شرح كتاب التوحيد 280

شرح كتاب التوحيد 280

الدرس في شرح كتاب التوحيد 280، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم التصوير ومضاهاة خلق الله

يتناول هذا الفصل شرح الأحاديث النبوية حول تحريم التصوير وتحريم مضاهاة خلق الله، موضحًا أن المصورين سيكونون من أشد الناس عذابًا يوم القيامة. يُبين أن التصوير المحرم هو ما كان لذوات الأرواح.

تفاصيل حول التصوير المحرم والمباح

يشرح هذا الفصل تفاصيل حول التصوير المحرم والمباح، ويوضح أن التصوير المحرم هو ما كان لذوات الأرواح، بينما يُستثنى ما ليس له روح. كما يتناول حكم التصوير الفوتوغرافي.

درجات العذاب للتصوير ومفهوم مضاهاة خلق الله

يتناول هذا الفصل شرحًا لأحاديث النبي حول درجات العذاب للمصورين ومفهوم مضاهاة خلق الله، موضحًا أن التحريم لا يتوقف على نية المضاهاة بل إن الفعل نفسه يعتبر مضاهاة.

ختام الدروس بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم هذا الفصل الدروس بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في نيل رضا الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّدنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهؤون بخلق الله». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، والذي بواب عليه رحمه الله تعالى باب ما جاء في المصورين، أي باب ما جاء من الوعيد والأكيد والتشديد في أمر المصورين. وهذا الذي بين أيدينا هو الحديث الثاني الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى، وهو عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وقوله: «ولهما» أي في البخاري ومسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهؤون بخلق الله». أشد الناس عذابًا يوم القيامة، أي ما هناك عذاب في نار جهنم بمثل ما يكون في عذاب وتعذيب هؤلاء. والذين هم يضاهؤون بخلق الله، يضاهؤون بمعنى يشابهون الله، يشابهون الله سبحانه وتعالى في خلقه، هذا معنى الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهؤون بخلق الله»، حمل كثيرٌ من العلماء هذا الحديث على أن هؤلاء من عداد الكفرة، هؤلاء من عداد الكفرة الذين سيصلَّت عليهم هذا العذاب الأليم. وهنا إخواني في الله، ناسب أن نذكر أن ما يتعلق بالتصوير، منه ما يكون كفرًا مخرجًا من الدين والملة، ومنه ما يكون دون ذلك. فمتى يكون التصوير كفرًا؟ قال العلماء: يكون بأحد وجهين اثنين، بأحد وجهين اثنين يكون هذا من علاد الكفرة. الصورة الوجه الأول: أنه يتخذ صورة لكي تعبد من دون الله، يتخذ صورة لكي تعبد من دون الله. أشرنا في درس أمس أو قبل ذلك إلى ما هو الرابط بين الكفر والشرك وبين التصوير، وأشرنا إلى حال الأمم أن التصوير والتكوين والتشكيل أصبح تمهيدًا لوقوع الأمم والجماعات في الكفر. فمن اتخذ صورة أيًا كانت لكي تعبد من دون الله، فهذا كفر. الوجه الثاني الذي يكون التصوير به صاحبه كافر: أن يتخذ صورة ويعتقد أن هذه الصورة التي اتخذها هي أفضل من خلق الله الذي أوجده الله. بعض الناس لربما يسبح به الخيال إلى أن يتصور أشكالًا ومناظر، ثم يرسمها رسمًا يصورها تصويرًا، ويعتقد أن هذه الصورة التي رسمها هي أفضل من هذا الخلق الموجود الآن. فمن فعل هذا واعتقد هذا فهذا كافر، لماذا؟ لأنه يستلزم من فعله واعتقاده التنقص في حق ربه سبحانه وتعالى. مع أن الله عز وجل عندما أراد أن يؤكد على خلقته للآدم أقسم ربنا بأقسام عدة، فقال سبحانه: ﴿والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾. أحسن هيئة هي هيئة الإنسان كاملة مكملة من كل الوجوه، ما فيها نقصان، جعله الله كاملًا في هيئته. ثم يأتي من يأتي ويقول بعدما يتصور صورة لشكل إنسان: هذه الصورة أفضل من هذه الخلق، هذا كافر إذا اعتقد ذلك. فهذا كافر، هذه الصورة والتي قبلها نعم، من فعل هذا فإنه يدخل في الكفر. وبهذا حمل حمل العلماء هذا الحديث على أمثال هؤلاء. وهناك ما دون هذا يكون من التصوير الذي صاحبه يعذب، لكن عذاب من أهل الكبائر، فهو يعذب كذلك عذابًا شديدًا، لكن ليس مخلدًا في نار جهنم. وهو كما أشرنا في دروس سلفت، كمن أراد أن يتخذ صورة من تماثيل عن طريق النحت، ومثله وأمثاله، والذي يعبر عنه الفقهاء بما له ظل، كل صورة لها ظل هذا تدخل في الصورة المحرمة، وصاحبها كذلك متوعد بالعذاب الشديد كما سيأتي معنى في النصوص. ويدخل في ذلكم أيضًا الرسم، الرسم رسم اليد والتلوين، وكما قلنا وهذا مخصوص محصور بما له روح، بما له نفس كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وأما ما لا روح فيه وما لا نفس فيه، فهذا قد خرج من عموم التحريم، كمن يصور يرسم ينحت كما يقال جبلًا أو بحرًا أو صحراء أو أراضي لا روح فيها، فهذا لا إشكال فيه. وأما ما تعلق بالتصوير الفوتوغرافي، نعم تكلم العلماء فيه على تفاصيل سيأتي في حينها، لكن ما لم يكن له حاجة فإنه يدخل في عموم التحريم كما قال العلماء. إذن هذا معنى الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهؤون بخلق الله»، يضاهؤون أي يشابهون. وقلنا هذا الحديث إما يحمل على المضاهاة الكفرية، ويتحمل على أحد صورتين، وهي إما أن يتخذ صورة لكي تعبد، أو يتخذ صورة ويراها أفضل من خلق الله، وهذه المضاهاة الكفرية فإن صاحبها مخلد في نار جهنم لأنه من عداد الكفرة. والصورة الثانية هي المضاهاة الغير كفرية، وهي ما كان دون ذلك. هنا تأتي مسألة كذلك متعلقة بهذا الحديث، على القول بأننا نتحدث عن المضاهاة الغير كفرية، وذلك من سوّلت له نفسه أن يرسم وأن ينحت بشرًا وآدمي، فإنه يدخل في هذا العموم. إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة قد يشكل هذا الفهم مع بعض الناس، يقول: طيب لو أني نزلت هذا الحديث أن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة أمثال هؤلاء الذي يرسم والذي ينحت، طيب هذا يعتبر من أشد الناس، ما هناك أحد أشد منه؟ بل يوجد من هو أشد منه. إذن كيف نحمل هذا الحديث؟ انتبه معي الآن، إذا فهمنا أن هذا الحديث يتحدث عن من هم من عداد أصحاب الكبائر، رجل أصبح ينحت نحتًا ويمثل تمثالًا ويرسم رسمًا كالرسامين، ويرسم بشرًا وآدميين، فذكر يا عبد الله اتق الله لا تفعل هذا، اتق أي صنعة إلا هذه الصنعة ابتعد عنها. ثم إذ بنا نذكره بما جاء من الوعيد كهذا الحديث: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة»، قد يقول قائل: طيب هذا أشد الناس عذابًا، طيب ما الذي نفعل بالزنادقة؟ وما نفعل بالذي فعل ما هو أعظم من هذا؟ كالذي قتل نفسًا، والذي أليس هؤلاء أشد منه العقوبة؟ فكيف هذا أعظم منه إثمًا؟ هنا العلماء قالوا: هذا الحديث على هذا الفهم يحمل على عدة محامل. أولًا: أن هذا الحديث فيه تقدير، تقديره إن من أشد الناس عذابًا، عندي هنا التقدير من، ومن للتبعيض، أي ليس هذا صاحب التصوير هو أشدهم، بل هو من أشدهم، أي أن هناك من سيشاركه في العقوبة، ومن هو منه أشد من عقوبة. ويدل على هذا ما جاء في بعض روايات: «إن من أشد الناس عذابًا»، هذا حل. وبهذا نفهم أن ليس هؤلاء هم القمة، بل هناك من ينازعهم من يدخل معهم في العذاب الشديد. الأمر الثاني: أن هذا الحديث