الدرس في شرح كتاب الصلاة 45، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام الجنائز وضرورة استعداد المسلم للموت بالعمل الصالح والتوبة، وأهمية عيادة المريض وتذكيره بالتوبة والوصية. كما يشير إلى الأجر العظيم الذي يحصل عليه من يعاود المريض ويذكره بالله.
يشرح هذا الفصل أحكام تلقين المحتضر الشهادة وتوجيهه للقبلة، وسنن تغميض عينيه والإسراع بتجهيزه ودفنه. كما يبين أهمية استغلال مرض الإنسان في نصحه وتذكيره بالله.
يتناول هذا الفصل تفاصيل غسل الميت وتكفينه كفرض كفاية، وضوابط اختيار المغسل وتقديم الوصي والأقرباء. كما يوضح حكم غسل الميت وكيفيته كما ورد في الأحاديث النبوية.
يشرح هذا الفصل ضوابط تغسيل الميت، مثل ضرورة أن يكون في مكان مستور وعدم حضور من لا علاقة له بالتغسيل إلا لمن له حاجة مع المغسل. كما يشدد على أهمية حضور من يعين المغسل في مهمته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقهه الله-: الباب الخامس عشر في صلاة الجنازة وأحكام الجنائز، وفيه مسائل. قال: الجنائز جمع جنازة، بفتح الجيم وكسرها، جنازة وجنازة بمعنى واحد. وقيل: بالفتح اسم للميت، جنازة تطلق على الميت، يقال: جنازة فلان. وجنازة بالكسر لما يحمل عليه، يعني النعش الذي يحمل عليه الميت، يقال له جنازة بالكسر. وهذا التفريق أولى؛ لأن الأصل في لغة العرب أنه إذا اختلف المبنى اختلف المعنى، فيكون بالفتح بمعنى الميت، أو بالكسر بمعنى النعش الذي يحمل عليه الميت. قال: وينبغي للإنسان أن يتذكر الموت ونهايته في هذه الدنيا، فيستعد لذلك بالعمل الصالح والتزود للآخرة والتوبة من المعاصي والخروج من المظالم. ينبغي للإنسان أن يتذكر الموت، يعني دائما يذكر نفسه بالموت. ورغب النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قول عليه الصلاة والسلام: «أكثروا ذكر هادم اللذات الموت». أكثروا من ذكره؛ لأن الإكثار من ذكر الموت يجعل الإنسان متعلقا بالآخرة، ومسارعا في فعل الطاعات، وممتثلا عن فعل المحرمات؛ لأنه يعلم أنه سيموت وسينتقل من الدنيا، فيقل تعلقه بالدنيا والتفاته إليها والانكباب عليها، بخلاف ما لو تغافل عن ذلك وتركه، فتصيبه الغفلة والركون إلى الدنيا والتعلق بها. وهكذا أيضا يستعد بالعمل الصالح، يحرص على المحافظة على الواجبات وعلى ترك المحرمات، ويستعين بنوافل الطاعات بعد الفرائض لتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، ويحرص على أن يكون عنده عمل صالح، حتى إذا جاءه الموت يختم الله عز وجل له بعمل صالح. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله». قالوا: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفق لعمل صالح ثم يقبضه عليه». يوفق لعمل صالح يعمله، يستمر عليه حتى يختم له به. وهكذا أيضا التوبة من المعاصي، يستعد دائما المسلم بأن يكون على استعداد للموت بالتوبة؛ لأن المسلم مهما كمل إيمانه، كمل تقواه، لا بد أن يقع في شيء من الذنوب والخطأ؛ لأنه بشر. لكن يكون ملازما للتوبة، ملازما للتوبة كلما أذنب تاب ورجع إلى الله، حتى يغفر الله سبحانه وتعالى له، كما قال الله عز وجل في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. هكذا أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأنه بذا وقعوا في شيء من الذنوب والفواحش، سرعان ما يتوبون ويرجعون