابة. قال: «وعما المقابريون، فإنهم إذا استجيب لهم نادرًا، فإن أحدهم يضعف توحيده، ويقل نصيبه من ربه، لأنه يزداد رغبة في هذا القبر، ويزداد أيضًا محبة لصاحب هذا القبر، فيبتعد عن الله، وإنه... وإنه... وإنه... يكون في صاحب القبر أكثر من اعتقاده في الله». قال: «ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون، ولعله لا يكاد يبارك له في حاجته، اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة». قد يعفو الله عز وجل عنهم، وأيضًا قد يحصل لهم شيء من الاستجابة لأجل جهلهم، لأجل جهلهم بهذا، وأن هناك من يشبه عليهم مثل هذه الأشياء. قال: «فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على اجتهاده وغفر له خطأه». قال: «وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثير في العالم وهي محرمة في الشرع، كالتمريجات الفلكية». يقول هنا: التمريجات مأخوذة من المرج، وهو الخلق والفساد والاضطراب والقلق، معناها كأنها تخرصات الفلكيين، والذين يعتقدون أن للأفلاك تأثيرًا. قال: «كالتوجهات النفسانية، كالعين، والدعاء المحرم، والرقى المحرمة، والتمريجات الطبيعية». معناه: التمريجات هي تخليطات الأمور، القياس هذه، ونحو ذلك. من مضرتها أكثر من منفعتها، حتى في نفس ذلك المطلوب. فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبًا إلا أمور دنيوية، فقل لن يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة، ودعاء الآخرة. معناه: ما يتحصل إلا على الدنيا، وأيضًا غالبًا ينتكس، ولا يجد هذه الدنيا، تذهب عليه الأموال، وتذهب عليه ما جمعه لأجل الضحك على الناس، مثل السحرة والكهنة والعرافين وغيرهم. قال: «والمخفق من أهل هذه الأسباب ضعاف، ضعاف المنجح». معناه: الذي يخفق في عمله. ثم إن فيها من النكب والضرر ما الله به عليم، فهي في نفسها مضرة، ولا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرًا، وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه. «والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة أو المستحبة، سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة، أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به، ودعاء الله سبحانه على الوجه المشروع، في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله، بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين صلى الله عليه وعليه وسلم، كالصدقة وفعل المعروف، يحصل بها الخير المحض». إذا اتخذ الأسباب المشروعة في حصول هذه الأشياء، وما يحصل من ضرر بفعل المشروع أو ترك غير مشروع بما نهى عنه، فإن ذلك الضرر مقهور في جانب ما يحصل من المنفعة، لأن أمور الشرع منفعتها أعظم. وهذه قاعدة عظيمة: أن ما أمر به الشرع يكون منفعته إما خالصة أو راجحة، وما كان منهيًا عنه في الشرع إما مضرته خالصة أو راجحة. فلذلك فالأمر في مسألة الشرك والقبورية أو غيرها تجد أن ضررها أكثر، وما حصل من ضرر مثلاً في الأمور الشرعية فهو قليل بالنسبة للنفع. قالوا: «هذا الأمر كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضًا معقول باتفاق الربانيين والمقاييس الصحيحة، فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير، ويدفعان كل شر، فمن صلحت صلاة صلح سائر عمله». قال: «فهذا الكلام في بيان أن لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض، ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم وعقل تيقن ذلك يقينًا لا شك فيه». قال: «وإذا ثبت ذلك فليس علينا من سبب التأثير أحيانًا، سبب التأثير أي: سوى كان بالكواكب أو بغيرها، فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها للحقيقة إلا هو. هناك حوادث تحصل في الأرض من زلازل، من كذا، من كذا، رياح، هذه الأشياء، بعض الناس يعتقد أنها تحصل بسبب تأثير الكواكب، أو تأثير الكواكب، ويحصل مثل ما يعتقد. لكن هذا الاعتقاد الذي كان في نفسه، هل معنى ذلك أن اعتقاده صحيح؟ لا». وهكذا أيضًا أصحاب القبور، يريد الشيخ أن يصل إلى هذا. قال: «أما علمه فبلا ريب، كذلك أنواعها أيضًا لا يضبطها المخلوق لساعة، ملكوت الله تعالى». ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم السلام أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه فسادهم، لا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب، قليل الفائدة، أو موجب للضرر. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.