كما سمعت يحمل على من اتخذ صورة وأراد منها العبادة، فهذا أضاف أتى بالشرك وأتى ما هو أعظم من الشرك، وهو الدعوة إلى الشرك، فهذا جمع بين آفتين عظيمتين: الشرك والدعوة إلى الشرك، فما هناك أحد أعظم منه، هذا الحل الثاني. الصورة الثالثة في فهم الحديث: أن هذا الحديث أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة هؤلاء الذين يخلقوا خلقًا ويراد أن يتحدى الله في رسمه وفي صنعته وفي حرفته، فهو يعتقد هذا التحدي، هذا لا هناك أحد أعظم منه إثمًا، فهو أشد الناس عذابًا يوم القيامة، هذا الأمر الثالث. الأمر الرابع في فهم هذا الحديث قال العلماء: أن الأشدية هنا نسبية، نسبية، ما معنى نسبية؟ أن نقول: أشد الناس عذابًا في باب الصناعة، أشد الناس عذابًا في باب الصناعة، لأن هناك عذاب في باب الأخلاق، عذاب في باب المعاملة، عذاب في باب الكفر، كل هناك عذاب على حسب المراحل، هناك عذاب متعلق بالصناعة، فأشد الناس عذابًا من يعذب على صناعته، هذه الصنعة أنك تمتهن صنعة الرسم وفعل التماثيل ونحتها على شكل ما له روح. وهذا الذي كما يقال ارتباه جماعة من أهل العلم كابن عثيمين رحمه الله تعالى وجماعة. فهذه أربعة محامل في فهم هذا الحديث: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة»، إما يحمل على تقدير إن من هذا واحد، وإما يحمل على من اتخذ صورة لكي تعبد، أو من أراد من صورة أن يتحدى الله عز وجل في هذه الصناعة، أو ثالثًا رابعًا أن يحمل هذا الحديث على من اتخذ صناعة، فهو من أشد الناس عذابًا في باب الصناعة، في هذا الباب المعين، ليس في باب العذاب عمومًا، يسمى هذا الباب الأشدية النسبية. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «الذين يضاهؤون بخلق الله». مسألة أخيرة في هذا المبحث ألا وهي: هل لا بد في التحريم في تحريم التصوير من أراد نحتًا من أراد رسمًا أنه يريد هذه الإرادة يريد أنه يضاهي خلق الله؟ قال العلماء: هذا ليس بشرط، هذا ليس بشرط، بل وجود هذا الفعل منه حرام، لأن هذا الفعل في حد ذاته مضاهاة، سواء قصد أو لم يقصد. مثاله ما لو أن رجلًا خرج علينا بلباس غربي، بلباس غربي، قيل له: يا عبد الله لا تفعل هذا اللباس ولا تلبسه، قال: لم؟ قلنا: يا عبد الله هذا من لباس الكفرة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بالكفار، فإذا قال لك: قال والله والله أنا ما أردت أن أتشبه بالكفار، ما أردت هذا، لكن رأيت أنها موضة، هذه موضة عصرية، أنا فعلتها، أنا فعلت بقصد الموضة، ما كان في قلبي ولا في خلدي أن يتشبه بالغرب ولا بالشرق، فلا تلزمني بالتشبه. فماذا الحل؟ نقول: لا، ولا تتذرع بهذا، فعلك فعلك بحد ذاته فيه تشبه، فعلك سواء قصدت التشبه أو لم تقصد التشبه، فعلك هو بحد ذاته تشبه واضح المسألة؟ إذن افهم التصوير على هذا الفهم، فمن رسم أو نحت ثم يذكر به مثل هذه الأحاديث فيعتذر لك يقول: والله أنا ما أردت أن أضاهي خلق الله، حاشا وكلا، أستغفر الله أن أضاهي بخلق الله، لكن هذا رسم. قل: رسمك هو في حد ذاته مضاهاة. ويوضح هذا الحديث ويؤكد هذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون». فجاء الحكم عام، فجاء الحكم عام، المصور سواء أراد المضاهاة أو لم يرد المضاهاة. فإن أراد المضاهاة وأراد أن بفعله يكون أفضل من خلق الله، فهذا يدخله في حيز الكفر. فإن لم يكن هناك مضاهاة وإنما رسم فقط، فإن هذا يجعله في حيز التحريم. هذا أخوان في الله ما يذكر في هذا الباب وفي حديث عائشة خاصة من مسائل أحكام. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.