الدرس في شرح مسائل الجاهلية 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية الاجتماع في الدين وخطورة التفرق، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يؤكد على أن التفرق مذموم شرعاً سواء في الدين أو الدنيا.
يشرح هذا الفصل أن الاجتماع يجب أن يكون على الدين وليس على أي أساس آخر، وأن الاجتماع على الكتاب والسنة هو ما يريده الله جل وعلا. يبين أن أهل السنة يدعون إلى الاجتماع على هذا الأساس.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله بما قيل في الدرس، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التركيز على أهمية هذه العبادات في ختام المواعظ.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله في المسألة الثانية من مسائل الجاهلية. وذكر، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، أنهم أي أهل الجاهلية متفرقون في دينهم. وذكرنا ما يتعلق بنبذة سريعة عن حال أهل الجاهلية، وما يتعلق بكيف كانت مخالفته عليه الصلاة والسلام لهؤلاء، وذلك بأنه أتى بالاجتماع. وأخذنا كذلك نظرة سريعة حول ما هو الاجتماع الذي أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم، فوجدنا أخواني في الله أنه أمر بالاجتماع في كل شيء عليه الصلاة والسلام. بل من تأمل في أسرار الشريعة يجد أن الشريعة تدعم هذه الغاية الحميدة، وهو أن يكون الناس في إقبالهم على الله جل وعلا بقلوب واحدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. هذه الآية كذلك استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على ضرورة الاجتماع وعدم التفرق في دين الله جل وعلا، ودلالتها واضحة. وكذلك في هذه الآية فائدة عظيمة، أن هذا التشريع الذي أتى به نبينا صلواته ربي وسلامه عليه لم يكن من خصائص هذا الدين فقط، بل هي شريعة سلفت مضت فيمن كان قبل من الأنبياء والرسل. من لدى نوح عليه السلام شارع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى سائر الأنبياء حتى إلى مبعث نبينا عليه الصلاة والسلام. ما من نبي أتى إلا وقد أمر في نفسه وأمر كذلك أتباعه بأن لا يتفرقوا في دين الله جل وعلا. ومن المعلوم أخواني في الله أن الأنبياء اجتمعوا في أصول العقيدة وفي أصول التوحيد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء إخوة لعلات»، أي مثل أبناء الضرائر، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى. فالأنبياء دينهم واحد، وهو العقيدة والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. هذه مسائل قد اتفق فيها الأنبياء. ومعنى ذلك، إذا علمنا أن الأنبياء اتفقوا في أصول الديانة، ثم علمت أن التفرق مما جاء في شريعة نبينا وفي شريعة من كان قبلنا، علمنا حينها أن عدم التفرق في الدين يعتبر من أصول الإيمان في شريعتنا، وكذلك في شريعة من كان قبلنا. فالتفرق أخواني في الله في الدين من أعظم المنهيات التي جاءت في شريعة كل نبي. والمطلوب منها الذي كان بعكسها وبضدها ألا وهو الاجتماع في دين الله جل وعلا. وفي ذكر ربنا جل وعلا حال نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهكذا ما أوحي إلى نبينا، تخصيص ذكر هؤلاء الخمسة هذا الذي جعل جماعة من العلماء، بل قول محققي من أهل العلم، أن هؤلاء الخمسة هم أولي العزم من الرسل. وقد حقق ذلك شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، وهكذا ابن القيم. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هؤلاء هم أولي العزم من الرسل، وهم الذين تدور عليهم الشفاعة يوم القيامة. وابن القيم رحمه الله تعالى عندما أراد أن يذكر مراتب الأنبياء والرسل من حيث التفضيل جعلهم على ثلاث مراتب. المرتبة الأولى هؤلاء الخمسة، وهم أولي العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلواته ربي والسلام عليه. ثم تأتي الطبقة الثانية، وهم الرسل الذين أنزل إليهم ربنا جل وعلا الوحي، وأنزل إليهم الملائكة، ثم أمرهم بأن يدعوا إلى الله، وأرسلهم إلى الأمم يدعونهم إلى دين الله جل وعلا. وبعد ذلك الطبقة الثالثة، وهم الأنبياء. