الدرس في شرح مسائل الجاهلية 57، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل مفهوم مسبة الدهر كسمة من سمات الجاهلية، حيث كانوا يسبون الدهر وينسبون إليه المصائب. كما يشير إلى أن الدهر هو الزمن أو الفترة الطويلة.
يناقش هذا الفصل الفرقة الدهرية التي تنكر وجود الله والمعاد وتنسب كل شيء إلى الدهر، ويشير إلى تأثير هذا الفكر على بعض الفلاسفة والطوائف الأخرى.
يفصل هذا الفصل العلاقة بين سب الدهر والشرك، موضحًا أن سب الدهر ينطوي على ثلاثة أخطاء: سب من لا يستحق السب، الوقوع في الشرك، وأذية الله تعالى.
يبرز هذا الفصل خطورة سب الدهر ويحذر منه باعتباره سبًا لله تعالى، ويختتم بالدعاء للمسلمين بالهداية والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ما يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والأربعون، مسبة الدهر، كقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر. في هذه الفقرة، إخواني في الله، يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الخصلة من الخصال الذميمة من خصال أهل الجاهلية، ما كان من أمرهم من مسبة الدهر، مسبة مأخوذة من السب، والسب هو الشتم، ويدخل فيه كل ما كان فيه تنقص، فهو سب، سبه سبًا. وعندي كذلك لفظ أخرى، وهي السبّة، وهي بالضم، وتأتي بمعنى العار. فقوله رحمه الله تعالى: مسبة الدهر، والدهر يقال: دهر، بإسكان الهاء، ويقال أيضًا بفتحها، وهو يطلق على الزمن أو على الزمن الطويل. وينسب إليه، ومن أراد أن ينتسب، يقال في حقه: دهري. ومنها الفرقة الدهرية، ويطلقها العلماء أحيانًا على فرقة من الفرق التي تقوم بنسب الأمور وإحالة الأمور إلى الدهر، إلى الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. فهؤلاء فرقة من الفرق القديمة، سُمِّت بالفرقة الدهرية، ممن ينسبون الحوادث والموجودات والكائنات والخلائق والمخلوقات إلى الدهر، إلى الزمن، بأن الزمن هو الفاعل لها، وهو الموجد لها، فهم لا يعترفون برب، فليس ثمَّ رب عندهم، لا معاد، لا بعث، لا إحياء، لا نشور، لا هناك ملك للموت يقبض الأرواح. وكذلك دخل إلى هذه المسلك من الفرقة الدهرية جماعة من الفلاسفة، أخذوا بهذا المذهب بأن لا هناك رب، وإنما الزمان هو الذي يقلب الأمور. حتى أن بعضهم من الفرق الباطنية من الفلاسفة يزعمون أن لهذا الكون مدة محددة، قدروها بست وثلاثين ألف سنة، إذا مضت ترجع الأمور إلى ما كانت عليه. وهذا مذهب قديم عند الدهرية القدماء، سرى حتى بلغت عند مشرك العرب، فكان منهم من يقول بهذا: وما يهلكون إلا الدهر. وقد ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية، أن ذلك من عقيدة الكفار، ومن تأثر بهم من مشرك العرب. وهذا يفيدنا أن نعلم أن الكفار ما كانوا على طريقة واحدة في العقيدة، فمنهم من كان يقر بتوحيد الربوبية، ومنهم من كان ينكر المعاد. فالعرب لم يكن على تدين واحد، وهذا يلفتنا، يا طالب العلم، إذا رأيت من يقرر في كتبه أن كفار العرب كانوا ملاحدة، وكانوا ينكرون وجود الرب سبحانه وتعالى، لا ليس هذا على إطلاقه. فالدهرية هم قوم ينسبون الحوادث إلى الدهر، وما يهلكون إلا الدهر، فعلى هذه النسبة، إذا كان ينسبون المصائب إلى الدهر، فهم ينسبون هذه الحوادث كلها إلى الدهر، ومن أعظم ما ينسبونه إلى الدهر المصائب والكوارث والمعايب. فماذا يفعلوا بعد ذلك؟ يسبونه، ويكيلون له الشتائم والسباب واللعان، وهذا موجود كثير في تاريخ العرب، في كلماتهم، وفي نثرهم وشعرهم، يقولون: يا خيبة الدهر، ودهراه، يا ويح الدهر، كل ذلك سب وشتم للدهر، لماذا؟ لأنهم نسبوا الأمور إلى الدهر. فقول مؤلفنا رحمه الله تعالى: مسبة الدهر، فهم نسبوا الأمور إلى الدهر، ثم عادوا إليه بالسب والشتم، وكذلك باللعن. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذه العقيدة، اعتقاد أن الدهر هو الذي يفعل هذه المصائب، يدخل الناس في أخطاء كثيرة، وحصرها ابن القيم رحمه الله تعالى في ثلاثة أمور. الأمر الأول: أنهم سبوا من لا يستحق السب، لأن الدهر مخلوق، ما يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا أن يملك ذلك لغيره. الأمر الثاني: أن ذلك يتضمن الشرك، لأن الذي يسب الزمن يعتقد أن هذا الزمن له قدرة على النفع والضر. الأمر الثالث: أن مسبة الدهر هو في الحقيقة أذية لله سبحانه وتعالى، لأن من هو الفاعل حقيقةً لهذه الأمور؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهم سبُّ الدهر لظنهم أنه هو الذي فعل، بينما في الحقيقة الفاعل هو الله سبحانه وتعالى. فالسب قد وقع على الله، شعر بهذا اللافظ أو لم يشعر. فهذه المسائل الثلاث كلها تدور في حق من تدخل أو ولج في هذا الأمر، فسب الدهر من المسبات. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.