شرح كتاب التوحيد 279

شرح كتاب التوحيد 279

الدرس في شرح كتاب التوحيد 279، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم التصوير وتخليق الكائنات

يناقش تحريم التصوير وتخليق الكائنات مستندا إلى حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى. يُفسر هذا الحديث على أنه تحذير من منازعة الله في خصائصه مثل التخليق والتكوين.

تحريم مضاهاة خلق الله وتجسيم المخلوقات

يتناول تحريم مضاهاة خلق الله وتجسيم المخلوقات مثل التماثيل والرجل الآلي، ويبين أن هذه الأفعال تعتبر محاولة لإيجاد خلق الله. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتحريم هذه الأفعال.

تحدي الله تعالى للبشر في خلق المخلوقات وتحريم التصوير

يتناول تحدي الله تعالى للبشر في خلق المخلوقات ويبين أن التحدي لا زال قائما رغم ادعاءات البشر خلق أشياء صناعية. كما يتناول حكم التصوير في الإسلام حيث يرى عامة العلماء أن التصوير المحرم هو تصوير ذوات الأرواح.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كنا بالأمس في هذا الباب الذي بوب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء في المصورين»، وأشرنا إلى علاقة الباب بما قبله، وعلاقة الباب في كتاب التوحيد، وأشرنا إلى المناسبة من إدراج هذا الموضوع في كتب العقيدة والتوحيد، وأشرنا إلى مسألتين اثنتين، أولاهما مسألة المضاهاة، والثانية أنها من وسائل الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة». أخرجاه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو من أوائل استدلالاته على هذا الباب، فأورد لنا الحديث القدسي الذي فيه قال الله جل في علاه: ﴿ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي﴾. ومن قال: علماء هذا استفهام، والاستفهام هنا استفهام إنكاري متضمن للتحدي، وهذا الأسلوب أبلغ من النفي المحض؛ لأن فيه نفيا وزيادة، ما هي الزيادة؟ التحدي، أي أن الله عز وجل يتحدى من يفعل هذا الفعل، وهو أن يخلق كخلق الله سبحانه وتعالى. فقال جل في علاه: ﴿ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي﴾، فيه بيان على أن هذا من أشد أنواع الظلم، مع الرب عز وجل، أنك تنازع الله فيما هو من خصائصه. قد مر هذا معنا في درس أمس، إذ أن التخليق والتكوين والتصوير هو من خصائص الله، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء. فإذا وجد الإنسان نفسه أنه ينازع الله في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى، فقد وقع في الظلم، بل في أشد الظلم، وبهذا نعلم أن هذا من كبائر الذنوب. فقوله: ﴿ومن أظلم﴾، أي ما هناك أحد أظلم منه. طيب، هنا إشكال قد يشكل هذا مع بعض النصوص الشرعية التي جاءت على هذا المنوال، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾، وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾، فعلى ماذا يحمل؟ قال علماء: تحمل على أن هذه الأفعال وهذه الأقوال مشتركة في الظلم، وأنها في أعلى قمة الظلم. فهذه النصوص التي جاء فيها التمهيد بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن أظلم﴾، إذن أعرها يا عبد الله اهتماما، ويظهر الاهتمام بهذا أنك لا تتلبس بها؛ لأنها من أعظم الظلم، فإثمها من أشد الإثم، فهي من كبائر الذنوب، كهذا الذي بين أيدينا، ومنه قضية التخليق، ومنه التصوير. فقال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، أي إذا وجد الإنسان أنه يريد أن يفعل شيئا كخلق الله. طبعا نحن في هذا الزمن المعاصر، الأفكار الشيطانية تساور أهل الكفر والشر، وخاصة الملاحدة، الذين كفروا بالله وجحدوا، ويلوحون أن الأمر ما هناك رب ولا خالق ولا رازق. فهذا الذي أوردهم مثلا على أنهم يريدون أن ينشئوا خلقا، ينشئوا خلقا، يرون أن