شرح مسائل الجاهلية  41

شرح مسائل الجاهلية 41

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 41، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التفرق وآثاره في قول المؤلف

يشرح المقطع قول المؤلف حول تفرق الأمة وفرح كل حزب بما لديه، ويبين أهمية الاجتماع والنهي عن التفرق. كما يستخرج بعض الفوائد من عبارة المؤلف.

خطورة التعلق بالباطل والفرح بالمعصية

يناقش المقطع أهمية الاجتماع على دين الله وخطورة التفرق، ويبين أن التعلق بالباطل يؤثر سلبًا على القلب. كما يوضح الفرق بين العصاة الذين يدركون خطأهم وبين من يجاهرون بالمعصية.

أسباب التفرق وآثاره على الأمة

يبين المقطع الفرق بين المعصية والبدعة، ويشرح أن التفرق في الدين يؤدي إلى العقوبة. كما يدعو إلى أهمية الاجتماع والجماعة ويذكر أسباب التفرق.

ختام الفقرة الثلاثين والاستئناف المقبل

يختتم الشيخ الفقرة الثلاثين من الرسالة ويشير إلى احتمال توقف مؤقت قبل استئناف الدروس مرة أخرى. كما يطلب من الله أن ينفع بما قيل فيها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثلاثون وهي من عجائب آيات الله أنهم لما تركوا وصية الله بالاجتماع وارتكبوا ما نهى الله عنهم من الافتراق صار كل حزب بما لديهم فرحين. هذه الفقرة، إخواني في الله، والتي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وهي من عجائب آيات الله. ويوجد في بعض النسخ بلفظ: وهي من أعجب الآيات. يوجد هذا في بعض النسخ، فعندي: من عجائب آيات الله، وفي نسخة: من أعجب الآيات. والأولى بالصواب، والله تعالى أعلم، هذا الذي قد أثبتها هنا: وهي من عجائب آيات الله، هذا الأليق، وهذا الأولى بالثبت؛ لأنه سيأتي الفقرة التي بعد ذلك قال: وهي من أعجب الآيات، إذن بما أنها قد كررت في الفقرة التي ستأتي اللاحقة، إذن كان ينبغي المغايرة، فالأصل التأسيس للتأكيد. فقال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وهي من عجائب آيات الله أنهم لما تركوا وصية الله بالاجتماع وارتكبوا ما نهى الله عنهم من الافتراق صار كل حزب بما لديهم فرحين. هذه الفقرة، إخواني في الله، من كان معنا في الدروس الأولى يعلم أنها قد مرت، أو ما كان من ما يماثلها وما يشابهها، وهي في الفقرة الثانية والمسألة الثانية، حين قال المؤلف رحمه الله تعالى: أنهم متفرقون في دينهم، ثم ذكر الآيات، وذكر هذه الآية: كل حزب بما لديهم فرحون. ثم قال المؤلف في الفقرة الثانية: قال ونهانا عن التفرق وأمرنا بالاجتماع، فتلك الفقرة المسألة الثانية هي شبيهة بهذه الفقرة في هذه المسألة. لكن فعلى ماذا يحمل؟ فهذه الفقرة تحمل على أمرين اثنين، إما أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد التأكيد، أراد التأكيد على هذه المسألة، على أهمية الاجتماع والنهي عن ضده، وهي مسألة حقها أن تؤكد، خاصة في زمن المؤلف رحمه الله تعالى، وهكذا نحن في أزماننا قد ابتلينا بمظاهر التفرق في هذه الأمة المحمدية، فيحمل أن المؤلف رحمه الله تعالى غاير في الموضوع إلى أنه أراد نفس المضمون من باب التأكيد على هذه المسألة، وأنها تكرر، وأنه يؤكد عليها تنبيها لشأنها، وهو مسألة أهمية الاجتماع والنهي عن الافتراق، هذا وجه. والوجه الثاني، قال علماء: أن هذه الفقرة فيها زيادة عن المسألة السابقة، ما الزيادة الموجودة عندنا؟ الزيادة هنا ذكر العقوبة، العقوبة التي يبتلى بها من دعا إلى التفرق، أو من فرق دين الله، أو من كان من المتفرقين في دين الله، فهذه الفقرة فيها ذكر هذه العقوبة، والتي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: صار كل حزب بما لديهم فرحين، فأراد رحمه الله تعالى أن يؤكد على هذه العقوبة وهذه المصيبة وهذه البلية: الفرح بهذا التفرق. فهذه الفقرة طبعا المؤلف رحمه الله تعالى لم يرد لفظ الآية، وإنما أراد أن يعبر عن الآية؛ لأن الآية في قول سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، وهنا ماذا قال المؤلف؟ قال: صار كل حزب بما لديهم فرحين. واختلف المعنى باختلاف الإعراب؛ فهنا صار كل حزب، فكل اسم صار محله الرفع، بينما فرحين خبر صار ومحله النصب. إذن المؤلف رحمه الله تعالى استدل واستشهد بهذه الآية ليدلل على ما أراد رحمه الله تعالى من ذكر عقوبة التفرق: أن من تفرق في دين الله جل وعلا يبتلى بالذي يبتلى به هنا، إخوانا في الله. إذن عندي مسائل، إلا أن أصل هذه المسألة مباحثها قريبة بالمباحث التي قد سلفت والتي قد مضت، لكن من باب الفوائد كذلك أن يستخرج من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى بعض الفوائد، منها: أن الذي لا يعمل بالحق ولا يقبل الحق فإنه لابد أن يقع في الباطل، من لم يعمل ولم يقل ولم ينقد للحق فإنه سيخضع ويعمل وسيتلفظ بالباطل، وهذا كما يقول علماء: من السنن الكونية. فالذي لا يدخل في التوحيد أن يكون مآله في الشرك، والذي لا يجمع إلى الاجتماع سيكون مآله إلى التفرق، حتى قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: عندما ذكر أن أصول الدين ترجع إلى أمور ثلاث، ولهذه الثلاث قد ولكل واحد منها ضد، فمن لم يسقط في تلك وقع في ضده، فذكر التوحيد وضده الشرك، وذكر السنة وضدها البدعة، وذكر الطاعة وضدها المعصية. فهذا ما أراد رحمه الله تعالى الحصر، لكن أراد الإشارة للأهمية هذه القاعدة: أن الذي لا يدخل في الحق فلم يكن موحدا فإنه مشرك، ومن لم يكن من أهل السنة فإنه من أهل البدع والضلال، وأنه كذلك من لم يكن من أهل الطاعة فهما بالضرورة يكون من أهل المعاصي. وهذا يفيدنا في هذا الباب: أن من لم يكن مجتمعا على دين الله جل وعلا فإنه من أهل التفرق، ولهذا فلينظر كل منا إلى نفسه، فإن كان ممن يأمر ويحث نفسه وغيره على الاجتماع على دين الله جل وعلا فليعلم أنه قد أتى بما أمر الله جل وعلا به، أما أنك يا عبد الله لا تدعو لهذا، لا تدعو للاجتماع على دين الله جل وعلا، فاعلم أنك ممن فرق دين الله، هذا لابد علينا الكل واحد يحاسب ويوزن نفسه بهذا الميزان الدقيق. إن لم تكن من أهل الاجتماع أو ممن يدعو للاجتماع على دين الله جل وعلا فإنك يا عبد الله تعتبر من أهل التفرق، تعتبر من أهل التفرق، شعرت بذلك أو لم تشعر، فإن من لم يقبل اجتماعا يقع في ضده. وهذه كذلك قاعدة تفيدنا كذلك في غير هذا الباب، ومنها استفاد ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين، عندما تكلم عن أعمال القلوب، بيّن رحمه الله تعالى أن أعمال القلوب لها أضاد، وأنه لا يمكن أن تجتمع في قلب مسلم الأضاد، بل كل يؤثر على نقيضه، فذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالمحبة، فإن العبد إذا تعلق بغير الله من دنيا من متاع من أثاث من حظ من حظوظ الشخصية، فإن أحب وتعلق بغير الله فإن هذا التعلق يؤثر سلبا على محبته لله سبحانه وتعالى، لابد يؤثر، لا يمكن أن المحبتين تتزاحم في قلب في محل واحد. فإذا جاء هذا نفى ذاك، أو إذا جاء شيء من هذا فإن على قدر هذا الشيء يزحزح شيء بهذا المثقال، وعلى هذا تكون القاعدة، ثم بيّن رحمه الله تعالى ما يتعلق بغيرها من الأعمال كالإخلاص والإنابة والتوبة غير ذلك، أن أعمال قلوب تتأثر بهذه القاعدة. فينبغي العبد، إخوانا في الله، أن يحقق ما أراد الله، وأنه على قدر نفيك وتركك للحق فإنك يا عبد الله ستبتلى بالباطل، وهذا الذي أشار إليه مؤلفنا رحمه الله تعالى: أنهم لما تركوا وصية الله بالاجتماع ارتكبوا ما نهى الله عنه من الافتراق. كذلك فيه فائدة تستفاد من هذا: أن الباطل الذي يبتلى به هذه مصيبة، لكن أعظم من وقوعه بالباطل وهي المصيبة العظمى والداهية الكبرى: أنك يا عبد الله تفرح بهذا الباطل، إذا وصل بحال العبد إلى هذا المبلغ إلى فرحه بالباطل فليعلم أنه عوقب من عند الله جل وعلا، هذه عقوبة. كون أن إنسانا من الناس يقع في خطأ يقع في معصية يقع في محظور يقع في باطل هذا كذلك مذمة لا يجوز، وكذلك مصيبة، لكن بعض الناس، إخواني في الله، قد يقع في هذه المصائب والمعايب والمعاصي والمخالفات وهو يعلم في قرارة نفسه أنه على خطأ وأنه قد ارتكب أمرا عظيما، ونفسه لا زالت تراوده وتأزه للتوبة، يجد المشاحنة ويجاهد نفسه على ذلك، لكن في قرارة نفسه أنه على خطأ، فهذا يرجى من الخير التوبة والرجوع. لكن المصيبة في كون عبد يأتي المعصية ويأتي المخالفة ثم يستروح لها، من صور الاسترواح للمعصية وللذنب وللباطل أنه يفرح به ويتعلق به، ولربما كان عليه الأمل الكبير، وهون يا عبد الله، هذه مصيبة فوق مصيبة، وباطل فوق باطل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، هم حزب تفرقوا عن ديني، لهذه المصيبة، لكن أضف على هذه المصيبة أنهم قد فرحوا. ومن هنا أن يفرق بين العصاة، ورب عاص قد يأتي المعصية وهو مقر أنها معصية وأنه خطأ، لكن يأتيك من يأتي المعصية ومع ذلك يفاخر ويكابر، ومن هنا حتى أن أحكام العلماء حتى فرقوا في المعاملة بين من يقع في الكبيرة وبين من يجاهر بالكبيرة، فرق بين الذي يأتي كبيرة من كبائر الذنوب وهو يعرف، وإذا نصح طأطأ برأسه ويعترف أن ذلك زلة وأن ذلك هفوة وأن ذلك من تلاعب الشيطان، وبين آخر لو ربما ما فعل كبيرة فحسب، بل جاهر الله بفعل الكبيرة. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، إلا من جاهر الله بذنبه بمعصيته»، فهذا على أمر عظيم، لماذا؟ لما فيه من التعلق، لما تعلق الاسترواح، وهذا كذلك مستفاد من هذا. وقال علماء: أن ذلك عقوبة من الله سبحانه وتعالى، فانظر لنفسك يا عبد الله أين أنت من ذلك؟ فإن كنت على ذنب وعلى معصية ولا زلت تخاف من الله جل وعلا، قل لهذه البادرة أمل لعلك ترجع وتتوب، وأن الله أراد بك الخير أن جعل لنفسك هذه الصفة: صفة اللوامة تلوم صاحبها على المعصية. لكن إذا كنت على غلاف ذلك أنك تفعل المعصية وتتعلق بها، فاعلم أن هذه عقوبة؛ لأن بهذه يستصعب منك الرجوع والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. وكانت هذه المسألة، إخواني في الله، من أعظم الفوارق التي تفرق بين المعصية وبين البدعة، المعصية أشد من المعصية، وقد حكى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الإجماع على هذه المسألة: كونك تفعل بدعة ذنبك ووزرك أعظم عند الله من فعلك للمعصية. وكان من الفوارق التي تفرق بين المعصية وبين البدعة هذه المسألة: أن المعصية لربما يأتيها العبد ويعلم أنه قد أخطأ، لكن مصيبة البدعة أن الذي يأتيها يرى نفسه على صواب، يرى نفسه على صواب، ولهذا تراه ينادي بها ينشد إليها يفرح بها يطير بها، أي مماطار، بل كذلك لربما قاتل، ما لا يخفى أمر الخوارج والمعتزلة والجهمية، هؤلاء وقعوا في ذنوب ومع ذلك قاتلوا، وقعوا في بدع ومع ذلك قاتلوا من أجلها لعلمهم أنه ماذا؟ أنهم من أهل الحق. فلهذا تجد أن الذي يقع في المخالفة والباطل ويفرح فإن أمره أعظم عليه في دينه وكذلك في دنياه، كذا إخواني في الله. يستفاد من هذه المسألة: أن الأمم السابقة أنها دُعت إلى الاجتماع لكنها أبت؛ لأن المؤلف رحمه الله تعالى يقول: من عجائب آيات الله أنهم من أنهم أهل الجاهلية ومن كان قبلهم، فهم مخاطبون بهذه المسألة، والمؤلف رحمه الله تعالى يحكي عن أحوالهم، فقال رحمه الله تعالى: ارتكبوا ما نهى الله عنهم من الافتراق. فدل ذلك على أن هذه من القضايا التي ابتليت به تلكم الأمم السابقة، بل جاء القرآن بذكر هذه الأوصاف: أنهم كانوا يتفرقون في دين الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْب، فَكَانَ تَفَرُّقُهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا أَمْرُوا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَعَلَى رَسُولِهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ أَبَوْا ذَلِكَ﴾. وكذلك إخواني في هذه المسألة فائدة مهمة، وهو: كما أن الافتراق يصاحبه العقوبة على صاحبه، فكذلك الاجتماع، فإن من يدعو إليه فإن الله جل وعلا يجعل له الأجر ويجعل له الثواب، فالذي يدعو إلى الفرقة والتفرق فإن له ما يبتليه به ربنا جل وعلا من غضب الله ومن مقت الله ومن سخط الله، بل أن يضرب قلوب العباد بعضهم لبعض، وهذا في حق من نادى بالتفرق. لكن العكس بالعكس، فإذا وجد نفر من الناس يدعون الأمة إلى الاجتماع بدين الله جل وعلا فإنها لهم المكرومات، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في عدة من كتبه ذكر رحمه الله تعالى هذه المسألة: وأن الأمر بالاجتماع والجماعة أمر محمود، وأن ذلك من أعظم ما يستجل به رضا الرب سبحانه وتعالى، فضلا عن الرحمة أو الألفة والود والأخوة التي تكون في حق هذا الصنف. وهذا ملاحظ: الذي يدعو إلى الفرقة يجد مع من تفرق معه من البغضاء والعداء ما الله به عليم، وأن الذي يدعو الاجتماع ويجتمع على دين الله يجد بينه وبين إخوانه من الود والرحمة والألفة ما ليس له نظير من بين البشر، وهذا من كرامة الله جل وعلا لمن دعا إلى دينه سبحانه وتعالى. كذلك إخواني في الله، ومسألة طويلة من هذه المسألة: ما يتعلق بالتفرق التي وقع في أهل الكتاب، هذا التفرق، إخواني في الله، إنما جاء من أسباب ناشئة، الأنبياء جاءت إلى أمم كانت مجتمعة، وبعد ذلك دب فيهم الفرقة، على ماذا تفرقوا؟ وما الذي أدى لافتراقهم؟ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو صاحب السبر والاستقراء لمثل هذه المسائل الدقيقة، خلص رحمه الله تعالى إلى أن من أعظم أسباب الافتراق أنها تعود إلى أمرين اثنين: إلى ترك العلم وإلى الاعتداء والبغي، هذه من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى فرقة الناس وإلى تفرق الأمة. الأمر الأول: ترك العلم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، متى تم ذلك؟ لما نسوا حظا مما ذكروا به، تركوا علم الله جل وعلا، لما أعرضوا عن شرع الله سبحانه وتعالى ابتلاهم الله ووقع منهم هذا التفرق. والأمر الثاني: البغي، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، العلم عندهم، ما الذي أدى للفرقة؟ البغي، العدوان، الاعتداء على الآخرين، هذه الصفة الحيوانية الموجودة في بني آدم تخرج فتعتدي على الآخرين، هذا الذي يؤدي إلى الفرقة بين الناس. فذكر رحمه الله تعالى: أن من أعظم أسباب التفرق هذين السببين، تركوا العلم، ومن هنا ما تجد أحدا ينادي إلى التفرقة إلا وتراه من أبعد الناس عن العلم الشرعي، ولو كان من أدعياء العلم، فتجد أنه ماذا؟ ليس بذاك، وإنما دعي ليس من أهل العلم، لكن تشبه بالعلماء؛ لأن العالم ما يدعو أبدا إلى التفرقة وإلى تشتيت كلمة الصف. وإما أن تجد هذا على خير وعلى علم، لكن ابتلاه الله بالعدوان، يوجد يوجد ناس على خير على علم على حفظ لكتاب الله حفظ السنن، عنده شيء من العلوم، لكن ابتلاه الله بالبغي، يعتدي على ذا ويعتدي على ذا ويعتدي على ذا، وهذا من مضان التفرق الذي يقع في الأمة. ولهذا إذا أرادت الأمة الوحدة والاتفاق فعليها أن تتعرى من هاتين الصفتين الذميمتين: تترك البغي، وهكذا تترك الجهل، وذلك بالإقبال على العلم النافع والعمل الصالح. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه. وأشير لإخواني: بهذا العدد نحن في الآن في الفقرة الثلاثين، وتقريبا هذا ربع الرسالة، وأظن سنقف عندها فترة من الزمن، فقد ننقطع شيئا ما عن تكمية الدروس إلى أن يحين موعد الاستئناف بإذن الله. فهنا ربع الرسالة قد انتهينا منها، وإلى الله الحمد والمنة، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.