إلى الله، ولا يصرون على فعلها. وهكذا الخروج من المظالم، يعني حقوق الناس في الأموال أو في الدماء أو في غيرها، فإنه يبرئ نفسه منها؛ لأنه قد يأتيه الموت فيكون محملا بحقوق الناس، فيكون ذلك سببا في وقوعه في المهالك. قالوا: تسن عيادة المريض وتذكيره بالتوبة والوصية. تسن عيادة المريض، يعني إلى مرض الإنسان وجلس في بيته، فيسن أن يعاد ويزار، كما في حديث البراء في الصحيحين: «أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، وذكر منها أن نعوده إذا مرض». وفي حديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم خمس، وذكر منها أن يعاد إذا مرض». فهذا حق للمسلم أن يعاد ويزار إذا مرض، يسأل عن حاله، ويدعى له بالشفاء، مع ما رتب على ذلك من الأجر والثواب العظيم من حصول الثواب في عيادة المسلم لأخيه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان: «من زار مريضا غدوة أو عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي أو يصبح». أجر عظيم يتحصل عليه المسلم في زيارة أخيه وعيادته إذا مرض. ثم أيضا المريض يستبشر بزيارة إخوانه له؛ لأنه يجد وحشة في فراشه وفي بيته، فلما يأتي من يأتي إليه ويزوره، وهذا يدعو له بالشفاء، وهذا يعني يأتي له بالكلمات الطيبة، يخفف عنه شيئا مما أصابه من المرض، فيكون فيها نفع. وهذا ينصحه، وهذا كذلك يحثه على التوبة والرجوع إلى الله. ولهذا قال: ويستحب عيادة المريض وتذكيره بالتوبة والوصية. تذكيره بالتوبة، وخاصة إذا كان المريض عنده غفلة عن طاعة الله، وبعد عن طاعة الله، فهذه فرصة تستغل في دعوته إلى الله وتذكيره بالله؛ لأن المرض ربما يستمر بالإنسان حتى يموت. والإنسان إذا مرض يكون عنده نوع من الانكسار والذل، فيستغل ذلك في نصحه وتذكيره بالله والرجوع إلى الله والتوبة من الذنوب والمعاصي، لعل الله عز وجل أن يهديه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما مرض أبو طالب أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعوه، يدعو عمه إلى الإسلام. ولما احتضر قال: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». لكن ما كتب الله عز وجل له الهداية، وعنده أبو جهل ورجل آخر من المشركين، وهما يقولان له: «اثبت على ملة عبد المطلب» حتى مات على الكفر. وزار عليه الصلاة والسلام جارا له من يهود، غلام، وقف عند رأسه، قال له: «قل لا إله إلا الله». فنظر إلى أبيه، فقال: «أطيع القاسم». فقال: «لا إله إلا الله». ومات، فقال عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي أنقذه به من النار». هذا مع أنه كافر ويهودي، ومع ذلك زاره عليه الصلاة والسلام حتى يدعو إلى الله، فكيف بالمسلم إذا مرض أو صار طريح الفراش أو نحو شيء من ذلك، وهو يعني عنده قصور وعنده ذنوب ومعاصي؟ فهذه فرصة تستغل في الدعوة إلى الله جل وعلا، فيدعى أمثال هؤلاء ويذكرون بالله، لعل الله أن يهديهم، أن يختم لهم بالخير، وتكون سببا في هدايته. قال: والوصية تذكره بالوصية، إذا كان له حقوق للناس، حقوق عنده من أموال ونحوها، أن يوصي حتى لا تذهب هذه الحقوق ولا تعرف أو تضيع، تضيع هذه الحقوق عن أصحابها. والوصية واجبة في مثل هذه الحال إذا كان هناك حقوق وأموال لا يعلم بها أحد، وليس هناك ما يوثقها، فيجب على من عليه حقوق للناس أن يوصي. وأما إن لم يكن للناس حقوق