الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 148، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن استجابة الدعاء أو حصول الكرامات عند القبور أو في السماع المبتدع لا يدل على مشروعية العمل، بل قد يكون لإخلاص العبد وجهله. ويؤكد شيخ الإسلام أن المقياس هو الكتاب والسنة لا النتائج، مستشهداً بإنكار الجنيد على سمنون المحب وقصة المجاور بالمدينة.
يبيّن المقطع أن الجاهل قد يعذر ويغفر له بخلاف العالم، لكن ذلك لا يجعل فعله المخالف صواباً. كما يحذر من اتخاذ القصص والأساطير ديناً، ويؤكد أن القول على الله بغير علم من أعظم أسباب الضلال والبلاء.
يبيّن المقطع أن سؤال الحاجات من الأموات ليس بشرع، ويوضح أنواع الدعاء المكروه والمحرم سواء في المطلوب أو في نفس الطلب. ويذكر قصة من دعا بتعجيل عقوبة الآخرة فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكداً أهمية الجمع بين طلب الدنيا والآخرة في الدعاء.
يحذر المقطع من الدعاء على الأنبياء والصالحين كما فعل بلعم بن باعور، مبيناً أن استجابة الله للدعاء لا تعني رضاه عنه بل قد تكون ابتلاءً يؤدي إلى سلب الإيمان. كما ينبه إلى خطورة الأوهام القلبية والهلوسات التي يظنها البعض كرامات، مؤكداً أن سلامة القلب تكون باتباع الشرع لا بالبدع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الكلام على خطأ كثير من الناس ممن يرتكب أخطاء في الدعاء: إما أنه يدعو عند قبر يريد بذلك الفضل، أو أنه يأتي بأشياء مكروهة في الدعاء. قالوا: من هذا الباب، وأيضا استطرد شيخ الإسلام في مسألة ما يقوله بعض البدع من أن الإنسان يدعو عند قبر الفلاني فيستجاب له، فبين أن هذا خطأ من عدة أوجه. ثم قالوا: من هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع. سماع المبتدع، معنى سماع الصوفية الذين يسمونه سماعًا: يذكرون الله ويلحنون ذلك الذكر، أو يجعلون معه شيء من آلات الموسيقى، كالشبابة أو المزمار، وبعضهم يجعل دفًا، وبعضهم يجعل أشياء أخرى في هذا السماع. قال: فإن تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محرك كانوا في سماعه. يعني أيضًا من هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ، أنه مثلا حصل له كذا، أو حصل له شيء من البكاء، أو من الغشي، غشي عليه، أو غير ذلك، فيظنون أن هذا من خشية الله، يظنون أن هذا أيضا من خوفه من الله، وأنه عمل صالح. فذكر الشيخ: فإن تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال. معنى هذا: معتقد إنسان يعتقد أن هذا السماع يحرك القلوب، فلهذا لا يتحرك قلبه إلا في السماع البدعي. تجد أنه يأتي إلى قراءة القرآن ويقرأ عليه القرآن، وتقرأ عليه آيات العذاب ولا يتحرك، لكن لما يصيح صائحهم في السماع تجد أنه يضطرب، وبعضهم يقفز، وبعضهم كذا. قال: فهرك محرك كانوا في سماعه، إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرًا غمره حسنات قصدهم. يأخذ معنى: يقول الشيخ: أحيانا قد يحصل أن الإنسان نيته حسنة لكنه على جهل، فباجتهاده ممكن أنه يحصل له شيء من الخوف، يحصل له شيء مثلا من استجابة الدعاء أو غير ذلك. قال: فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع، وليس حضور أولئك الرجال سنة التبع، ولا مع المقتدين من الصدق والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم، فيهلكون بذلك. معنى: يقول الشيخ أن مسألة مثلا أن إنسان قد يعذر بجهله، قد يعذر مثلا بنيته، قد يعذر كذا، لكن هذا لا يبرر أن الفعل الذي فعله