الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم الحسنات في الشرع ويبين تكفير الذنوب بالصبر على المصائب. ويستعرض حديث اتق الله حيثما كنت متضمناً حقوق الله وحقوق العباد في الخلق الحسن من وصل وإعطاء وعفو.
يستعرض المقطع مظاهر حسن الخلق النبوي من إدخال السرور والعفو والحلم. وينقل تعريفات السلف لحسن الخلق مبيناً منع البشرى عن المبتدع الداعي لبدعته.
يوضح المقطع آداب التعامل مع المبتدعين والفاسقين بالهجر والنصيحة مع بيان أن العفو أصل إلا للتأديب أو إقامة الحدود. ويؤكد وجوب كف الأذى ونصرة المظلوم خاتماً بوصف خلق النبي صلى الله عليه وسلم بأنه القرآن المبادر للطاعة.
يكرر المتحدث دعوة المشاهدين للاشتراك في القناة مرتين متتاليتين. وتأتي هذه الدعوة في ختام الدرس كتنبيه للمتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والحسنات ما ندب الله إليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات". يعني أن الحسنات هي كل ما ندب إليه ربنا سبحانه وتعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة والصفات الحميدة. فهذه مما تكون في ميزان العبد، ومما يمحو الله عز وجل بها السيئات. وهذه يكتسبها العبد، يسعى العبد في تحصيلها، يسعى العبد في تحصيل الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة والصفات والآداب الكريمة. فهذه تكفر عنه السيئات، وكذلك ترفع له الدرجات، وتزاد له الحسنات. قالوا: مما يزيد موجب الذنوب المصائب المكفرة، وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك. لكن هذا ليس من فعل العبد أيضًا. الذنوب تزال وتمحى بالمصائب المكفرة. كفارات الذنوب كثيرة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم جملة منها. فكل ما يؤلم العبد من الهم أو الحزن أو الأذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه، سواء كانت هذه المصائب في الأموال، أو كانت في الأجساد والأبدان، أو كانت في الأعراض أو نحو ذلك في الأهل. كل هذا إذا صبر واحتسب، فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف له الأجر، وأيضًا يزيل عنه من الذنوب والسيئات ما هو عليم بذلك سبحانه وتعالى. وهذه المصائب ليست من فعل العبد ولا باختياره، وإنما بما قضى الله وقدره على عبده. قال: "فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل الصالح وإصلاح الفاسد". وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها». هذا حق الله. تقوى الله عز وجل من حق الله سبحانه وتعالى: فعل ما أمر الله، واجتناب ما نهى الله عنه. وأيضًا اتباع السيئة بالحسنة، أي التوبة. فإذا فعل سيئة تاب ورجع وأناب إلى الله سبحانه وتعالى، وعمل من الأعمال الصالحة ما هي تكون سببًا لتكفير تلك السيئات والذنوب. فلما قضى ذلك في الحديث، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بحق الناس. إذن هذا الحديث اشتمل على أمرين، كما قال شيخ الإسلام: على حق لله، وعلى حق للخلق. فهذه الجملة الأخيرة: «وخالق الناس بخلق حسن»، هذه من حقوق الناس. فما تحب أن تؤتى به ينبغي عليك أن تفعله مع غيرك، فعله مع إخوانك المسلمين وإخوانك المؤمنين. فهذا من الخلق الحسن الذي يكون سببًا لدخول جنة الله جل وعلا، كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «فمن أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه». قال: "فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل الصالح وإصلاح الفاسد، قال: وخالق الناس بخلق حسن، وهو حق الناس". وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له. هذا من قطعك تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عن من ظلمك. هذا جماع الخلق الحسن. متى يقال لهذا: صاحب خلق حسن؟ أن يعطي من حرمه، وأن يصل من قطعه، وأن يعفو عن من ظلمه. وهذه قد جاءت في حديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله في "الصحيحة"، من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعقبة: «يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك». والحديث طويل، وهذا جملة منه. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام عقبة بن عامر أن يصل الأرحام، يصل الأقارب: «صل من قطعك»، وإن قطعوه. «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها». وإن قطعوه، صلهم. فهذا هو الواصل، وهذا صاحب الخلق الحسن. «واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك» الذي يمنعك شيء ويحرمك شيء، وأنت يسر الله عز وجل لك بأشياء أخرى ليست معه، أعطِ ما فضل من ذلك، ولو هو ما أعطاك مما فضل عنده، فأنت صاحب خلق حسن. وهكذا أيضًا: اعف عمن ظلمك، تعفو عن من ظلمك. هذا جمع الخلق الحسن، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال: "وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال، وتعفو عن من ظلمك في دم أو مال أو عرض. وبعض هذا واجب، وبعض مستحب، قد يكون ذلك واجبًا وقد يكون مستحبًا، على حسب ذلك الشخص، حال ذلك الشخص". وأما الخلق الحسن فتعارفه عند أهل العلم كثيرة، كل منهم استنبط شيئًا وظهر له شيء من السنة فقال به. قال الحسن البصري: "حسن الخلق: الكرم والبذلة والاحتمال". الكرم والبذلة والاحتمال، يعني أن تكون كريمًا، وأن تبذل ما عندك من الخير لإخوانك المسلمين، وأن تحتمل الأذى. لا بد من أذى، فتحتمل وتصبر. هذا صاحب الخلق الحسن. وقد جاء أيضًا من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سفسافها». ففيه إشارة إلى أن الكرم مما يحبه الله عز وجل، وكذلك معالي الأخلاق: أن يكون الشخص ذا أخلاق عالية، طيب القول وطيب الفعل، لا فاحش القول ولا فاحش الفعل. بل كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس أخلاقًا، كما قال أنس في الصحيحين: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأحسن الناس». كان عليه الصلاة والسلام متصفًا بالصفات، هذه الصفات العظيمة، الخلق العظيم، كما وصفه الله عز وجل بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فكان أكرم الناس، وأشجع الناس، وكان كذلك صلى الله عليه وسلم أحب الناس للناس، وكانوا يحبونه عليه الصلاة والسلام. مر النبي عليه الصلاة والسلام ببشر بن عقربة، بشر بن عقربة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي. وهذا بشر استشهد أبوه أو قتل أبوه في أحد الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أسكت»، يعني يسكته لأنه يبكي. قال له: «أسكت، أما ترضى أن أكون أنا أباك وعائشة أمك؟» هذا فيه إدخال السرور. النبي صلى الله عليه وسلم لما مر على أبي عمير وهو يبكي على طائر له مات، من حديث أنس في الصحيحين، قال له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» لأجل إدخال السرور على الأطفال. وهذا من حسن الخلق، حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الأعمال عند الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن، أو قضاء الدين عنه، أو أن تطعمه خبزًا». هذه من أحب الأعمال لأنها تستمر على مكارم الأخلاق التي بعث نبينا صلى الله عليه وسلم بها وبإكمالها وبإتمامها. فاتصف عليه الصلاة والسلام بحسن الخلق في المعاملة مع جميع الناس، فكان يعفو عن هذا، وكان يحتمل الأذى من هذا، وكان يلاطف هذا، كل بحسبه، كل بحسبه يعامله صلى الله عليه وسلم، ويدعو هذا، يدعو هذا الكافر إلى الإسلام ويحبب إليه الإسلام. وهكذا عليه الصلاة والسلام، ربما عفى عن من أساء إليه، يعفو عن من أساء إليه، كما فعل الأعرابي الذي