التعليق على شرح علل الترمذي 40

التعليق على شرح علل الترمذي 40

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقوال أهل العلم في حجية المراسيل وترجيح مراسيل المتحرين

نقل ابن رجب الخلاف في حجية المراسيل مستعرضاً أسماء القائلين بعدم الاحتجاج بها. كما بيّن تفريق الترمذي ويحيى بن سعيد القطان بين مراسيل المتحرين كمالك وسعيد بن المسيب ومراسيل من يروي عن الضعفاء مع ترجيح الأولى.

مراتب المرسلات عند يحيى بن سعيد القطان ومعايير الترجيح

فصّل النص معايير يحيى بن سعيد القطان في ترجيح بعض المرسلات على بعض بناءً على وثاقة شيوخ الراوي وجودة حفظه. وضرب الأمثلة على ذلك بترجيح مرسل مجاهد على مرسلات الزهري وقتادة وتفضيل مرسلات معاوية بن قرة.

احتياطات الحفاظ في الرواية وقاعدة إخفاء اسم الراوي

سرد المقطع قصصاً عن أئمة الحديث كسفيان الثوري ويحيى بن معين توضح شدة تحريهم في السماع وخوفهم من الوهم. وأورد قاعدة مصطلحية تفيد بأن إخفاء الحافظ لاسم الراوي الثقة يدل على ضعفه مستشهداً بأقوال الزهري والشافعي.

تضعيف مراسيل الزهري ومكانة مراسيل الحسن البصري

نقل تضعيف يحيى بن سعيد القطان لمراسيل الزهري مع رد أحمد بن صالح المصري ذلك بطريق غير ثابت. وختم ببيان أن مراسيل الحسن البصري معتبرة طيبة وعزم الكاتب على جمعها.