عليه، فيستحب له أن يوصي. قال: فإذا احتضر، يسن تلقينه لا إله إلا الله وتوجيهه للقبلة. فإذا مات، سنة تغميضه والإسراع بتجهيزه ودفنه. إذا احتضر، يسن تلقينه لا إله إلا الله، يعني إذا نزل به الموت وكان بسكرات الموت، يسن تلقينه أن يقول له من عنده: «قل لا إله إلا الله». قل لا إله إلا الله، يلقن الشهادة، كما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» حتى تكون آخر كلامه من الدنيا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». فإذا يسن تلقين المحتضر الشهادة لا إله إلا الله. قال: وتوجيهه للقبلة، يعني عند الاحتضار أو عند الموت يوجه إلى جهة القبلة. وهكذا يفعل به ذلك، استدل العلماء بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «البيت الحرام قبلتكم أحياء وأموات». «البيت الحرام قبلتكم أحياء وأموات». والحديث رواه أبو داود وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وفي مرسل جيد عند البيهقي في قصة البراء بن معرور رضي الله عنه: «أنه أول من استقبل القبلة حيا وميتا». أول من استقبل القبلة حيا وميتا. قال: فإذا مات، سن تغميضه، أي تغميض عينيه. تغمض عينيه إذا مات؛ لأن شكله ربما يتغير إذا شخصت بصره، إذا شخص بصره فيتغير منظره، فيسن أن تغمض عينيه. وهكذا أيضا الإسراع بتجهيزه ودفنه، أيضا ربما إذا مات يكون فمه مفتوح، فيغلق يغلق فكيه، أو يربط بالرباط حتى كذلك أيضا لا يكون منظره سيئا، فيربط إذا كان فمه مفتوحا عند الموت، فيقفل يربط برباط أو نحو ذلك حتى لا يكون كما سمعنا منظره غير حسن. ويسن الإسراع بتجهيزه ودفنه، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أسرعوا بالجنازة». وهذا عام يشمل الإسراع في تغسيله وفي تكفينه وفي الصلاة عليه وفي دفنه، فيكون على عموم معنى الإسراع. المسألة الأولى: حكم غسل الميت وكيفيته. قال: أولا حكمه، غسل الميت واجب لأمره صلى الله عليه وسلم به، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسدر». والحديث في الصحيحين. وقوله صلى الله عليه وسلم في ابنته زينب رضي الله عنها: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا». والحديث في الصحيحين. وهو فرض كفاية إجماعا، غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، كله فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين؛ لأن المقصود هو حصول هذه الأفعال، بغض النظر عن فاعليها، المقصود أن يحصل الغسل والتكفين والصلاة والدفن، فإذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم على الآخرين، وإن تركه الجميع أثموا جميعا. فغسله فرض كفاية، واجب على الكفاية لأمره عليه الصلاة والسلام بذلك في حديث ابن عباس قال: «اغسلوه بماء وسدر». الرجل الذي وقصته ناقته فمات وهو محرم، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يغسل. وهكذا أيضا أمر عليه الصلاة والسلام بغسل ابنته زينب، قال: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا». والواجب كما سيأتي معنا غسل واحدة، وما زاد فهو مستحب. غسل واحدة واجبة إذا كانت تكفي. وأما إن كانت لا تكفي فيزيد، فيزيد حتى يحصل الكفاية، فما زاد على ذلك فهو مستحب. وإن كانت الغسل الواحدة كافية، فيستحب أن يغسل الميت ثلاثا، يستحب أن يغسل الميت ثلاثا. قال: كيفية الغسل، ينبغي أن يختار لتغسيل الميت من هو