جذب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه وأثر الرداء على عنقه، فقال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، ليس مالك». فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول أنس: «تبسم في وجهه، فأمر له بعطاء». وصفح النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الرجل الذي أراد قتله، وكذلك حلم النبي عليه الصلاة والسلام عن الأعرابي الذي بال في المسجد. هذه كلها من آدابه وأخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم، التي تكون أعلى مثال، أعلى مثال لمن يسير على هذا المنوال. فمقدمة الناس في الأخلاق هو النبي صلى الله عليه وسلم. فالحسن يقول: "حسن الخلق: الكرم والبذلة والاحتمال". وقال الشعبي: "حسن الخلق: البذلة والعطية والبشر الحسن". تبذل وتعطي، وكذلك تتبشبش. البشر، ماذا الحسن؟ وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، على أن المؤمن إذا لقي أخاه المؤمن أن يتبشبش له، ويظهر السرور في وجهه، لا يكلح ولا يعبس في وجهه، وإنما يظهر البشرى والسرور والفرح عند لقائه لإخوانه. والتبسم في وجه أخيك صدقة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». وهكذا في حديث عدي بن حاتم الذي في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». من إدخال السرور على المؤمن، إذا دخلت في قلبه السرور أحبك الله جل وعلا. وهكذا أيضًا يقول ابن المبارك في تعريف حسن الخلق: "هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى". وكف الأذى، هذه ثلاثة أمور: بسط الوجه معناه انشراح الوجه وبشاشته، وبذل المعروف يعني الخير من نصيحة وعلم نافع ونحو ذلك، إرشاد وتوجيه لهذا المسلم، وأيضًا كف الأذى: لا توذيه لا في عرضه ولا في ماله ولا في بدنه، لا بكلمة سيئة، وكذلك بفعل سيئ، ولا نحو ذلك. وقال الإمام أحمد رحمه الله: "حسن الخلق: أن لا تغضب، ولا تحقد". لا تغضب ولا تحقد، لا تنفعل مبادرة من أذنب كلمة، فإن الغضب من الشيطان، وقد نهى نبينا صلى الله عليه وسلم عن الغضب، وقال لذلك الرجل: «لا تغضب»، فردد مرارًا، كل ذلك يقول له: «لا يغضب». وصية بترك الغضب، لأن الغضب يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه من قتل الأنفس، من السب، من الشتم، من غير ذلك، ربما كلمة الكفر تخرج كذلك عند الغضب. وهكذا أيضًا يقول: «لا تحقد». لا يكون في قلبك حقد على إخوانك أهل الإسلام، وبالذات أهل السنة المتمسكين بالسنة، يجب أن يكون في قلبك حب لهم، يجب أن يكون في قلبك حب لهم. وقال أيضًا، أي الإمام أحمد: "أن تحتمل ما يكون من الناس". أي من حسن الخلق أيضًا الصبر، الصبر من حسن الخلق، تحتمل ما يكون من الناس. وهذه ترون أنها أشياء عظيمة تحتاج إلى صبر من هذا الإنسان على مثل هذه الأمور، وتحري وتحرز. فصاحب الخلق الحسن يسعى في تحصيل ذلك. وقال إسحاق: "هو بسط الوجه، وأن لا يغضب، ونحو ذلك"، بما تقدم بعضه في كلام المتقدمين. وقال بعض أهل العلم في تعريف حسن الخلق: "هو كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر، إلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزلات إلا تأديبًا وإقامة الحد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد، إلا تغييرًا لمنكر، وأخذًا بمظلمة لمظلوم، من غير تعد". هذه أمور طيبة تبين حسن الخلق، أن صاحب الخلق الحسن يكظم غيظه. وقد جاء في كظم الغيظ أحاديث فيها الجنان، فيها تبشير بالجنة لمن كظم غيظه، ويخيره الله عز وجل من الحور العين ما شاء لمن يكظم الغيظ. وقد قال الله عز وجل في وصف المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. هذا قل أن تجده عند الناس إلا من رحم الله، أنه ما ينفعل ولا يغضب مباشرة من أدنى كلمة، بل يكظم غيظه ويتحمل، حتى يتصف بالتقوى، ويتصف بماذا؟ بحسن الخلق. وإظهار الطلاقة والبشر، إلا للمبتدع، إلا للمبتدع. وهذا دل عليه الأحاديث والآثار، أن المبتدع ليس له طلاقة وجهه إذا ظهرت بدعته وكان يدعو الناس إليها، فهذا يغلظ له ويحذر منه، إذا أبى الرجوع والتوبة إلى الله عز وجل. فإنما يظهر البشر لمن لم يكن بهذه الصفة. فالبدعة خطيرة على صاحبها، من ابتدع فقد شرع، يقول للناس: «هذه بدعة حسنة، معناها اعملوا بها، اعملوا بهذه»، ويدعو الناس إليها. هذا لا يظهر له، لا يظهر له البشر. وقد كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يتعاملون مع المبتدعة بالزجر، يزجرونهم ويحذرون منهم إذا ما رجعوا وتابوا إلى الله عز وجل. عمر رضي الله تعالى عنه ضرب صبيغًا ونفاه، ضرب صبيغًا لأنه كان يأتي بالمتشابه للناس، فضربه على أم رأسه حتى قال: «يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلي فأحسن قتلي، وإن كنت تريد الذي في رأسي الذهب فقد ذهب». فنفاه إلى العراق، وأمر الناس بأن لا يكلموه، ما يكلمون هذا حتى يرى كيف هو، أتاب توبة صادقة ورجع رجوعًا صادقًا أم لا. وبعد سنة جاء الخبر أن الرجل حسنت حاله وتاب توبة صادقة، فأمر الناس بكلامه. هذا من التعامل مع أهل الأهواء، أهل الأهواء الذين قد بين لهم ووضح لهم ما يكون إلا هذا، كما فعل السلف. عمر بن عبيد كان جالسًا، تركه الناس، فمر به، فمر به فيما أظن حماد بن زيد أو غيره، فقال له: «ما لي أرى الناس قد هجروا؟» قال: «نهى الناس عني ابن عون، فانتهوا». ابن عون رحمه الله كان من أهل السنة، وكان يحذر من عمر بن عبيد، يقول للناس: «لا تجالسوه، ولا تكلموه»، لأن عمر بن عبيد معتزلي، وغال في بدعته. فلما أخذ الناس بكلام ابن عون، تركوا عمر بن عبيد، تركوا عمر بن عبيد. فالناس يأخذون بكلام أهل العلم، بكلام العلماء الكبار: «هذا رجل يهجر، هذا رجل مبتدع، هذا لا يكلم، هذا لا يجالس». وهكذا. ثم قال: "والفاجر كذلك". الفاجر الذي يظهر الفجور، ويظهر الفسق من شرب خمر أو زنا أو نحو تلك من المعاصي، فإنه كذلك لا يظهر البشر له، لا يظهر البشر له، بل يناصح ويستمر معه في النصح حتى يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. لأن في كلامه ويظهر البشاشة له تعييدًا لمنكره، تعييدًا لمنكره، سواء كان صاحب بدعة أو صاحب فسوق ومعاصي، هذا يكون تعييدًا له، تجالسه ونحو ذلك، لكن لا تظهر له شيئًا من ذلك حتى يعلم أنك ما غضبت عليه إلا لله، وما هجرته إلا لله عز وجل، فيرتدع وينزجر ويرجع، إن أراد الله سبحانه وتعالى له الرجوع، فإنه سيرجع إلى الحق ويتوب مما فيه أو مما عليه من المنكر. قال: "والعفو عن الزلات إلا تأديبًا". يعني من أخطأ وزل يعفى عنه، إلا إن كان هناك تأديب. فابنك مثلًا إذا أخطأ فلا بأس أن تؤدبه، تؤدبه لأجل أن لا يقع في الخطأ مرة أخرى. فالأصل أنك تعفو عن هذا الذي أخطأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فإذا لم يتعمد ذلك فإنك تعفو عنه، إلا إذا كان هناك تأديب، أو كان هناك إقامة حد، فإنه ليس فيه عفو. هذا إقامة الحد، أوجب الله عز وجل على هذا الحد يقام عليه ذلك، يقام عليه ذلك الحد الذي أوجبه الله عز وجل، لأجل أن لا تكون الأمور فوضى، ويستفحل الشر في المجتمع. الحدود تقام لأجل تقليص المنكر. فإذا كان هناك قطع ليد السارق، وكان هناك رجم للزاني المحصن، وكان هناك تعزيرات من سجن وضرب ونحو ذلك، فإن المنكر يقل، والفساد يقل، لأن كل يعلم أنه إذا فعل ما يوجب عليه الحد والقصاص فإنه سيرتدع. حتى القاتل ما سيهم بالقتل لأنه وجد أو يفكر أن هناك سيقام عليه حد القصاص. لكن إن كان من هؤلاء الأغنياء والأغنياء الذين يجدون مخرجًا، ما سيبالي، سيقتل عشرات من الناس، سيقول: «أنا لوجاها ولي مكانها، وعندي أموال سأفتدي بها». لكن لو كانت هناك