العلم الحديث مهد لهم على أنهم يأتون بجثة، آدم عين من هنا، قلب هذا، يد هذا، فيأتون بأشياء مركبة من الآدميين. فأخذوا ولا زالوا يفكرون بقذف الروح إليه، فلا زالت عندهم المختبرات والفحوصات حول بحث مادة الروح، حتى تكون جرعة أو تكون إبرة أو تكون إشعاعا تلقى على هذه الجثة، فتقوم الروح وتقوم هذا الجسد يفكرون بهذا. وهذا غباء، ولن يصل أحد أبدا إلى هذا. ﴿يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾، أمر خصه الله عز وجل، لا أحد يطلع عليه. فهؤلاء يريدون خلق خلق الله، يريدون، لكن ما استطاعوا ولن يستطيعوا. ومما يدخل في محاولة إيجاد خلق خلق الله ما ذكره العلماء من قضية التصاوير، وعلى رأسها التماثيل، أن يأتي واحد وينحت نحتا على صورة آدمي، على صورة بشري، ويريد بهذا أن يضاهي خلق الله. وهذه المضاهاة إخواني، ليست من شرطها أو من شرط إرادة صاحبها أنه يريد أن تعبد من دون الله، هذا ليس بلازم، فقط فعله مضاهاة لفعل الله، محاولة إيجاد خلق خلق الله. ولهذا اتفقت كلمة العلماء على التحريم مثل هذه التماثيل والأنصبة التي تقام على شكل وتجسد الآدمي وغيرها من ذوات الأرواح. ويدخل في ذلك التراسيم التي باليد؛ لأن هذه كلها مضاهاة لخلق الله جل وعلا. فعليك يا عبد الله أن تكف عن ذلك. وأعظم من هذا مما كذلك يجري الآن في العصر الحديث مع هذا التطور العلمي ما يسمى بالرجل الآلي، ما يعبر عنه بالروبوت، الرجل الآلي، الإنسان الآلي. هذا من حيث أنه جهاز عصري يستفاد منه، ما فيه إشكال، مثل أي أجهزة عصرية تستفيد البشرية من هذه المقترعات الموجودة. لكن الإشكال لماذا يجعل هذا الآلة تجعل على شكل آدمي؟ بل ولا زالت الأخبار تطلعنا على تلبيس هذا الرجل الآلي على شكل آدمي، حتى أنك ما تميز بينه وبين الحقيقي، يعطى له صبغة، صبغة كاملة، تجد أن له جلدا وله شعرا وله عينا وله فما وله أنفا، يمشي ويتحرك. طب لماذا هذا كله؟ هذا من مضاهاة خلق الله عز وجل. أهذا خلقه الله؟ لا، ما خلقه الله. إذن تريدون خلق خلق الله؟ تريدون خلق خلق الله؟ هذا نعم. لهذا أفتى علماء على التحريم لهذا؛ لأنه رجل آلي يفعل بأي صورة، هذا جهاز مثلا، ما فيه تجسيد، مراوح، مكيفات، أميال، وقس على ذلك من الآلات المتطورة، ما هناك إشكال في إباحتها وجواز صنعها. لكن أما أن تعطى هذه الصبغة بأن تضاهي خلق الله، هذا لا يجوز بحال، ما يجوز. طبعا وقس على ذلك، ومهما صنعوا، فإن فرق بين خلق الله وبين خلق البشر، ولو حاولوا. فانظر للآدمي الحقيقي، وانظر للآدمي المصنع، هذا الآدمي المصنع لو أخذته وغمسته في البحر تكهرب، يتكهرب، ثم ترمي به. لكن الآدمي الحقيقي ارمه في البحر، ما سيتكهرب، صنعة الله عز وجل. ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، مهما حاول البشر أن يضاهئ خلق الله، والله ما استطاع لا ولن، لا ولن. لكن مع هذه المحاولات فهم في إثم، فهم في إثم. فقال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة». الذرة هنا هو صغار النمل، صغار النمل، يقال عنه ذرة. وهذا عندنا في اللغة دارج، يقال لك: الدر، ليش؟ يقول: هذا در، در هو نفسه ذرة. وفي اللغة العربية، وفي عالم الحشرات يفرقون بين هذا العالم بين النمل النمل الصغير، وبين النمل الكبير، الكبير يسمى نمل، وإذا أطلق النمل فهو على هذا الكبير. أما الصغير هذا يسمى درا، يسمى درا. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فليخلقوا درا أو ليخلقوا حبا أو ليخلقوا شعيرا﴾، هذا خرج ما خرج التحدي، خرج ما خرج التحدي. الله عز وجل يقول للبشرية جمعاء: إذا أردتم أن تخلقوا كخلقي، ومن هذا الذي يخلق كخلقي؟ إذن أروني ماذا خلقتم؟ أخلقوا ذرة، صغار الدابة، أو حبة أو شعيرة، ولن يستطيع أحد. على هذا يبقى إشكال، الإشكال قد يقول: قال يا أخي، لكن نتكلم نحن كبحث علمي، الآن قد وجد ما يسمى بالرز الصناعي، هذا موجود، نعم موجود في بعض الدول، ويستخدم ويباع ويؤكل لهم مكونات خاصة، يصنع، يقال: هذا رز صناعي. فعلى وجود هذا النوع مثلا قد يقول: أليس الآن البشر استطاعوا أن يخلقوا أشياء، أن يوجدوا أشياء؟ فالله يتحداهم: أخلقوا ذرة، أخلقوا شعيرة، قالوا: نعم خلقنا يا رب، خلقنا رز صناعي، ما يمت إلى الطبيعة بصلة. فكيف الرد؟ الرد على هؤلاء كما قال العلماء: أن التحدي لا زال قائما، التحدي لا زال قائما. فربنا عز وجل يتحدى هؤلاء وأمثالهم: أخلقوا خلق الله، خلقتم الرز الصناعي، تعالوا، ما هو الرز الصناعي؟ هذا الرز الصناعي الذي عندكم، أرموه، اجعلوه في أي تربة، في أحسن تربة، وأعطوه أفضل بيئة، أفضل بيئة، جو يهيأ له هذا النبات، وإلا الآن قال العلم: تطور عندهم المشاتل الصناعية وغير ذلك كذلك. أعطوا أفضل سماد يا أصحاب الرز الصناعي، بماذا ستخرجون لنا بهذه المكونات حبة؟ رميتموها في تربة، في بيئة، مع سقيا، ما الذي ستنبت؟ لن تنبت لكم شيئا؛ لأنها غير قابلة للتكاثر أو النمو. لكن تعالوا إلى رز الطبيعي، ارموه يكبر، ينشأ، ينمو، هذا خلق الله، هذا هو خلق الله عز وجل. فالتحدي لا زال قائما، لن يستطيع أحد أبدا أن يفعل كالذي يفعله ربنا عز وجل في مخلوقاته. أضف إلى ذلكم الذي يدعي أن هذا رز صناعي، نص صناعي، غير ذلكم يقال: أن الله عز وجل يتحداكم أن توجدوا هذا الشيء من العدم، من العدم. ولو جئنا إلى هذه النبتة الصناعية وتم تفكيكها لرأيت أن المكونات تعود إلى أشياء من خلق الله، من خلق الله، استعانوا ببعض الألياف، استعانوا ببعض الأشياء، من أين جئتم بها؟ جئتم بها من الرب، من خلقه، من طبيعته التي أودعها الله عز وجل في كونه. فلا زلتم عالة على الله عز وجل مهما ذهبتم. ولهذا ما هناك شيء يستشكل أمام هذا الحديث، فالتحدي لا زال قائما: ﴿فليخلقوا ذرة وليخلقوا حبا أو ليخلقوا شعيرا﴾. هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا الحديث، وفيه مسائل، لكن يرجى الحديث عنها بإذن الله في مسائل ستأتي. لكن يستفاد من هذا الحديث على أن هذا الباب من الأبواب التي يحذر فيها شرعنا الحكيم عن قضية التصوير، عن قضية التصوير، وخاصة ما كان من ذوات الأرواح. صحيح مسألة، ولا كنت أحب أن أخوض فيها، لكن من باب الفائدة. نعم، هذا الحديث استدل به من استدل على تحريم تصوير أي شيء، أي شيء، حتى تصور شجرة، نبات، ما يجوز، نعم، قاله مجاهد رحمه الله تعالى، وبعض السلف: لا تصور أي شيء. لكن هذا ليس بصحيح، عامة العلماء على أن التصوير، التشكيل، والنحت، والتماثيل، والترسيم، إنما يتعلق بذوات الأرواح، بذوات الأرواح، كل ما له روح هذا يدخل في التحريم. أما ما لم يكن فيه روح، مثل أنك تنحت أو ترسم أو تشكل مثلا جبالا، جبال هذا ليس فيها شيء، بحار، ليس فيها شيء، أراضي، صحاري، قفار، هذا ليس فيه شيء بالإجماع. وقع الخلاف مسألة النبات، وقع الخلاف مسألة النبات، كالأشجار والنباتات والزهور والورود، وقس على ذلك. نعم، كان مجاهد يسد هذا الباب، ويرى أن هذا لا يجوز؛ لأن فيه نوع نمو، نوع نمو، وهذا النمو يعتبر شيئا من الروح. والصحيح الذي عليه عامة العلماء أن النباتات لا تدخل في التحريم، ليس فيه شيء، كونك ترسم شجرة، وردة، زهرة، نبات، حقل، محصول، فواكه، هذا كله قول عامة الفقهاء ليس فيه شيء، وعلى هذا فتوى الصحابة. ففي صحيح مسلم أن رجلا أتى ابن عباس وسأله عن الرسم ونحو ذلك، فقال ابن عباس: «إن كنت ولابد فاعلا»، قال: «فعليك بالشجر وما لا نفس فيه»، فعليك بالشجر وما لا نفس فيه، أرسم هذه الأشياء؛ فإن هذا لا عتب فيها. فالشاهد، فهذا مما يستثنى، وسأتي معنى كذلك التفاصيل في الأحاديث القادمة بإذن الله. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.