ثقة عدل عارف بأحكام الغسل. يختار لتغسيل الميت من هو ثقة عدل، ثقة لأنه ربما يرى أشياء في الميت فيحتاج أن يسترها إذا كان يحتاج إلى ستر. نعم، أو ربما يعني يذكر أشياء غير صحيحة إذا لم يكن ثقة، قد يذكر عن الميت أشياء وهي غير صحيحة من باب تشويه سمعة الميت مثلا، فلذلك لا بد أن يختار الثقة الذي يثق به باستقامته ودينه وأمانته. وكذا يكون عدل ليس بفاسق، عارف بأحكام الغسل، يعرف كيف يغسل الميت. قال: ويقدم في التغسيل الوصي ثم الأقرب فالأقرب، كالأب والجد والابن إذا كانوا عارفين بأحكام الغسل. الوصي يعني إذا أوصى الميت أن يغسله فلان من الناس، فهو المقدم، يقدم على أبيه وعلى أخيه وعلى ابنه. فإن لم يكن له وصي، فالأقرب من أقربائه كالأب والجد والابن وابن الابن، وكذا على حسب الأقرب فالأقرب. قال: إذا كانوا عارفين بأحكام الغسل، إذا كانوا يعرفون يغسلون، فهم مقدمون. وإلا قدم غيرهم ممن هو عالم بذلك، إذا كان ما عندهم خبرة ولا معرفة، فيقدم الذي يعرف وإن لم يكن له قرابة بالميت. قال: والرجل يغسله الرجال، والمرأة تغسلها النساء. هذا هو الأصل، الرجل يغسل الرجال، والمرأة تغسلها النساء، إلا لضرورة. ما هي الضرورة؟ لو أن امرأة ماتت وليس هناك أحد من النساء، وعندها الرجال، حصل مثلا في حرب أو في حادث أو شيء من ذلك مثلا، وليس هناك أحد من النساء، فهنا يغسلها الرجال، لكن من غير مس، يصب الماء عليها صبا فقط، وتكفن ويصلى عليها. وبعض العلماء قال: تيمم في مثل هذه الحال إذا لم يوجد أحد من النساء، فتيمم. وكذا يقال إذا مات الرجل عند النساء، فإن إما يصب عليه الماء، أو ييمم، ويكتفى بذلك. قال: والمرأة تغسلها النساء، ولكل واحد من الزوجين تغسيل الآخر. فالرجل يغسل زوجته، والمرأة تغسل زوجها، وسيأتي معنا ذكر الدليل في ذلك في المسألة بعدها. قال: ولكل من الرجال والنساء تغسيل الأطفال دون سن السابعة. يعني تغسل المرأة الصبي دون سن السابعة، والرجل يغسل الفتاة دون سن السابعة. قالوا: لأن الصبي إذا بلغ السن السابع أو الفتاة إذا بلغت السن السابع، فإنها تكون مشتهاة، فإذا يمنع تغسيل الرجل لها، بخلاف ما لو كانت دون السن السابع. على أن الأصل كما سمعنا تغسيل الرجال للرجال والنساء للنساء، ولا يجوز للمسلم رجلا كان أو امرأة تغسيل الكافر، ولا حمل جنازته، ولا تكفينه، ولا الصلاة عليه، ولو كان يقرّبا كالأب والأم؛ لأن الله عز وجل نهى عن ذلك: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. فالنهي عن الصلاة عليه يشمل كذلك تغسيله وتكفينه وتجهيزه. فإذا كان الصلاة التي هي أعظم، نهى المسلم أن يصلي على الكافر، فكذلك أيضا ما هو دونها من تغسيله وتكفينه، كذلك ينهى عنه، ولو كان قريبا له، لو كان أبوه أو أمه، فإنه لا يغسله ولا يكفنه بسبب كفره. قال: اشترط أن يكون الماء الذي يغسل به الميت طهورا مباحا. طهورا يعني ليس بنجس، ومباحا ليس بمحرم، يعني كالماء المغصوب أو نحوها من المياه التي قد تكون غير مباحة. قال: وأن يغسل في مكان مستور، يعني مكان مغلق لا ينظر فيه أحد من الناس. قال: ولا ينبغي حضور من لا علاقة له بتغسيل الميت، يعني من باب الفضول، ما يحضر أحد متفضلا. إنما يحضر من كان له حاجة مع المغسل، يريد من يعينه في تقليب الميت وفي تنقيله عند التغسيل، فهو لا يبقى معه. أما من لا حاجة له، فإنهم لا يبقون عند المغسل.