حدود تقام، فإن هذا لن يفعل هذا، بالضعفة استبيح أموالهم ويظلمهم، وانتك أعراضهم، وهكذا ربما قتل بعض الناس، هذا يعني الإنسان الذي عنده هذه الأموال أو عنده الرئاسة أو الوجاهة. لكن إذا علم أن هناك حدودًا تطبق على الأغنياء وعلى الجميع، فإنه سينزجر، وكذلك ستكون هناك المعاصي قليلة. قال: "وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد، إلا تغيير منكر". كف الأذى عن كل مسلم، لا تؤذي إخوانك المسلمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف رحله». إلا ما كان من تغيير منكر. فتغيير المنكر واجب، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». كل مسلم يقوم بهذا الواجب، هذا الواجب على كل مسلم، وكل بحسبه. فالإنسان ينظر في هذا الأمر، ويكون حكيما في تغييره لذلك المنكر، بحيث لا يؤدي إلى ما هو أنكر منه، وما هو أعظم منه، بل يحاول بقدر المستطاع تقليل وتقليص هذا المنكر وإزالته وإخفائه، بالحكمة وبالرفق وباللين. فإن كان كذلك، وإلا إن كان له قوة وسلطة أزاله، إن كان من أولي الأمر، أو يعرف من هو ممن أولي الأمر ممن يقوم بإزالته، يسعى لهذا. فنحن مطالبون جميعًا لأننا كما وصف الله عز وجل هذه الأمة، أمة محمد، بأنها خير أمة أخرجت للناس، بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر. فهذا يتعاون عليه الجميع. وربما الشخص في بيته يستطيع، الشخص في بيته يستطيع إزالة المنكرات التي توجد داخل البيت من تلفاز أو من أغاني أو نحو ذلك مما لا يرضي الله عز وجل. قال: "وأخذ بمظلمة لمظلوم من غير تعد". أيضًا من حسن الخلق أنك تعين المظلوم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». تنصره إذا كان مظلمًا، وأن تقدر على نصرته، ما تبخل عليه، ولا تجلس تتفرج. في حال بعض الناس ربما يشاهد ذلك، أن هذا الإنسان ظلم، وهو قادر على نصرته، إما باللسان، وإما باليد، وإعانته بذلك، لكن يسكت ويقول: «من أصحاب ما سيبه، هذا ما يمشي، هذا ما هو صحيح». لا تكون من هؤلاء. فإن رجلًا عذب في قبره، عذب في قبره، كما في حديث ابن مسعود، رواه الطبراني، أو حديث معاوية، ماذا قال؟ أمر أن يضرب في قبره مئة ضربة، أو مئة جلدة، جلد في قبره مئة جلدة، فسأل الله التخفيف فخفف عنه حتى صارت جلدة واحدة، فضرب، فاشتعل قبره نارًا، ثم سأل: لماذا؟ قالوا له: «إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره». عذب في قبره بضربة واحدة، اشتعل قبره نارًا، لأنه ما كان ينصر المظلومين، يمر على هذا المظلوم وقد رأاه أو سمعه، ما قام معه. فلهذا هذا ليس من حسن الخلق. من حسن الخلق أنك تعين صاحب الحق، تقوم معه، تنصره بيدك، تنصره بلسانك، إن أعطاك الله عز وجل قوة بدنية، أو أعطاك لسانًا وحجة، تقوم معه. فصاحب الحق ينصر، والظالم ننصره بردعه وزجره وعدم الوقوف معه. هكذا ينبغي أن نتناصر، ونتناصر على ماذا؟ على الحق. وأهل السنة يعين بعضهم بعضًا، فإذا رأوا أهل الحق أعانوهم، يتعاونون على الحق وعلى نصرة الحق، ولا يسكتون، وإنما يتعاونون، كل بحسبه: هذا ببدنه، وهذا بماله، وهذا بكلمته ونصيحته وموعظته. وهكذا ينتشر الخير في المجتمع. قال: "وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقًا". هكذا قال مجاهد وغيره، وهو تأويل القرآن، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان خلقه القرآن». خلق النبي عليه الصلاة والسلام القرآن، يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه. قال: "وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر". هذا صاحب الخلق الحسن، أنه تكون طيب نفسه، منشرح صدره لأوامر الله عز وجل. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. نكتفي بهذا القدر. إلهنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.