الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المحاضر خلاف العلماء في أفضل القربات بعد الفرائض، حيث يرجح الجمهور الذكر لسهولته وعموم نفعه، بينما يرى الأئمة الأربعة أن طلب العلم النافع أفضل لتصحيح العبادات. يستدل المحاضر بأحاديث تبرز فضل الذكر كحياة للقلب وحصن من الشيطان.
يؤكد المقطع على ملازمة الأذكار النبوية في أوقاتها المحددة كالأذكار الصباحية والمسائية وأدبار الصلوات، مستدلاً بأحاديث صحيحة تبين فضائلها في حفظ العبد من الشيطان. يحض المحاضر على حفظها وترديدها بيقين وحضور قلب لنيل الأجر والحفظ.
يستعرض المقطع آداب التسمية والتحميد عند الأكل والشرب، ودعاء لبس الجديد، ودعاء الجماع، وأذكار دخول المنزل والخروج منه ودخول المسجد والخروج منه، بالإضافة إلى دعاء المطر والرعد. يؤكد المحاضر أهمية ذكر الله في جميع هذه الحالات لطرد الشيطان ونيل البركة والرضا الإلهي.
يشير المقطع إلى كثرة كتب الأذكار ويوصي بـ «رياض الصالحين» كأقرب مثال جامع للأذكار في كل وقت وحال. يختم المحاضر بالدعاء بالتوفيق لما يحب الله ويرضى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد. لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة. وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: «سبق المفردون»، قالوا: يا رسول الله، ومن المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات». وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ذكر الله». هذه المسألة - وهي: ما هي أفضل الأعمال بعد الفرائض - جاء في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين: «وما تقرب إلي عبدي أحب إلي بشيء مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». نوافل العبادات كثيرة، فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن ذلك يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه، فمنهم من يقدر على مثل العلم النافع، ومنهم من يقدر على التعليم ويصبر عليه، ومنهم من يقدر مثلًا على الصلوات، يصلي دائمًا، يركع دائمًا، يتنفل، ومنهم من يقدر على الصيام، ومنهم من يقدر على الصدقة، ومنهم من يقدر مثلًا على العمرة كل سنة، وهكذا. يقول: هذا يختلف باختلاف الناس، ولكن يقول: صار شيء كالإجماع أن أفضل شيء بعد الفرائض هو ذكر الله؛ لأنه يستطيعه كل أحد، فأنا وأنت نستطيع أن نذكر الله عز وجل على كل الأوقات، لكن تأتي بعد ذلك الغفلة والنسيان، وإلا فإن ذكر الله عز وجل على العبد سهل لمن وفق إليه. فالرجل الكبير يستطيع أن يذكر الله عز وجل وهو جالس في مكانه، فقد تتعبه مثلًا الصلاة من حيث القيام، وطول القراءة، والركوع، والسجود، ونحو ذلك، لكن ذكر الله - أن يسبح الله، أن يحمد الله، أن يهلل، يكبر، وغير ذلك من الأذكار على اللسان - هذه خفيفة وسهلة، فصار هذا شيء كالإجماع. ومن العلماء من يرى أن العلم النافع هو أفضل شيء بعد الفرائض، قال الشافعي رحمه الله: «ليس شيء بعد الفرائض أفضل من العلم، ليس شيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم». وهكذا قال سفيان الثوري وأبو حنيفة. وأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فله ثلاث روايات في أفضل شيء بعد الفرائض: ففي رواية عنه أنه قال: «طلب العلم أفضل شيء بعد الفرائض، طلب العلم». وفي رواية ثانية: «التطوع، التطوع». وفي رواية ثالثة: «الجهاد، الجهاد، الجهاد». فهذه ثلاث روايات عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وأما الإمام مالك فإنه يرى كذلك أن طلب العلم أفضل، أن طلب العلم أفضل. فقد أخرج ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» عن ابن وهب رحمه الله وهو من تلاميذ مالك، أنه حضر مجلسًا من مجالس الإمام مالك، فقام بعد الفريضة يصلي، وقد جلس الإمام مالك مجلسه، فقام يتنفل، فقال له الإمام مالك: «ما الذي قمت إليه بأفضل مما ستجلس له»، أو بهذا المعنى، يعني: أن العلم أفضل مما تتنفل، يعني من الرواتب ونحو ذلك. فأيضًا جاء عن حذيفة أنه قال: «فضل العلم خير من نفل العمل»، جاء عن حذيفة أنه قال: «فضل العلم خير من نفل العمل»، رواه ابن عدي في الحلية. وأيضًا جاء عن عائشة عند ابن سعد مرفوعًا، وجاء أيضًا عند الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص. وهذا هو الأفضل: طلب العلم، لا يعادله شيء من نوافل العبادات؛ لأن بالعلم النافع تصحح العبادة. وقد قال عطاء: «مجالس العلم مجالس الحلال والحرام: كيف تصلي، كيف تزكي، كيف تصوم، كيف تحج، كيف تنكح»، إلى آخره. فبعض العلماء أيضًا يقول - وقد أثر هذا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - أنه قال: «لئن أتعلم مسألة أحب إلي من سبعين غزوة»، يعني: يتعلم مسألة من مسائل العلم ويفهمها أحب إلي من سبعين غزوة. فهذا يدل على أن العلماء يرون أن أفضل شيء بعد الفرائض هو طلب العلم الشرعي النافع، فينبغي علينا أن نحرص على ذلك. قال رحمه الله: بعد ذكر الأدلة على أن ذلك يختلف باختلاف الناس، فأن الناس يقدرون على ذكر الله سبحانه وتعالى، فهذا أفضل شيء، فصار هذا شيء كالإجماع بين العلماء، ولما في ذكر الله عز وجل من الأحاديث الكثيرة التي رغب فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الرجل الذي كثرت عليه شرائع الإسلام، قال: «كثرت علي شرائع الإسلام، فأخبرني بشيء نتشبث به». هكذا يقول ذلك الرجل لنبينا عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن بسر عند أبي داود، قال له: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». يعني: أكثر من الذكر. ذكر حياة القلوب، ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. فمن لازم ذكر الله سبحانه وتعالى حي قلبه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت». الحي هو الذي يذكر الله دائمًا على كل أحيانه، يتنبه، يسبح، يحمد الله، يكثر من ذكر الله عز وجل، بدل من أن يكثر من القيل والقال، وأيضًا إضاعة الأوقات فيما لا فائدة فيه. فهذا قلبه حي، ما دام مستشعرًا دائمًا في قلبه ذكر الله، فإنه لن يستطيع عليه الشيطان، فإن الشيطان ينفر ويهرب من القلب الذي قد عمر بذكر الله عز وجل، ويكون في حصن حصين من الشيطان الرجيم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن العبد لا يستطيع أن يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». حديث الحارث الأشعري عند الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام: والدلائل القرآنية والإيمانية بصرًا وخبرًا، أي: من نظر ومن أخبر، خبرًا ونظرًا، على ذلك كثيرة. وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أفضل شيء: ملازمة الذكر النبوي، ما علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه ولأمته عامًا، كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره، يعني: أذكار الصباح والمساء، عليها العبد، فإنها حرز لهذا العبد في يومه وليلته من الشيطان ومن كل شر ذي شر. فإذا لازمنا أذكار الصباح والمساء حفظنا بإذن الله جل وعلا. أذكار الصباح والمساء منها مثلًا: حديث ابن مسعود عند الإمام مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم - أو قال: أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». وهكذا حديث أبي هريرة: «أصبحنا وأصبح الملك لله، اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور». وإذا كان في المساء قال: «اللهم بك أمسينا وبك...» إلى آخر الحديث، فيغير اللفظ من «أصبحنا» إلى «أمسينا»، ومن «أمسينا» إلى «أصبحنا». وحديث كثيرة، حديث شداد بن أوس: سيد الاستغفار، أن يقول العبد: «اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال عليه الصلاة والسلام: «من قاله في يومه فمات، دخل الجنة، أو قال: من قاله في يومه فمات أي بعد هذا، قال: من قاله في يومه مات على الفطرة». وهكذا من قاله في ليلته فمات بعده، مات على فطرة الإسلام. يدل على أهمية الأذكار في الصباح وفي المساء. وكثير منا يحفظ هذه الأذكار، ومن لم يستطع حفظها فعليه أن يحفظها، عليه أن يحفظها، يأخذ له كتابًا ويلازم، وبالتكرار إن شاء الله تعالى تحفظ. لا تفرط بها ولا تستهن بها. رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، لدغتني عقرب البارحة»، لأنه ما قرأ الأذكار، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إنك لو قلت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرك، لم يضرك». من قال هذه ثلاث مرات في الصباح والمساء لم يضره لا عقرب ولا حية. ينبغي أن يكون عندنا يقين بذلك، يكون عندنا يقين عندما يقرأ العبد الأذكار، يستحضر، يكون عنده يقين بما يقرأ وبما يقول، معتقدًا ذلك، معتقدًا نفع هذه الأذكار؛ لأنها عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وهذه أسباب، والحافظ الله سبحانه وتعالى. فنحن أمرنا بأن نذكر الله عز وجل ونقولها بالصباح والمساء، وأننا إذا قلنا أجرنا أو كذلك عصمنا من الشيطان، أو من الحيات، أو من العقارب، أو نحو ذلك، فهكذا ينبغي أن يكون اعتقاد العبد في الله سبحانه وتعالى وفيما أمره به. وهكذا قال رحمه الله تعالى: وعند أخذ المضجع، عند أخذ المضجع، مثل حديث البراء بن عازب المتفق عليه، عندما يأتي الإنسان إلى فراشه، ماذا يقول؟ أسلمت... أكمل حديث البراء بن عازب... تحفظوا حديث البراء بن عازب: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». حديث عظيم، الذي يقوله مع الوضوء، يتوضأ قبل النوم ويقول هذا الحديث، لم يضره شيء إذا نام، لم يضره شيء أبدًا. وينفض إزاره أو ينفض فراشه قبل أن ينام، لعله يكون هناك شيء فيه. وهكذا أيضًا حديث عند الإمام البخاري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا أخذ مضجعه قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا، باسمك اللهم أموت وأحيا». وإذا قام قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور، وإليه النشور». هذا عند الاستيقاظ. وهذا أيضًا حديث... حديث... حديث عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال: وعند الاستيقاظ من المنام، كحديث... حديث هذا: «باسمك اللهم أموت وأحيا» عندما ينام، ثم إذا استيقظ يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور». وأيضًا حديث النوم كثيرة، حديث أبي هريرة الذي فيه: «إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». وحديث حذيفة عند الترمذي: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك». أكد الإنسان يذكر الله، يحيي قلبه بذكر الله عز وجل، ولا يكن من الغافلين. ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾. قال: وأدبار الصلوات، أدبار الصلوات، أحاديث كثيرة. من أحاديث ثوبان عند الإمام مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا سلم: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله» ثلاثًا، «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وكذلك حديث الزبير عند الإمام... عند الإمام مسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». وحديث المغيرة بن شعبة متفق عليه كذلك، دبر كل صلاة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». فانظروا إلى استشعار هذه: عندما يسبح الإنسان، يسبح المسلم أدبار الصلوات، ينبغي عليه أن يتلذذ بهذا التسبيح، التسبيح أو بالتهليل أو بالتحميد، ويذكر الله عز وجل بتأنٍ وتروٍ؛ لأن المسألة ليست فيها خلص نفسك، وإنما فيها ذكر الله الذي تحيى به القلوب. قال: والأذكار المقيدة، هذه أذكار مقيدة، مثل ما يقال عند الأكل، ماذا يقال عند الأكل؟ عند هذا الغداء، عندكم يا صغير، إذا أردت أن تأكل ماذا تقول؟ ها، تقول: بسم الله، أحسن. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: قال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ينبغي أن نذكر الله عند الطعام، نسمي الله عز وجل. جاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي، فماذا يقول؟ إن نسي، ها: بسم الله أوله وآخره». إذا نسي أن يقول ذلك، يعني بعدما أكل، ربما يكون مستعجلًا، فإذا نسي فإنه بعد ذلك يذكر الله عز وجل: «بسم الله أوله وآخره»، وهو حديث صحيح عند الترمذي. فانظروا كيف نبهنا النبي عليه الصلاة والسلام حتى إذا نسينا وقد أكلنا، لأن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه، كما في حديث جابر عند مسلم: جاء أعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم يأكل، وجلس مباشرة وأكل، قبل أن يأكل... أخذ النبي صلى الله عليه وسلم... جاءت الجارية صغيرة أرادت تأكل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدها، قال: «إن الشيطان جاء بهذين، يريد أن يستحل بهما... الطعام، لأنهما لم يرسما الله عز وجل، يريد أن يستحل، يريد أن يأكل معهما». فإذا لم يذكر الإنسان الله عز وجل، أي لم يقل: بسم الله عند أول الطعام، فإن الشيطان يأكل معه. وأيضًا جاء عن عائشة أن رجلًا... أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل في نفر من أصحابه، ستة أو سبعة، يأكلون طعامًا، جاء أعرابي وأكله في لقمتين، أكله في لقمتين، يعني: الطعام الموجود أكله في لقمتين، قال النبي صلى الله عليه وسلم متعجبًا من هذا: «أما إنه لو سمى لكفاكم». لو سمى لكفاكم. بعض من ظنون ما كفانا، ربما واحد في الجماعة ما سمى، انتبهوا، قد تكونوا مجموعة خمسة أو سبعة، تظلون الطعام اليوم، كملهم بسرعة، خلص، إيش طيب، هذا ربما يكون واحد ما سمى، قال: «أما إنه لو سمى لكفاكم». فالتسمية مهمة في أول الطعام، وهي من ذكر الله عز وجل، فأحاديث التسمية كثيرة. وإذا فرغ الإنسان الطعام يذكر اسم الله عز وجل: «إن الله عز وجل يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها»، رواه مسلم. في حديث ثاني: «يرضى عن العبد فيه رضى الله عز وجل». ماذا يقول إذا فرغ من طعام؟ حديث كثيرة، منها أن يقول: «الحمد لله» اختصارًا، «الحمد لله»، أن يحمد الله عز وجل. ومنها أن يقول: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكافأ ولا مودع ولا مستغن عنه ربنا»، وهذا في البخاري. وهكذا: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافٍ له ولا مؤوٍ». هذا نعمة من الله عز وجل يسرها لك وسخرها لك، وأعانك على أكلها بحوله وقوته. فإذا كنت مريضًا لا تستطيع أن تأكل ولا تستسيغ الطعام، فانظر إلى شكر هذه النعمة بالأذكار، فهذه من أفضل الأشياء التي يعطاها العبد، فينبغي علينا أن نحافظ جميعًا على مثل هذه الأذكار المشروعة. قال: والشرب كذلك مثل الأكل. واللباس أيضًا، إذا لبس ثوبًا جديدًا، وقد جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لبس ثوبًا أو عمامة أو شيئًا جديدًا قال: «الحمد لله، اللهم أنت كسوتني، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». حسّنه الألباني رحمه الله. هكذا تدعو الله عز وجل حتى في الشيء الجديد الذي تلبسه، مثل العمامة أو الرداء أو الإزار أو القميص: «أسألك من خيره»، أولًا تحمد الله أنه يسره لك، وهو الذي كساه، ﴿كلهم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم﴾. ومعد ذلك تذكر الله سبحانه وتعالى وتحمده وتسأله من خير هذا الشيء الذي أعطيت. قال: والجماع كذلك، عند الجماع تذكر الله عز وجل، في حديث ابن عباس أيضًا المتفق عليه: «إذا أتى أحدكم أهله، ماذا يقول؟ اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا». قال: «من قال ذلك، وقدر في تلك الليلة ولد، فإنه لن يمسه شيطان». قال: «لن يضره شيطان»، ما سيضره إذا حافظنا على هذا الدعاء عند الجماع. قال: ودخول المنزل كذلك، عندما يدخل الإنسان منزله، جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المنزل قال: «بسم الله». إذا قلت: بسم الله، قال الشيطان: «لا مبيت». عند الدخول إذا قلت: بسم الله، لا مبيت. وإذا قلت عند الطعام: بسم الله، قال: «لا مبيت ولا عشاء». وإذا لم تقل ذلك عند الدخول، قال: «أدركتم المبيت»، يقول الشيطان لأصحابه: «أدركتم المبيت». وإذا لم تقل ذلك عند الطعام، قال: «أدركتم المبيت والعشاء». حديث جابر في مسلم. قال: والمسجد أيضًا، إذا دخلت المسجد كن ذاكرًا لله عز وجل، أذكر الله سبحانه وتعالى عندما تدخل المسجد: «بسم الله، اللهم صل على محمد، صل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، اللهم افتح لي أبواب رحمتك». حديث صحيح رواه الإمام مسلم رحمه الله. «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، كما أنت الآن داخل إلى الصلاة، فإن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح لك أبواب رحمته. والخروج: «اللهم أعصمني من الشيطان»، أيضًا تسأل الله من فضله: «اللهم إني أسألك من فضلك، اللهم أعصمني من الشيطان» إذا خرجت من المسجد. قال: وعند المطر كذلك: «اللهم صيبًا نافعًا». هذه أيضًا من الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بها، ونحن ننسى، إذا مطَرَق قال: «يا حول»، هكذا غلط، يا حول، وإنما تقول: «اللهم صيبًا نافعًا»، كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو، وكان ربما كشف شيئًا من جسده، يقول: «إنه حديث عهد بربه». قال: والرعد، أي: «سبحان من سبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته». وهذا موقوف، وهذا موقوف، لم يرفع صحيحًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول ابن الزبير. حديث الرعد: إذا سمع صوت الرعد: «سبحان من سبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته». قال: إلى غير ذلك، وقد صنفت له الكتب المسماة بـ «عمل اليوم والليلة»، كمثل ما صنف الإمام النسائي رحمه الله تعالى وغيره من العلماء. كتب الأذكار كثيرة، وترجع أقرب مثال إلى «رياض الصالحين»، فإنه ذكر هذه الأذكار في كل ما لا... في كل وقت، في كل حال. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. الحمد لله رب العالمين.