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة لست منهم في شيء﴾، هذه براءة ممن يكون هذا حاله، من كان من أهل الجاهلية ومن كان من أهل الكتاب من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة طوائف، فهؤلاء لست منهم في شيء. أن يتبرأ منهم نبينا. وعلى هذا ينبغي للمسلم أن يتبرأ من أمثال هؤلاء. ومن أعظم صور البراءة يا عبد الله أن لا تتخلق بخلقهم. وفي قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم﴾، وفي قراءة: ﴿إن الذين فارقوا دينهم﴾، يبين لك عظم الملازمة بين التفرق في الدين والتفرق في الأديان والتفرق في الأبدان. فإن الذين فرقوا دينهم وفارقوا دينهم، فالتفرق في الدين يؤدي إلى المفارقة. قال سبحانه: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعة لست منهم في شيء﴾. قال ونهانا عن مشابهتهم بقوله: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾. قال ونهانا عن التفرق في الدنيا بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. قد مضى معنى ذلك، وأن المسلم ينبغي أن يلتزم بالاجتماع في الدين، وكذلك في الدنيا. المؤلف رحمه الله تعالى ساق الآيات الدالة على ضرورة الاجتماع في الدين وفي الدنيا. في الدين ما مضى، وفي الدنيا استدل رحمه الله تعالى بهذه الآية: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. هنا قد يقول قائل: من أين استفاد المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه الآية تنزلت على الاعتصام وعدم التفرق في الدنيا؟ قال علماء: كان ذلك من المؤلف رحمه الله تعالى مأخوذ من تمام الآية. قال ربنا جل وعلا: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾. ذهب كثير من المفسرين أن هذا الخطاب كان لطائفة من الصحابة، وهم الأوس والخزرج، يمن ربنا جل وعلا عليهم بأنه من عليهم بهذه الألفة والمحبة بعد عداء مرير. ذكر أهل السير وأهل التواريخ عن شيء من هذه الظاهرة من ظاهرة العداء التي كانت بين الأوس والخزرج، أن وقع بينهم من الحروب ما لا يكون في الخيال. يعني لو أردت يا عبد الله أن تنظر في تاريخ الأوس والخزرج من العداء، أنك تراجع ما ذكره العلماء من معركة يوم بعاث. يوم بعاث هي تعتبر من آخر المعارك التي دارت بين الأوس والخزرج. كم ترى يا عبد الله دامت هذه الحروب؟ قال العلماء: هي طبعا تتابعت، ثم تولدت حرب بعد حرب على إثر هذه الحرب، استدامت هذه الحروب كما ذكر ابن هشام رحمه الله تعالى مئة وعشرين سنة. يعني ما يتخيلها عقل، حروب تلو حروب بين هذين الحيين بين الأوس والخزرج، كان عداء عظيم، عداء مرير. فربنا جل وعلا أنزل هذه الآيات يمن فيها على أولئك العباد أن الله جمعهم بعد هذا العداء. فقال: ﴿و،اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾. فمن هنا ناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه الآية كانت في باب الاجتماع على الدنيا. قال ونهانا عن التفرق في الدنيا بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. هنا أخواني في الله بقي مسائل أذكرها سريعا متعلقة بهذا الباب، ويناسب ذكرها ونحن في خضم هذه المسألة الثانية. منها من باب التأكيد، ومنها من باب التوضيح. المسألة الأولى أخواني في الله: نعلم من هذه المسألة أهمية الاجتماع، أهمية الاجتماع في دين الله جل وعلا، وأنها من أصول الدين ومن أصول الديانة، وأنها لها منزلة عظيمة في شريعة الإسلام. ورأينا أن من تأمل في أسرار الشريعة يعلم صدق ذلك. المسألة الثانية: نأخذ من هذه المسألة الثانية أن نعلم أخواني في الله خطورة التفرق، وأن مسألة التفرق مما ينبغي أن لا يتساهل فيها، بل أن يمنع وأن يكبت. بل رأينا كيف أن نبينا عليه الصلاة والسلام كل ما كان سبيله أو طريقه يؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين، كانت الشريعة لهذا الغرض بالمرصاد بمنعه وإلغائه كذلك. بل أعظم ذلك يا عبد الله أن نعرف جميع الإخوان في الله أن هلاك الأمم من أعظم أسباب هلاكها التفرق. خرج نبينا كما جاء ذلك من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وجاء كذلك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن نبينا عليه الصلاة والسلام خرج على أصحابه ذات يوم، فإذا هم يختصمون في القدر، فإذ هم يختصمون في القدر. فغضب عليه الصلاة والسلام غضبا شديدا حتى رؤي ذلك في وجهه. ثم قال: «أبهذا أمرتم؟ ألهذا خلقتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما أهلك من كان قبلكم هذا». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فبين عليه الصلاة والسلام أن هلاك من هلك، سواء كان في الدين أو في الدنيا أو في الآخرة، إنما كان من تفرقهم في هذا الدين. عندما رأهم يختصمون في مسائل الدين، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الهلاك يكون لمن كان هذا حاله. فإذا علمنا هذا أخواني في الله، فلا هوادة في التعامل في صور التفرق. المسألة الثالثة أخواني في الله: كذلكم أن نعلم أن التفرق المذموم يشمل الدين والدنيا، يشمل الدين والدنيا. فكل ذلك مذموم، كما أن التفرق في الدين مذموم، كذلك التفرق في الدنيا مذموم. ما كان على أموال، ما كان على عقارات، ما كان من أجل النساء، ما كان من أجل شيء من غرض الدنيا، كل ذلك يدخل في الذم. فالتفرق في الدين مذموم، والتفرق في الدنيا كذلك مذموم. والمؤلف رحمه الله تعالى أشار إشارة إلى هذه المسألة. المسألة الرابعة المتعلقة بهذا الباب أخواني في الله: الافتراق مع كونه مذموم والأدلة قد استفاضت في التحذير والنهي عن التفرق، إلا أنه واقع لا محالة. إلا أنه واقع لا محالة. فالتفرق مذموم شرعا، إلا أنه واقع كونا لحكم أرادها الله جل وعلا. والأدلة كثيرة تدل على ذلك، كما في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة». فأخبر عليه الصلاة والسلام إخبار حق وحي السماء تنزل عليه بأن هذه الأمة ستفترق على هذه الفرق. فلا يمكن لأحد أن يرد قضاء الله جل وعلا. وكذا ما جاء في مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «سألت ربي ثلاثة فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة». سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وأن لا يهلكهم بالغرق فأعطانيها، وأن لا يهلك بعضهم بعضا فمنعنيها. أي أن هذا حاصل. ومثل ما جاء كذلك من حديث الثوبان: «فيه أن هذه الأمة ستبتلى بعضها ببعض، يكون فرقا يدب بينهم التناحر، ويبقى ذلك بينهم الاختلاف والعداوة». إذا علمنا ذلك أخواني في الله أن التفرق واقع لا محالة، فما دورنا؟ ما دور المسلم لهذه المسألة العظيمة والتي واقعها وقد وقعت؟ أخواني في الله ينبغي أن نعلم أن من أعظم الأمور التي ينبغي أن نتعامل فيها في جمعنا لهذه المسألة من التحذير من التفرق الذي يقع، أن موضوع الافتراق يبقى محرماً، محرماً لا يتغير. فأول ما يكون في قلوبنا أن نكره التفرق، لا نرتضيه ولا نعتقد جوازه. كحال كثير من الناس عندما وجد أن الأمر قد تفلت من أيديهم، وأن الناس قد أصبحوا طوائف وأصبحوا ملل ونحل، فيقول: خلاص يا أخي الأمر إيش نفعل؟ هذا أمر ليس بأيدينا، إذن ما له حال؟ قال: نترك الناس على ما هم عليه. بماذا؟ بأي تصور؟ قال: يجعل التصور أن هؤلاء كلهم يخدمون دين الله، هذا في دين الله، وهذا في خدمة دينه. كل هذا أخواني في الله من التخاذل لشرع الله. لا يا عبد الله، المحرم محرم. ربنا حرم الزنا، محرم الزنا. فلو قدر الله أن الزنا فشى حتى أصبح في كل أو معظم بلاد المسلمين، فلا يأتي آت بعد ذلك ويبيح الزنا. بماذا؟ أو يخص في الزنا بحجة أنه قد انتشر وفشى. وهكذا يا عبد الله ما يتعلق بالتفرق، التفرق قد حرمه ربنا في كتابه، ونبينا في سنته. فيبقى محرماً ما دامت السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة. فلا يأتي بعد ذلك مبرر أو متعذر يحتج بانتشاره أو يحتج بوجوده، بأن هذا أمر قد وجد، فما داع لإنكاره؟ وأن نسوغ للناس ذلك. لا يا عبد الله، لا يسوغ لأحد أن يفرق كلمة المسلمين بأي صورة أو بأي وسيلة. ثم تأتي المسألة الثانية كذلك: إذا علمنا أن الافتراق حاصل، أن يقوم كل مسلم بما يستطيع من الردع والسعي إلى إبطال مظاهر التفرق. نسعى من كان بلسانه بلسانه، دعوة ونشرة. ومن كان بيده، من كان عنده سلطة على منع صورة التفرق، فعل. فهذا الذي يبقى إذا علمنا أن التفرق يقع، فلا يأتي كما قلنا أحد بعد ذلك ويسهل أو يهون أو يجوز ما عليه المسلمون من تفرق وتشتت. لا، ولهذا أخواني في الله ما تجد أحداً في الساحة أعلمه في هذه الأزمان بمثل أهل السنة والجماعة، والتي اتفقت كلمتهم إلى الآن، وما تفرق، وما ستفترق، على أن الافتراق محرم، حرمه ربنا جل وعلا. وتجد أن من خالفهم يبررون، من خالفهم يسوغون، يجوزون. إلا أهل السنة والجماعة، ما تغيروا ولا بدلوا، وكلهم على كلمة سواء، أن التفرق محرم في دين الله جل وعلا. لا أحد يخرج أبدا عن جماعة المسلمين، جماعة واحدة، ملة واحدة، فرقة واحدة، صراط واحد، طريق واحد. فما عندنا طرق، ما عندنا سبل، ما عندنا مناهج، ما عندنا كذلك تيارات، ولا جهات، ولا شيء. عندما شيء واحد يوصلون إلى الله سبحانه وتعالى. فليعلم أخواني في الله هذه المسألة، ونعطيها حقها وقدرها. وكل يسعى إلى إبطال عملية التفرق بما يستطيع. وكل بما يستطيع، لأن هذا منكر لا يرتضيه الرب جل وعلا. ومن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه. المسألة بعد ذلك أخواني في الله: بقي إذا قلنا أن التفرق وأن الاجتماع لا بد منه، وإن نبيا أتى بالاجتماع. بقي مسألة ملحة كذلك: بقي على ماذا الاجتماع؟ على ماذا نجتمع؟ أهل السنة وقد ذكرنا ذلك، أهل السنة من أولويات دعوتهم الدعوة للاجتماع. وهذا ما أخذ من الأدلة العامة والخاصة من الكتاب والسنة، الاجتماع. لكن هل الاجتماع هو مطلوب لذاته؟ لذات محمدة؟ لأننا قد نوجد من بعض الناس من لربما عندهم من المحبة للخير أنه ما ينادي في كل محفل من المحافل إلا على الاجتماع: نجتمع، نجتمع، نأتلف، نتحد، نتحاب، نتآخى. طيب بقي ما بعد هذا؟ المسألة ما بعد التآخي، ما بعد الاجتماع، ما بعد التآلف والتحاب على ماذا؟ هنا تأتي البلية عباد الله: أن الذي يجهل دين الله جل وعلا لربما يأخذ مثل هذه الأدلة ويجعل منفصلة على حدة، ويجعل أن الاجتماع هي غاية على حدة، غاية على وحدها. فهو إذا رأى تجمعات الناس، ورأى أن الناس قد اجتمعوا في منظوم واحد أو في بوتقة واحدة، بغض النظر عن أصول الاجتماع، يفرح وينشرح صدره، ويقول: أنظر لهذه الأمة قد اجتمعت. ولربما فيها ما فيها ممن يخالف بعضهم بعضا في الاعتقاد، بل بعض من كان عنده اعتقاده السيئ والسوء في ربه أو في نبيه، أو من كان عطل أو ألحد في دين الله جل وعلا. ولهذا نجد من بعض الناس من ربما يفرح يفرح باجتماع الناس، وتحت هذا الاجتماع الملاحدة، وفي هذا الاجتماع الزنادقة، وفي هذا الاجتماع الضلال، رؤوس الأفكار الضالة. وقد وجدنا هذا وسمعنا بهذا، بل ما هو أعظم من ذلك، حتى كان من بعض من سمعت من الناس أنه كان يدعو إلى مد الأيدي مع بعض الفرق الباطنية بحجة الاجتماع. لا يا عبد الله، أهل السنة والكتاب والسنة قبل ذلك إذا دعوا الناس إلى الاجتماع، إنما الاجتماع على الدين. الاجتماع على الدين. قال ربنا جل وعلا: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾. فالاعتصام جماعة بماذا؟ بحبل الله جل وعلا، على الكتاب والسنة يكون اجتماعنا على هذا المبدأ، على هذا الركن الأصيل. وهكذا في قول تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾. فهذا هو محل الاجتماع. الاجتماع الذي ننادي به، والذي ننادي به الأخيار، إنما يكون مناطاً على شرع الله جل وعلا. لأننا نجتمع على مخالفات، لأننا نجتمع على التضاد فيما بيننا وبينهم. لا نجتمع مع ناس قد حادوا الله ورسوله. ما يمكن أبدا البقاء على الفرقة، أو الاجتماع على هذا الحال. وهذا كما ستعلمون أن الافتراق وإن كان مذموم ليس في كل أحواله مذموم، بل أحيانا التفرق والافتراق يكون محموداً ولهذا جاء من وصف نبينا كما في الصحيح: «أن محمدا فرق بين الناس». أن محمدا فرق بين الناس. إذا ما في طريقة إلى تصفية الناس إلا عن طريق الافتراق. فلابد من الافتراق كما قال النبي: «وكان من وصفه أنا فرق بين الناس». فرق بين الإسلام وبين الكفر، وبين التوحيد وبين الشرك، بين معتقدات الناس. فينبغي أخواني في الله أن نفهم هذا الفهم، أننا عندما نجعل الاجتماع، ينبغي أن يكون هذا الاجتماع الذي ننادي به صباح مساء يكون على شرع الله، على شرع الله جل وعلا. وتأمل في قول نبينا عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن مسعود عندما خط خطوطا متعرجة، خطوط، وهذا بيان للطرق والسبل التي ستبتل بها هذه الأمة. فلما خط خطوطها قال عليه الصلاة والسلام: «هذه السبل، ما من سبيل إلا وعليها شيطان». طيب ما الذي فعل نبينا إزاء هذه الفرق الموجودة؟ هل جعل عليها دائرة، دائرة كما يفعل الآن كثير من بعض الناس، يجعلون دائرة ومعناها دائرة أن هؤلاء الكل يشملهم الإسلام، وكلنا إلى الله جل وعلا؟ لا، ما فعل نبينا. دائرة ما جعل كلها في حيز واحد، إنما خط خطوطا، ثم خط خطا واحدا طويلة، خطا طويلة، قال: «هذا صراط الله». هذا صراط الله. إذن يا عبد الله أن نعلم على ماذا نجتمع، على هذا؟ ماذا نفترق؟ الاجتماع يكون على الدين. أما أن يكون اجتماعنا على لا دين، على ضلال، على زندقة، على هوى، فلا يا عبد الله. فإن هذا لا يتأتى النظر إلى أدلة الكتاب والسنة، يرى أن أدلة الاجتماع دائما ترجعها إلى شرع الله سبحانه وتعالى. ثم أخيرا أخواني في الله ما يتعلق بذلك، وهي مسألة السادسة: أن التفرق أخواني في الله كما قلنا له آفات عظيمة في دين المرء، وفي دنياه، وبقاء المسائل، لكن يطول ذكرها. وهي مسألة أخيرة، لكن ما يسع المقام لذكرها أخواني في الله ما يتعلق بهذا الباب. فهذا الباب من الأبواب العظيمة التي ينبغي أن يتنبه إليها المسلمون. وهي مسألة المؤلف رحمه الله تعالى استشعر بفداحتها، وهي من أعظم ما خالف نبينا به أهل الجاهلية، حيث خالفهم فيما هم عليه يتفرقون في الدين، وأمرهم بالاجتماع في الدين. ومن أعظم صور التفرق يا عبد الله ما يكون الافتراق في العقيدة، والافتراق في التوحيد، والافتراق في وصول الدين كما عليه أهل البدع: الخوارج، المعتزلة، الأشاعرة، الماتوريدية، الكلابية، الجبرية، القدرية. هؤلاء كلهم ممن تفرقوا في دين الله، كل هؤلاء ممن تفرقوا في دين الله، وافتراقهم مذموم، ولهم نصيب من وعيد الله جل وعلا. فرقوا الناس أمماً، فرقوا الناس أشتاتا، فرقوا الناس طوائف، فرقوا الناس ملل ونحل. جعل بين المسلمين التناحر والبغضاء والعداء على أفكار وعلى أهواء وعلى آراء هم ابتكروها، والوا عليها، وعادوا عليها. فأتوا بالقسم بين أمة محمد الواحدة عليه الصلاة والسلام. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في كتابه «الاستقامة»: «والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالاجتماع». فيقال: أهل السنة والجماعة، ويقال: أهل البدعة والفرقة. فأهل البدع هم أهل فرقة، أهل فرقة. ويدخل كذلك على هذا المسلك من قسم الناس إلى أحزاب وإلى طوائف، هذا يوالي على هذا، وهذا يوالي لذاك الحزب، وهذا يوالي لذاك النظام. هذا كله من تفريق الناس في دين الله جل وعلا. ربنا جل وعلا أمرنا بالتدين له سبحانه وتعالى، وليس هناك إلا سبيل واحد. وعوامل الاجتماع عظيمة، فلا نحتاج لأحد من البشر أن يأتي برأي أو يأتي بفكر أو يأتي بتيار أو يأتي بنظام ويلزم الناس عليه. قرآننا واحد، نبينا واحد، قبلتنا واحدة، وشريعتنا واحدة. كل ذلك من أعظم العوامل على اجتماع الكلمة. وأطيل في هذا المسألة أخواني في الله لعظيم الحاجة إليها، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أزمان التفرق والتشتت. وإلى الله المشتكى. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.