شرح كتاب التوحيد 277

شرح كتاب التوحيد 277

الدرس في شرح كتاب التوحيد 277، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الإيمان بالقضاء والقدر

يؤكد على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر كأحد أركان الدين، ويبين أن عدم الإيمان به قد يؤدي إلى النار. الإيمان بالقضاء والقدر يتضمن الإيمان بأن كل ما يحدث بقدر الله.

تحذير من التفكير المفرط في القدر

التفكير المفرط في القضاء والقدر يمكن أن يؤدي إلى الوساوس والضلال، وقد تسبب في انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق مختلفة. ينصح بالاكتفاء بما جاء في الشرع وعدم الخوض في أسرار الله.

أهمية الرجوع إلى أهل العلم

يؤكد على ضرورة الرجوع إلى أهل العلم عند مواجهة الشبهات والمشكلات الدينية، ويحذر من الذهاب إلى غيرهم في المسائل المصيرية. يشير إلى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى كبار العلماء في حل القضايا العقدية.

خاتمة في إثبات قدر الله تعالى

يختم بالتأكيد على إثبات قدر الله تعالى بناءً على الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويتمنى أن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال رضي الله تعالى عنه: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. قال أي ابن الديلمي: قال فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه. ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي عقده بعنوان «باب ما جاء في منكر القدر»، ختم هذا الباب بهذا الحديث، وما كان من سؤال ابن الديلمي رحمه الله للصحابة الأجلاء في باب القضاء والقدر، وسمعنا كيف كانت إجابتهم. وهذا الحديث إخواني في الله فيه من الفوائد: أولا، فيه التأكيد لما قد مضى وقد قرر من وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، فهو من أركان الدين ومن واجبات العقيدة والتوحيد، فلا إيمان إلا بالقضاء والقدر. وفي هذا الحديث، عندما قال أبي: «ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار»، مر معنى أن من أهل النار قد يكون هذه النار نارا أزلية أبدية تكون خالدا مخلدا فيها، إذا كان إنكارك للقضاء والقدر جملة وتفصيلا، أو ما كان عليه بعض الناس ممن أنكر علم الله السابق، أو يكون النار هي نار البدعة تعذب بها إذا كان إنكارك لما دون ذلك من أنكر المشيئة أو خلق أفعال العباد، وقد مضى ذلك معنا. الفائدة الثانية من هذا الأثر، وهذا الحديث فيه بيان لمعرفة ضابط الإيمان بالقضاء والقدر، أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وهذه قاعدة عظيمة ينبغي أن تكون في نصب أعيننا في ليلنا ونهارنا ونحن في هذه الحياة الدنيا، تعلم أن ما أصابك هو المراد أراده الله أن يصيبك، ما هناك خطأ، ما هناك عشوائية، ما هناك فوضى في باب القضاء والقدر، كلا وحاشا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. كل شيء، ولهذا من أخطاء بعض الناس ما يكونه البعض في أنفسهم، بل بعض يصرح، مثاله بعض الناس في باب الموت إذا مات عليه ميت، لربما تسمع من بعض يقول: ما هو يومك، ما كان بيومك، إذن كيف يعني؟ هل هناك خطأ في قبض الأرواح؟ يعني وخاصة إذا كان الميت شابا، ما ليس بيومك، ما كان بيومك، ونحو ذلك من عزاء الجاهلية. لا يا عبد الله، بل هو يومه، بل حتى الذي يخرج من بطن أمه في اليوم الأول يموت، هذا يومه، هكذا قدر الله عز وجل كل شيء بقدر، فينبغي أن تعلم أن ما أصابك يا عبد الله من خير، وهكذا من شر، من مرض، من فقر، من آفة، من ضيق، من حرب، من كرب، من هم، من غم، من ضيق، من حرج، ما من شيء أصابك أراده الله أن يصيبك. وإذا كان هناك من أمر من الأمور فاتك من أمور الخير فاتك، هذا الخير ما كان من نصيبك، لربما أنت تقوم على أمر خيري، لربما ما توفق، تقول: أي شهادة يا رب؟ تقول فيما بينك وبين ربك تناجيه: يا رب ما أردت إلا الخير، ومع ذلك ما وفقك الله، هل في هناك خطأ في المقادير؟ لا، الله عز وجل قدر لك ذلك لحكمة، والإنسان عليه أن يعلم أن أفعال الله تقوم على الحكمة كذلك. الفائدة الثالثة من هذا الأثر، ما قاله ابن الديلمي رحمه الله تعالى: قال أتيت أبي بن كعب فقلت في نفسي شيء من القدر. نعم، القدر كثيرا ما يحك في النفس، يحك في النفس أحيانا، بعض الناس إذا جلس فيما بينه وبين نفسه، لا زال يتفكر في أمر القضاء والقدر: كيف؟ وليش؟ ولما؟ قد كتب الله علينا الأمور، فنحن نسير على إيش؟ فعلى ما أن نعمل؟ ولا زال الإنسان من نفسه أو من شيطانه ينفخ فيه الوساوس والهواجس في باب القضاء والقدر. ولهذا نجد في الأمة الإسلامية أن الفرق والملل والنحل من أعظم ما فرقها عن باب الجادة والطريق المستقيم هذا الباب، باب القضاء والقدر، فانفصلت الأمة بين قدرية ينفون القدر، وبين جبرية، فضلت المعتزلة، وضلت الأشاعرة، وضلت الماتوريدية، وقس على ذلك ما شئت، بل ظهر الإلحاد، ظهر الإلحاد عند بعض الناس عندما أراد أن يمعن النظرة في قضاء الله وقدره، فلا زال الملاحدة يتفوهون به مثل هذه الكلمات: إيش من رب هذا؟ لو كان رب يقدر علينا الحروب، لو كان رب يقدر علينا هذه الأمور، فلا زال يتسخطون على ربهم حتى كفروا. ولهذا من عبارات سلفنا الصالح التي ينبغي أن تحفظ قولهم: القدر هو سر الله، اكتفي بهذا، هو سر الله في خلقه، هو سر الله أعلم بما يريده من خلقه وعباده، هذا على ضلال، وهذا على رشاد، وهذا على خير، وهذا على مرض، وهذا على صحة، هذا في رغد، وهذا في ترف، هذا في ضيق، هذا في مجاعة، لما الله أعلم بما يريده، لا يسأل عما يفعل جل في علاه، لا يسأل ربنا سبحانه وتعالى، نعتقد بأن لنا رب غفور رحيم حكيم في تصرفاته، يكفيك هذا يا عبد الله، لا تدخل عقلك، فإنك لو أدخلت عقلك والله الذي لا إله إلا هو لن تجد جوابا، ما تجد، لأن هذا سر سر الله في خلقه. ولهذا يا عبد الله اعمل بما أمرك الشرع أن تعمل به، ربنا سبحانه وتعالى أوجدنا في هذه المعمورة ودلنا على الخير وعلى الشر، قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، النجد هو الشيء المرتفع، وما المقصود؟ وهديناه النجدين أي الخير والشر، طريق الشر واضح مثل النجد شيء مرتفع واضح، وطريق الخير كذلك واضح مرتفع، نجد، هديناه، فالله هداك تريد الخير امشي هذا طريق الخير: المساجد، الصلاة، الزكاة، طاعة الوالدين، الأخلاق، الآداب، السلوك، هذا طريق الخير، امشي، هل هناك أحد أجبرك؟ وطريق الشر كذلك هذا مسلكه واضح: المعاصي والذنوب والحرمات والمحرمات والعظائم والكبائر والموبقات، الزنا، الربا، الفجور، واضح، تريد هذا ادخل، تتحمل تبعاتك، هنا على هذا الحد لا تتدخل في قدر الله، الله قدر عليك كذلك، ما تدري ما الذي قدره الله عليك إلا بعد وقوعه. ولهذا إخواني في الله فإن القدر من أعظم ما يحك في الأنفس، ولهذا قال هذا ابن الديلمي: قال في نفسي شيء من القدر، صحيح، ولهذا الإنسان لا يتوغل في باب القضاء والقدر لأنك لن تروم له جوابا. الفائدة الأخرى المستفاد من هذا الأثر، وهو على أنه من ابتلي بشيء مما يقع في النفس عليه أن يسارع إلى إزالته، سارع في إزالته، طرأ في قلبك شبهة، طرأ في قلبك أمر من الأمور تجد أنها تجول في خاطرك فتؤدي إلى الشك والريب في الدين والشريعة والملة، هنا حاول يا عبد الله أن تنتزع هذه الفكرة، انتزعها، اخرجها، لا تبقيها، لا تبقيها، لأن بقاءها بقاءها لربما ولدت وفرخت من الضلال ما الله به عليم، فإن الشر لا يولد إلا الشر، وأن الشك والريب من صور الانحراف عن الطريق المستقيم. ولهذا نحن ابتلينا في هذه الأزمان، وخاصة مع هذا الانفتاح الانفتاح اللامحدود على أمم وشعوب وعادات وتقاليد وأديان أديان شتى ومِلَل كثيرة لا تعد ولا تحصى، والكل يأتي بزبالاته، يأتي بزبالاته، وبعض المسلمين للأسف يرعى سمعه لهذا ولذاك، فلربما كانت من بعض الأمور ما يقع في القلب تغدق الشك، غير معتقد بما قالوا، لكن وقع في قلبه شك، مثاله ما نسمعه الآن مع كثرة وسائل الإعلام أو القنوات الرافضية، فإنهم يبثون الشبهات حول عائشة، حول الصحابة، حول خلافة علي، حول وصية علي، غير ذلك، أنت غير مقتنع، لكن سمعت يوما من الأيام كلمة منهم وقعت في نفسك، لاحت فيك شبهة، هنا انزعها، اخرجها، لا تبقيها، فإن هذا البقاء سيولد عليك شرا يوما من الأيام. مثاله ما يدند به البعض من إنكار عذاب القبر، وللأسف للأسف انطلت انطلت هذه الفكرة الخبيثة الدسيسة المميتة عند كثير من الناس، بعض ما يتفوه بمسألة عذاب القبر وهل هو حقيقة أم ليس بحقيقة؟ بل أصبح هذا في نفسه من كثرة ما يطرق على مسامعه: هل هناك عذاب قبر؟ هل هناك دليل يدل عليه؟ هل في قرآن شيء اسمه عذاب قبر؟ هو يحدث نفسه، لكن سكت، لا انزع، انزع يا عبد الله مثل هذه المسائل. ولهذا قال الإمام البربهاري رحمه الله: قال «وأن كل بدعة حصلت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق، يشبه الحق، فاغتر بها من لا يعرفها حتى أصبح الدين يدان به»، انظر كيف كان أولها شبه صغيرة، لكن مع الاستمرار ولازال يسقيها بماء الشك والريب حتى أصبح الدين، وبعد ذلك ما استطاع أن يخرج منه. ولهذا أحسن هذا الرجل عندما وقع في قلبه شيء من القدر سارع في إخراجه. الفائدة كذلك من فوائد هذا الحديث أن من أعظم ما يزال به الشبه والشكوك وما كان من أمر الريب في الدين والعقيدة والملة ما يكون من رجوعك إلى أهل العلم، ارجع يا عبد الله إلى العلماء، هم الأطباء، إذا كان الدكتور وطبيب الأبدان، فإن العلماء هم أطباء الشريعة والعقيدة، يصلحون ويصححون كل ما يتلف من دينك، ارجع إليهم. وهذا مما أمر الله عز وجل به، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فأشار ربنا سبحانه وتعالى على أن الإنسان إذا ابتلي بشيء من المعضلات بشيء من المشكلات والمتلبسات كالنوازل الحاصلة، فحينئذ يا عبد الله اذهب إلى أهل العلم. وتأمل إلى وصف القرآن إلى أهل العلم إلى أولي الأمر، لا تذهب يا عبد الله في المسائل المصيرية العظيمة جاءت بها إلى إمام مسجد أو إلى واعظ أو إلى داعية أو إلى طويل بعلم، فضلا أن يكون مفكرا أو مرشدا، لا، لا، هذا ليس لهم مقام في باب النوازل، قال ربنا: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، أهل الاستنباط، هذا ليس كل أحد يحسنه، نعم، نحن في العلم كثير، لكن في باب الاجتهاد قليل، ابحث عن هؤلاء الذين رسخت أقدامهم في العلم والعقيدة والتوحيد والسنة، ارجع إليهم، أحل المسائل العظام إليهم، مسائل العقيدة، مسائل الدماء، مسائل الأعراض، اسألوهم، ارجع إليهم، هؤلاء سيفتونك بما آتاهم الله من علم. ولن عبره إخواني في الله في الأمور الحاصلة في هذه الأزمان الغابرة عندما انعكست الموازين عند الناس، فكان حالنا كحال الذي قتل مئة نفس أو تسعة وتسعين نفسا، فبذل أن يذهب إلى عالم، ذهب إلى عابد، فما الذي فعل؟ أساء، أساء العابد أيما إساءة، لكن لما جاء بعد ذلك إلى العالم تحسنت الأمور وتاب الله على من تاب عليه. وهذا الذي ابتلينا به في هذه الأزمان أن تجعل هذه الملفات العظيمة الخطيرة تحال إلى أشباه العلماء من الصغار من الأحداث، الذين منهم الأحداث، ولهذا أمر ربنا جل وعلا بالرجوع إلى الكبار، ولهذا انظر ابن ديلم أين ذهب؟ ذهب إلى كبار الصحابة، ذهب إلى أبي بن كعب، ذهب إلى حذيفة، ذهب إلى عبد الله بن مسعود، ذهب إلى زيد بن ثابت، كبار الصحابة من علماء الصحابة، فأفتوه بعلم وبصيرة. وأخيرا إخواني في الله مما يستفاد من هذا الأثر ما كان عليه الصحابة جميعا في باب القضاء والقدر، وهو الإيمان بما أوجب الله جل وعلا بالإيمان به، ولهذا يقول طاووس بن كيسان اليماني رحمه الله: قال «أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر، كل شيء بقدر»، فهذا إجماع الصحابة، ما هناك أحد نازع في هذا الأمر، فما نازع إلا الخلف من المبتدعة. ويقول إمام النووي رحمه الله تعالى: تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله جل وعلا، هذا الذي أذكره، وبهذا ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر بما يتعلق بباب ما جاء في منكر القدر، وعرجنا على الآثار المروية في هذا الباب مع إضاح المسائل التي ذكرها في هذا المقام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.