صحيح، لا يبرر أن الفعل الذي فعله صحيحًا. فلهذا فهذه الآثار التي تحصل من هذه الأشياء لا يستدل بها، وليست هي مقياسًا للعمل الصالح، أو أن هذا العمل صحيح يوافق الشرع. فكل هذا ليس مقياسًا. قالوا: كما يحكى عن بعض الشيوخ أنه رؤي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: وقفني بين يديه، وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسعدى ولبنى، لولا أني أعلم أنك صادق لعذبتك. يعني: أنهم يتمثلون أحيانا بأشياء من الشعر الجاهلي، كما قال هنا: بسعدى ولبنى. فرؤيا بعض المشايخ، بعض مشايخ الطريقة أو السادة، بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسعدى ولبنى، لولا أني أعلم أنك صادق لعذبتك. يريد الشيخ أن هذه القصة تؤيد الكلام الذي ذكره: أنه بعضهم عندهم صدق وإخلاص، قد هذا الصدق والإخلاص يرفع عنهم العذاب، وقد أيضا كذلك ينجيهم الله عز وجل من أشياء بصدقهم وإخلاصهم، وإن كان هذا الصدق والإخلاص في هذا المكان ليس صحيحًا لأن العمل غير مشروع، لكن لعل مثلا أن هذا الشخص يجهل عدم شرعية هذا الشيء، فقد من هذا الباب قد مثلا يحصل له شيء من الخير. وهكذا ذكر الشيخ رحمه الله في مسألة المولد: أنه قد يؤجرون على إخلاصهم ونيتهم، لكن الفعل مبتدع. قد يحصل لهم شيء من الأجر لكن على إخلاصهم ونيتهم. وهذه المسألة التي أراد الشيخ أن يقررها في هذا المقام: أنه ليس كل عمل حصلت نتائجه أنه يقاس أو يقال أن هذا العمل صحيح، ويقاس بعد ذلك ما كان مثله. لا، ليس الشرع بالمقياس أو بالنتائج التي تحصل أو بالثمار أو بالآثار، بل الشرع بما ثبت في الكتاب والسنة. ما كان من عمل ثبت في الكتاب والسنة فهو عمل صالح، قد ثبت استحبابه وفعله أو الأمر به، سواء كان أمر حتم وهو الوجوب، أو سواء كان أمر غير حتم، أو يقولون: أمر وجوب أو أمر ندب، أمر وجوب أو أمر ندب. قال: فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها، فكثير ما يكون من هذا الباب. أراد أن ينبه عليه الشيخ، لأنهحيانا مثلا تأتي في حادثة من الحوادث عن بعض السلف أنه جاء بدعاء معين فاستجيب له، فيظن كثير من الناس أن هذا الدعاء مما يستجيب الله عز وجل فيه الدعاء. فيريد أن يبين الشيخ أن هذا خطأ، وهذا المقياس أيضا خطأ. وإنما قد يكون مثلا يوافق أن الله عز وجل استجاب لهذا، أولا لصدقه وإخلاصه، وأيضا لدعاء، لكن ليس معنا أن هذا الدعاء يستجاب فيه، يستجاب فيه الدعاء، أو أن هذا الدعاء إذا جاء به استجيب. هذا خطأ، وهذا ليس مقياسًا صحيحًا. قال رحمه الله: لهذا كان أئمة العلماء بشريعة الله يكرهون هذا من أصحابهم، وإن وجد أصحابهم أثره، كما يحكى عن سمنون المحب. وهذا من الصوفية: سمنون المحب، سمنون بن حمزة الخواص. طيب، وقد ذكره أبو نعيم في الحلية، وذكر أيضا شيخ الإسلام عنه بعض الأحوال. قال: كما يحكى عن سمنون المحب: قال: وقع في قلبي شيء من هذه الآيات إلى دجلة، فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت. فخرج حوت عظيم، أو كما قال. قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كنت أحب أن تخرج إلي حية فتقتله. والجنيد يعتبر صاحبه وشيخه. يعني: حلف بالله أنه لا يخرج، لا يذهب من عند دجلة حتى يخرج له الحوت، فخرج له حوت عظيم. فالجنيد قال منكرًا عليه: كنت أحب أن تخرج إلي حية فتقتله. أنا مثل هذه الأشياء لا ينبغي أن يقولها، حتى ولو كان إنسانًا يستجاب له الدعاء، أو وجد من نفسه أن الله عز وجل يستجيب له الدعاء، فلا ينبغي أن يأتي بأشياء لا تنفع فيها، وإنما فيها تعظيم الناس له. قال: وكذا الشهر، أيضا وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة جاء إلى عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فاستهى عليه نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام بعث لك ذلك، وقال لك: اخرج عندنا، فإن من يكون عندنا لا يستهى مثل هذا. الله أعلم هل هذا من باب المنام أو أنه يقضى. قالوا: آخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا، لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره. وهذا أيضا قاعدة مهمة ينبغي للمسلم أن يعيها: أنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره. فطالب العلم وأيضا العالم ليس مثل الجاهل. فصحيح أن ما من أحد يقع في الذنب إلا بجهله، كما ذكر الله عز وجل: بجهله. لكن وقوع العالم ليس كوقوع الجاهل، فالجاهل قد يغفر له، لكن العالم يعلم أن هذا خطر، وأن هذا لا يجوز، وهو يمكر وأيضا يكيد للناس، وهو يعلم أن هذا لا يجوز، أو أنه يستعمل دينه لأجل الدنيا. قال: كما يحكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل. معنى برخ العابد: هذه قصة ذكرها ابن قدامة في كتاب التوابين. كان هذا برخ العابد من عباد بني إسرائيل، فذكر أن موسى طلب منه أن يستسقي لهم، فذكر دعاءً فاستجاب الله عز وجل لهم، حتى مشوا في الوحل. أنا ذكر هذه القصة كعب الأحبار، وهذه من قصص بني إسرائيل، الله أعلم بها. قالوا: لهذا عامة ما يحكى في هذا الباب إنما هو عن قاصري المعرفة. ولو كان هذا شرعًا ودينًا... معنى: هناك أناس جعلوا دينهم القصص، كالشيعة والصوفية، دينهم القصص: فلان كان يفعل كذا، فلان فعل كذا، فصار هذا الدين عندهم. بل يأخذون دينهم من هذه القصص. اليوم لو جئت قلت لشخص: ما الدليل على هذا الذي تفعلونه؟ يقول لك: رأى سيدي فلان كذا وكذا.حيانا حتى أمور في التاريخ، أمورا تجدها في التاريخ، ما يعرفها الناس ولا ذكروها في الكتب، وهؤلاء يقول لك: فلان رأى كذا كذا. مثلا عندك الآن قبر نبي الله هود، من الذي أعلمهم أنه قبر نبي الله هود؟ وأنا ذكروا أن الله عز وجل أن عاد كانوا بالأحقاف، حتى لو كان عاد بالأحقاف، فما أدراهم أن هذا القبر هو قبر هود؟ وقوم هود كانوا عمالقة، على عمالقة كبار، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن آدم طوله ستون ذراعًا في السماء، والذي يكون طوله ستون ذراعًا لا شك أنه سيكون عرضه كبير، لأنه ما سيتوازى الجسد. الآن اللسان مثلا طوله متران وعرضه نصف متر مثلا، حتى يتوازى الجسد. فهكذا هذا مثلا الذي طوله ستون ذراعًا، معنى مثلا قرب الثلاثين مترًا، هذا ممكن يكون مثلا عرضه عشر أمتار. عشر أمتار الآن، هذا القبر ما يأتي حتى مترين، معنى العرض أرضه ليس حتى حتى مترين، ليس معنى كذلك. معنى لو قسته أقل من مترين أرضه، كيف يدخل فيه جسد عملاق؟ والمهم أن هذا حتى لو كان كذلك، من أين لهم أن هذا قبر نبي الله؟ من الذي أخبرهم؟ الوحي قد انقطع، إما أن يخبرهم شيطان، وإما أنهم افتروا هكذا. فإذا قلت لهم: من الذي ذكر؟ يقول لك: ذكر فلان أن هود مات في الأحقاف. طيب، حتى ومات في الأحقاف، طيب، هل هذا القبر الذي مات فيه؟ فتجد الصوفية إذا قلت لهم، يقول لك: السيد الفلان رأى أن قبر نبي الله هود هذا. وهل نصدق برؤية هذا السيد ونجعلها دينًا يدان، ونجعل هذا القبر هو قبر نبي الله هود؟ هذا إذا سلمنا لهم أنه... جدلا مثلا أنه قبر نبي الله هود، ما هناك فائدة أصلا في وجود القبور. فهذا عندنا قبر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الناس وسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، موجود قبره في المدينة. الصحابة رضي الله عنهم كانوا في المدينة، ما كان أحد يأتي للقبر، ما كان أحد يأتي للقبر. فوجود القبور معنا ليس له دخل في دين الله، وليس له شيء يشرع في دين الله إلا السلام، وهذا يشرع لكل المقبورين، لكل القبور يشرع أنك تسلم عليها، ليس خاصا مثلا بأحد. فلهذا ليس هناك شيء في شرع الله عز وجل. طيب. قال: فهذه الأشياء أو الحكايات التي يحكونها ما تفيدهم شيئًا. يقول الشيخ: أن هناك من حصل له قُضيت حاجته في أمر فعله عند قبر وعند غيره، فهذا لا يدل على أن الله عز وجل راضٍ عنه وله. ولهذا قال: عامة ما يحكى في هذا الباب إنما هو عن قاصري المعرفة. ولو كان هذا شرعًا ودينًا لكان أهل المعرفة أولى به. ولا يقال: هؤلاء لما نقص معرفتهم ساغ لهم ذلك. لا، لا يقال أن هذا مسوغ لهم وعذر. لا، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد. لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة. معنى: فرق بين أن نحكم على هذا الفعل صحيح، وبين أن نحكم على من فعله. قد نقول له: يعفو الله عز وجل عنه، قد يغفر الله، قد يثيب حتى، لكن هذا الفعل خطأ، لكن هذا الفعل خطأ وليس صحيحًا. الإنسان حتى في الدعوة إلى الله قد يكون الإنسان يخطئ في الدعوة، يقسو على من يدعوه، يفعل بعض الأشياء التي هي خاطئة، لكن أحيانا يؤجر على نيته وعلى اجتهاده، لكن الفعل هذا الذي فعله خطأ، ما يقال فعلك صحيح، لا، فعلك خطأ، لكن أنت مقصدك صحيح، نيتك صحيحة، اجتهادك تؤجر عليه، ممكن الله عز وجل يؤجرك عليه، ممكن يصرف الله عز وجل عنك باجتهادك. حيانا اللسان يتكلم بكلام ليس صحيحة، فقد يكون هو مثلا المعلومة التي عنده هكذا، ألقاها هكذا، فهذا قد يؤجر على إخلاصه وأنه يريد يبلغ العلم، لكنه ليس معنا ذلك أن هذا الكلام صحيح. فهذا فرق بين أن نقول أن هذا الفعل صحيح أو هذا الكلام صحيح، وبين أن نقول أن هذا قد يغفره الله، وقد يعفو الله عز وجل عنه. قال: فلهذا... لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة. قال: أما استحباب المكروهات أو إباحة المحرمات، فلا نفرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له، سوى كان ذلك متعلقا بنفس الفعل أو ببعض صفاته. عن استحباب المكروهات أو إباحة المحرمة: ما نقول يعفو عن الشخص، بقوله أن هذا مكروه أو أن هذا مستحب وهو مكروه، أو أن هذا حلال وهو حرام، لأن هذا كلام في شرع الله عز وجل بلا علم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فذكرها آخر شيء، مع أنه ذكر المحرمات تصاعديًا، فذكر القول على الله عز وجل بعد الشرك. ليس معنا أنه أعظم من الشرك، لكنه من الأسباب التي يقع الناس في الشرك، هو القول على الله عز وجل بغير علم. فلهذا فهو سبب البلاء، سبب البلاء: القول على الله عز وجل بغير علم. قال: وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين، فقضيت حاجته، وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع فيتبع. أنا ما في قياس في هذه الأشياء ولا سنة، وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينًا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون. وما سوى هذه من الأمور المحدثة فلا يستحبوا، وإن اجتملت أحيانا على فوائد، لأننا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها، حتى ولو حصلت قضاء الحاجة، لا يدل هذا على فعله وعلى استحبابه. قال: ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة... ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة المطلوب، وإما من جهة نفس الطلب. أن المكروهة هذه إما أن تكون من جهة المطلوب، من جهة معنى الذي يطلب: يدعو، يدعو خطأ، إما يدعو يريد مثلا يدعو عند قبر يريد فضيلة صاحب القبر، أو يدعو مثلا بغير الدعاء الصحيح، أو يكون في صفة الدعاء نفسه. قال: وإنما يضبط استحباب الأفعال... طيب. قال: وإن اجتملتحيانا على فوائد. ثم قال: ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة المطلوب، وإما من جهة نفس الطلب. وكذلك نفس الطلب خطأ، كما قلنا. ذكرنا قبل أمثلة في الدعاء، أو الاعتداء في الدعاء. مثلا كما قلنا: أن يطلب شيء مستحيل، يقول: اللهم اجعلني ملكًا من الملائكة. هذا كلام باطل مستحيل، أنت بشر، كيف يجعلك ملك؟ ومعنى ليس مستحيل على الله، لكن مستحيل في وجوده. معنى: الله عز وجل خلقك بشرًا، كيف تكون ملكًا؟ كذلك معنى يطلب شيء مستحيل أو شيء لا يقع أصلا، مثلا يقول: اجعلني حيوانًا، اجعلني كذا، من هذه الأشياء الخاطئة. يكون الخطأ في نفس الطلب. قالوا: كذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة، فكراهتها إما من جهة المستعاذ منه، وإما من جهة نفس الاستعاذة. الاستعاذة خطأ، فينجون من ذلك الشر ويقعون فيما هو أعظم منه. أنا يريد: أنه قد ينجو من هذا الشر الذي استعاذ به، لكن يقعون فيما هو أعظم منه، وهو الشرك. مثل ما حصل، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾. كان أهل الجاهلية، كما ذكر ابن عباس وغيره: كان إذا جاء الرجل إلى وادي من الوديان، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. هو الآن يريد ينجو من هذا الوادي، لكن يجدونه خوفًا ومرضًا، فيخرج من هذا الوادي، لكنه حمل في قلبه اعتقادًا في هؤلاء الجن والشياطين، وهذا أعظم من أنه نجا. هذا الاعتقاد الذي حمله، والخوف والوهن والضعف الذي صار في قلبه، هو أعظم من نجاة من هذا الوادي. قال: وأما المطلوب المحرم، فمثل أن يسأل ما يضره في دنياه أو آخرته، وإن كان لا يعلم أنه يضره. أن أحيانا يكون المطلوب في نفسه خطأ، وفيه ضرر عليه، وسيذكر الشيخ هنا المثال. قال: فيستجاب له. فالرجل الذي عاده النبي عليه الصلاة والسلام، فوجده مثل الفرخ. الفرخ: معنى حق الدجاج، معنى أبناء الدجاج. وأنا كأنه صار خفيفًا جدًا. فقال: هل كنت تدعو الله بشيء؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. أنا إذا أردت أن تعاقبني على شيء في الآخرة، عجله لي في الدنيا. الآن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، إنك لا تستطيعه، أو لا تطيقه. أنا لا تطيق مثل هذا، لأن الإنسان في الدنيا ركب الله عز وجل على ما يكون في الدنيا، أما عذاب الآخرة، الله عز وجل يبدل جلودهم، ويجعل هيئاتهم كبيرة، حتى ضرس الكافر ضرسه مثل جبل أحد، ويعني يكون إنسان كبير، فيذوق العذاب، يذوق هذا العذاب. لأن لو كان جسدك، لو كان جسد أهل النار مثل هذه الأجساد اللي في الدنيا، سيفوت بسرعة. هذه النار الآن، نار الدنيا، ما يستطيع الإنسان أن يتحملها، فكيف بنار تزداد سبعين ضعفًا؟ مثل هذه النار، فلهذا لا يستطيع هذا الجسد أن يتحمل هذه النار، سيحترق بسرعة ويكون لا شيء. لكن الله عز وجل يبدل جلودهم، يجعل لهم جلودًا تتعذب في هذه النار، وكذلك أجساد. فلهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، إنك لا تستطيع، لا تستطيع أن تتحمل عذاب الآخرة. قال: هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وهذا الحديث يخرجه الإمام مسلم. قاله كأهل جابر بن عتيك لما مات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. وهذه العبارة قالها النبي عليه الصلاة والسلام في موت أبي سلمة. موت أبي سلمة. لعل الشيخ هنا وهم كذكرها في موت جابر بن عتيك، أو أنه حصل له مثل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أبي سلمة. لكن المحقق هنا يقول: ما وجدت هذا الكلام مقرونًا بموت جابر، وإنما هو في قصة موت أبي سلمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ضج الناس: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. طيب. قال: وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا، بقوله: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾. فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب. وهذا يبين أن الإنسان ما ينبغي له أنه دائما يطلب الدنيا. بعض الناس في دعائه دائما يطلب الدنيا، يطلب أمور الدنيا: اجعل لي كذا، اجعل لي مالا، اجعل لي كذا، لا يطلب الدنيا والآخرة. إذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام علم ذاك الأعرابي لما علمه الذكر، وعد الذكر، فقال: قد ملأ يده خيرًا. ثم لما ذهب رجع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد رجع البائس. فقال: يا رسول الله، هذا لربي ومالي، اجعل لي أنا أريد أيضًا. فقال: قل: اللهم اغفر لي. معناه كما جاء في بعض الرواية: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وهديني وارزقني. اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وهديني وارزقني. فان هذه أمور في الدنيا والآخرة، والآخرة أعظم. معناه أكبر، هذه الأمور أكثرها في الآخرة تفيد، والرزق في الدنيا، والعافية في الدنيا والآخرة. طيب. قالوا: مثل... ولهذا كان بعض السلف لا يدعو لأمور الدنيا، على مثل ما جاء في قصة سفيان الثوري، لو دخل على بعض الهابدات فدعى لها بالرزق وكذا، فقالت: والله ما دعوت الله عز وجل لدنيا، ما أدعو فيه لدنيا. في قصة أيضا سالم مع بعض أمراء بني أمية وملوكهم، فقال: يا سالم، سل. فقال: أسألك الدنيا أو الآخرة؟ فقال: لا، الآخرة ليس لي دخل فيها، سألني في الدنيا. فقال: والله ما سألتها من يملكها. قال: ما سألتها من يملكها وهو الله، فكيف أسألها من لا يملكها؟ قالوا: مثلا أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه، كدعاء بلعم بن باعور، ويقال بن باعورا، على قوم موسى عليه السلام. أنا دعا عليهم لأنه كان يعلم، كما جاء في حكايات بني إسرائيل، أنه كان يعلم الاسم الأعظم، أن هذا الذي نزلت فيه قول الله عز وجل: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾. فهذا يسمى بلعم بن باعورا أو بن باعور. هذا دعا قومه، طلبوا منه أن يدعو على موسى، لأنه كان عنده الاسم الأعظم الذي يدعو الله عز وجل به فاستجاب له، فقام وأطاعهم، وهو يعلم أن هذا نبي الله موسى وكليم الله، لكن أطاعهم لأجل الجاه، لأجل ما يكون عنده مثلا أمور الدنيا، معنى يعطونه مال ويكون له جاه عند قومه. فقام ودعا على موسى وعلى قوم موسى، فسلبه الله عز وجل العلم والإيمان، ووصفه الله عز وجل بالكلب: ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾، على وراء الدنيا. قالوا: هذا قد يبتل به كثير من العباد، أرباب القلوب، فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص، فيدعو لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح، فيستجاب له، ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء. من يعاقب الله عز وجل على هذا الدعاء مع أنه يستجاب له؟ قال: كما يستحقه على سائر الذنوب، فإن لم يحصل له ما يمحوه من توبة أو حسنات ماحية أو شفاعة غيره أو غير ذلك، وإلا فقد يعاقب. إما أن يسلم، ما كان عندهم من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته، يعني يدعو على أناس صالحين لأجل قوم قد يكونوا من الفاسدين، فيدعو على هؤلاء الصالحين بدعوات. في هذا صحيح أن أحيانا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في اليهود: إنه استجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا. دعوتهم لا تستجاب لأنهم كفار، ما يستجيب الله عز وجل لهم. لكن تجد بعض أهل الإيمان، أو من عنده أي معنى إسلام، يدعو على أناس من الصالحين، يدعو عليهم، فهذا وإن استجيب له فهو يعاقب على هذا الدعاء. واستجابة الله عز وجل ليست رضا عن الفعل الذي فعله، وإنما قد يكون فيه حكمة من الله جل وعلا. وهذا شيء لابد أن يعلمه طالب العلم، ويعلم كيف الحكمة في ذلك. قال: فينزل... قال: فينزل عن درجته، وإما أن يسلب كمال الإيمان فيصير فاسقًا، وإما بأن يسلب أصل الإيمان فيصير كافرًا، منافقًا أو غير منافق. قالوا: ما أكثر من ما يبتلى بمثل هذا المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية، بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم، وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب. فلو دعوا مثلا قبرًا أو دعوا كذا واستجيب لهم، قالوا: هذا قبر معروف، ترياق مجرد. قالوا: ربما غلب على أحد حال قلبي حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه، بسبب هذه أمور قلبية. لسان مثلا يعتزل دائمًا الناس ولا يخالط الناس، وتجده دائمًا المنفرد وحده، ودائما أيضا في جوع، فيحصل له شيء من الهلوسة، أو يحصل له شيء من يسمونه الحب الإلهي، الصوفية، ولكن ليس حبًا إلهيًا، وإنما هو بسبب معنى مثل الجنون، مثل الجنون. أن الواحد تجده مثلا يجلس ثلاثة أيام، مثل الفقيه، الفقيه المقدم حق ألبا علوي، جلس ثلاثة أيام لا يأكل طعام ولا يصلي ولا يفعل شيء، جلس قائمًا، بعد ثلاثة أيام خرج لهم يقول لهم: أنا الله، أنا، خلاص، تعطل عنده العقل. وهكذا البدوي، البدوي هذا الذي يذكرونه في مصر، جلس أربعين يومًا لا صلاة ولا صيام، شاك في ربه، جلس أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب ولا أيضًا يصوم ولا صلاة. يقولون هكذا، والله أعلم. لكن صعب أن الإنسان يجلس أربعين يومًا بدون شرب وأيضًا واقف في الشمس. فهذا كله قد يكون قصصًا غير صحيحة، لكن يدلك على عدم فهم هؤلاء لدين الله. كيف الإنسان يبقى في هذا؟ يقول: بعد ذلك تأتي له الروح الإلهية، فيأتي ويقول: أنا الله، وأنا كذا. مثل أيضًا كما قلنا: الفقيه المقدم، قال لهم: أنا أعلم ثلاثة، أعلم الشقي من السعيد، وأعلم، وأعلم ما في الأرحام، ومن هذه الأشياء. كل هذا يحصل له بسبب الهلوسة هذه، وهو نوع من الجنون أصلًا، لكن هم يظنونه كرامة. قال: فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس. وهذه القلبية إنما تقى غالبًا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة. ننظر إلى فقه الشيخ: قال: في الأعمال مشروعة، أو لا عندهم أعمال، لكنها أكثر وغير مشروعة، التي تحفظ حال القلب، فيؤاخذ على ذلك، وقد تقى بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه، فتقع معفوًا عنها إن شاء الله. نكتفي بهذا، والله تعالى. نكتفي بهذا.