التفريغ النصي الكامل

قال رحمه الله تعالى: الحافظ ابن رجب. وقد ذكر الترمذي لأهل العلم فيه قولين: أحدهما أنه لا يصح مرسله، وأنه لا يكون حجة، وحكاه عن أكثر أهل الحديث، وحكاه الحاكم عن جماعة أهل الحديث من فقهاء الحجاز، وسمّى منهم: سعيد بن المسيب، والزهري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، فمن بعدهم من فقهاء المدينة. أولا يقولون: إنهم لا يكونون حجة. قالوا في حكاية من سماهم: نظر، ولا يصح أن أحداً منهم أقطع في المراسيل عموماً، ولكن في بعضها. وأسند الترمذي قول الزهري لإسحاق بن أبي فروة: «جئتمونا بحديث ليس لها خطم ولا أزمة»، يريد: لا أسانيد لها، وهذا ذم لمن يرسل الحديث ولا يسنده. وروى سلمة بن كهيل عمن سمع الزهري يقول: «ما هذه الحديث التي يأتون بها ليس لها خطم ولا أزمة؟» يعني: الأسانيد. وقال أيضاً: «الذي يأتي بحديث ليس له إسناد كمن يريد أن يصعد إلى السطح وليس له سلم». وقال: وقد ذكر الترمذي أيضاً كلام يحيى بن سعيد القطان في أن بعض المرسلات أضعف من بعض، ومضمون ما ذكره عنه: تضعيف مرسلات عطاء، وأبي إسحاق، والأعمش، والتيمي، وإبراهيم بن كثير، وسفيان بن عيينة، وأن مرسلات مجاهد، وطاوس، وسعيد، ومالك أحب إليه منها. والقاعدة كما قد ذكرنا: أن من كان يتحرى في الرجال ويتحرى في الرواية فمرسله أفضل ممن يروي عن كل من هب ودب. وقد أشار إلى علة ذلك: بأن عطاء كان يأخذ عن كل ضرب، يعني: أنه كان يأخذ عن الضعفاء ولا ينتقي الرجال. وهذه العلة مضطردة في أبي إسحاق، والأعمش، والتيمي، وإبراهيم بن كثير، وسفيان بن عيينة؛ فإنه عرف منهم الرواية عن الضعفاء أيضاً، مع أن ابن عيينة كان يتحرى، وكان يقول: «قدوتنا مالك في الرجال». قال: وأما مجاهد، وطاوس، وسعيد بن المسيب، ومالك، فأكثر تحرياً في رواياتهم وانتقادهم لمن يروون عنه. مع أن يحيى بن سعيد صرح بأن الكل ضعيف. قال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: قلت ليحيى: سعيد بن المسيب عن أبي بكر؟ قال: «شبه الريح». قال: وسمعت يحيى يقول: «مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم». قال يحيى: «وكل ضعيف». يدل على أن يحيى بن سعيد كان يضعف المراسيل. قال: وسمعت يحيى يقول: «سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء». سفيان: أي الثوري، فهو لم يسمع من إبراهيم، وإنما واسطته عن إبراهيم: منصور، والأعمش غالباً. قال: لأنه لو كان فيه إسناد صاحبه، لأتى به؛ لو كان عنده من طريق منصور، أو عنده من طريق الأعمش، لأتى به، لكن أرسله لأنه لم يعتمد على هذا الإسناد، أو على هذا الذي نقل. وقال يحيى: «أما مجاهد عن علي فليس بها بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي»، فكأنه يرى أن الواسطة بين مجاهد وعلي هو ابن أبي ليلى. قال: «وأما عطاء يعني عن علي، فأخاف أن يكون من كتاب». أيضاً هنا سقط معنى كلامه: «مرسلات ابن أبي خالد عندكم، هذا مرسلات ابن أبي خالد، وعمرو بن دينار، وأنها ليست بشيء». قال: وسمعته يحيى يقول: «مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم». معنى المرسلات: مراتب، والقاعدة كما قلنا: كلما كان الإنسان يتحرى في الرواية كان مرسله أفضل من غيره. قال: وذكر يحيى عن شعبة أنه كان يقول: «عطاء عن علي إنما هي من كتاب». ومرسلات معاوية بن قرة نرى أنها عن شهر بن حوشب. قال ابن أبي حاتم: قال: وأخبرنا، وأنبأنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: «هو بمنزلة الريح»، ويقول: «هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه في حفظهم، في عقولهم، فكانوا يحدثون، فإذا ما دروا من أين أخذوه أرسلوه». قال: كلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب: أحدها: ما سبق، من أن من عرف برواية عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره. والثاني: أن من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك، وهذا معنى قوله: «مجاهد عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي». أيضاً الحكاية التي ذكرها الترمذي عن إبراهيم أنه قال: «إذا قلت: قال عبد الله، فهو عن أكثر من واحد عن عبد الله، وإذا قلت: عن فلان عن عبد الله، فهو عن فلان أنا». إذا ذكر أحد أصحاب عبد الله: الأسود، أو عبد الرحمن بن الأسود، أو علقمة، أو غيرهم، فهم مرادهم عن الذي يروون عنه إذا قال: «عن عبد الله»؟ معناه: قال عن أكثر من واحد من أصحابه. قال: والثالث: أن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ. ولهذا كان سفيان إذا مر بأحد يتغنى يسد أذنيه حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه فيقر فيه. وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثاً، وقال: «ليس هو من حديثك، إنما ذكرته فوقع في قلبك، وظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك». أيضاً القصة التي حصلت بين عبد الرحمن بن مهدي وأبي عوانة: ذكر عبد الرحمن بن مهدي حديثاً، فقال له عبد الرحمن بن مهدي: «هذا ليس من حديثك». قال: «بلى، هو من حديثي». فقال له عبد الرحمن: «لا، ليس من حديثك». فقال: «يا جاري، هاتي الجزء الفلاني في مكان كذا». فجاءت به فنظر، فقال: «صدقت يا أبا سعيد، هذا الحديث ليس من حديثي، لكن من أين جئت به؟» فقال له: «لعلك ذكرته في شبابك فعلق في قلبك». «ما لاحظ، فاض أي شيء يسمعونه يعلق في قلوبهم». وقال الحسين بن حريز: سمعت وكيعاً يقول: «لا ينظر رجل في كتاب لم يسمع، لا يأمن أن يعلق قلبه منه». وقال الحسين بن الحسن المروزي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: وذكره، كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش، قلت: «ليس هذا من حديثك». قال: «بلى». قلت: «لا». قال: «بلى». قلت: «لا». قال: «يا سلام، هاتي الدرج». فأخرجته فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: «صدقت يا أبا سعيد». فمن أين أتيت؟ قلت: «ذكرته وأنت شاب، فظننت أنك سمعته». قال: الرابع: أن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على أنه غير مرضي. وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيراً، يكنون عن الضعيف ولا يسمونه، بل يقولون: «عن رجل». وهذا معنى قول القطان: «لو كان فيه إسناد لصاح به»، يعني: لو كان أخذه عن ثقة لسماه وأعلن باسمه. قال: وخرج البيهقي من طريق أبي قتادة، أبي قدامة السرخسي، قال: سمعته يحيى بن سعيد يقول: «مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما يقدر أن يسميه سمعه، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه»، يعني: إذا رأى في نفسه شيئاً من هذا الرجل أرسل حديثه ولم يذكره. قال يحيى بن معين: «مراسيل الزهري ليست بشيء». وقال الشافعي: «إرسال الزهري عندنا ليست بشيء، وذلك أننا نجده يروي عن سليمان بن أرقم». وقد روي أيضاً تضعيف مراسيل الزهري عن يحيى بن سعيد، وأن أحمد بن صالح المصري أنكر عليه ذلك، لكن من وجه لا يثبت. وأما مراسيل الحسن: طيب. إن شاء الله نكتب من هذا.